الجمعة، 5 يونيو 2026

الأُمــية الوظيفية - التحدي الخفي في بناء الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي يمتلك فيها الفرد القدرة الشكلية على القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى القدرة الحقيقية على فهم النصوص واستيعاب مضامينها وتحليلها بصورة عميقة، فضلاً عن محدودية قدرته على إنتاج نصوص متماسكة فكرياً ولغوياً. وتُعد هذه الظاهرة من التحديات المعاصرة التي لا تقتصر على مجتمع أو دولة بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية والثقافية.

ولعل ما يثير الدهشة أن الأمية الوظيفية قد تنتشر بين أشخاص يحملون شهادات علمية أو يتمتعون بقدرة ظاهرة على القراءة والكتابة، إلا أنهم يعجزون عن استيعاب المعاني الكامنة وراء النصوص، أو توظيف المعرفة في التحليل والاستنتاج واتخاذ المواقف السليمة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف الوعي، وقصور الإدراك، وتراجع الدافعية نحو التعلم المستمر، فضلاً عن الاتكالية والكسل الفكري اللذين يؤديان إلى انكماش القدرات الذهنية وتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

إن القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسليم من الناحيتين اللغوية والفكرية ليست مهارة متساوية لدى جميع الأفراد، بل تتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة والخبرة والبيئة المحيطة. ومن هنا تصبح الأمية الوظيفية عائقاً بنيوياً يحد من فاعلية الإنسان في أداء أدواره الاجتماعية والمهنية، وقد تنعكس آثارها سلباً على ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه، الأمر الذي قد يفضي إلى مشكلات نفسية وشعور بالعجز أو الإحباط.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الظاهرة ينبغي ألا يقود إلى تصنيف البشر بين أذكياء بالفطرة وضعفاء بالفطرة، فالفروق الإنسانية أكثر تعقيداً من هذا التصور المبسط. فالإنسان يمتلك طاقات وقدرات كامنة يمكن أن تزدهر أو تتراجع تبعاً للظروف التي يعيشها. فحين تتوافر بيئة سليمة قائمة على العدالة والاحترام والتحفيز، تتفتح ملكات الإبداع والفهم والتحليل لدى الفرد، ويصبح أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء. أما عندما يتعرض للتهميش أو القهر أو الحرمان من الحقوق والفرص لفترات طويلة، فقد تتراجع قدراته الذهنية والنفسية، ويصبح أقل قابلية للتفاعل الإيجابي مع المعرفة والحياة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمية الوظيفية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي قضية اجتماعية وثقافية ونفسية ترتبط بجودة البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالتربية السليمة، والتعليم النوعي، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن مسؤولية مواجهة الأمية الوظيفية تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، فضلاً عن مسؤولية الفرد تجاه تطوير ذاته وتنمية قدراته. فبناء مجتمع متماسك ومزدهر لا يتحقق بمجرد نشر التعليم الشكلي، بل يتطلب ترسيخ ثقافة الفهم العميق، واحترام العقل، وتنمية مهارات التحليل والاستنتاج والإبداع.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مكافحة الأمية الوظيفية تمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأنها تسهم في إطلاق طاقاته الكامنة وتحويلها إلى قوة إيجابية تدفعه نحو تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء إنسان واعٍ وقادر على الفهم والتفكير هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

 

 


ليست هناك تعليقات: