الثلاثاء، 27 يناير 2026

المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف

 بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تصنف المجتمعات البشرية من قبل المختصين في النظم السياسية والاقتصادية على انها مجتمعات "مستوطنات بشرية"، "مجتمعات هشة"، مجتمعات متخلفة"، "مجتمعات نامية"، و"مجتمعات متطورة"، التي تسمى ايضاً "مجتمعات العالم الاول".

ان البناء المؤسسي الصحيح للإنسان من قبل السلطة في دول العالم الاول، والذي يعد عملية استراتيجية لتطوير القدرات البشرية، أفرز مجتمعات ذات شأن، محصنة من الاختراق ومتطورة من النواحي العلمية والحضارية والفكرية، قائمة على مبادئ احترام الوقت والقانون، والتعايش السلمي، والايمان بالمنافسة العادلة، وزيادة الانتاج وتحسين نوعيته، وهذا الامر لم يأت اعتباطاً وانما نتاج لعدة عوامل من أهمها؛ الاستغلال الامثل للثروات والموارد الاقتصادية المتاحة، والاستثمار في راس المال البشري، واستخدام التكنولوجيا في قطاعات الحياة الاجتماعية، مما ادى الى تحقيق تقدماً شاملاً في مجالات البنى التحتية والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والاقتصاد والعدالة القضائية، إضافة الى توفير فرص العمل بعد اقامة المشاريع الإنتاجية الضخمة، والاهتمام بالعلم والكفاءات العلمية والثقافية، والتركيز على المؤسسات التربوية وبرامج الاندماج ووحدة اللغة لتنمية الروح الوطنية والانتماء الوطني.

الامر الذي أنتج مجتمعات صحية، انجبت حكومات قوية خالية من الفساد والمحسوبية، انتجت دولاً قوية انخفضت فيها الاصوات وقل الكلام، وارتفعت وتيرة العمل والإنتاج، واختفت الى حدٍ كبير المظاهر العشائرية والقبلية والقومية والعرقية والدينية، بعد ان تحققت العدالة الاجتماعية، وأصبح القانون القاسم المشترك بين ابناء المجتمع الواحد، بحيث أمست هذا المجتمعات والدول ملاذاً آمناً للنازحين والمهاجرين من المجتمعات الهشة والدول الفاشلة الى دول العالم الاول.   

أما في المجتمعات الهشة والدول الفاشلة، فيعاني الانسان من الاهمال وعدم الاهتمام من قبل السلطة، وتعيش المجتمعات بشكل عام حياة الفقر المدقع والبطالة، وانعدام الامن والامان، وضعف التماسك الاجتماعي والتفكك الاسري، وعدم المساواة بين المكونات الاجتماعية، وانتشار العدمية والايمان بالخرافة، وغياب التسامح والقبول بالتعددية، واستشراء الفساد، واستبداد السلطة، وكثرة الاضطرابات والصراعات الداخلية والكوارث الطبيعية والإنسانية نتيجة ضعف المؤسسات الحكومية، وعدم قدرة الدولة على الإصلاح واجراء التغييرات لتحقيق تطلعات أبناء المجتمع، خاصة في دول الشرق الاوسط وأفريقيا وامريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي وغيرها، ذات الموارد الاقتصادية والبشرية الكبيرة غير المستغلة، والتي غالباً ما تكون مخترقة والولاء فيها للأجنبي وللمجموعة والقبيلة والطائفة والقومية والعرقية اكثر من الولاء للوطن. 

كما يكون بناء الانسان في المجتمعات الهشة عشوائياً، قائم على اساس ادامة الفقر وتبديد الثروة والموارد الاقتصادية، وإهمال التربية والتعليم وتركها لجهود رب الاسرة، وذلك لعدم وجود مؤسسات تربوية حقيقية تحتضن الفرد وترتقي به من الروضة الى الابتدائية ومنها الى الإعدادية والجامعة، ضمن برامج علمية وتربوية مدروسة، الامر الذي خلق مجتمعات معاقة فكرياً وثقافياً وانسانياً، تعاني من الفقر المدقع والجوع، وانعدام الناتج المحلي والنتاج الفكري والعلمي، الذي يعطيها الأهلية القانونية والمعنوية في كيفية التعامل مع الظواهر الاجتماعية والازمات والتحديات المحيطة بها، وعرضة للتأثر بالمحيط الخارجي للدولة وبالروحانيات كبيئة جاذبة، تساعد على خلق مجتمعات هشة غير قادرة على انتاج اجيال قيادية لديها القدرة على تقديم ما هو إيجابي وافضل عند تسلم السلطة، باعتبارها نتاج للحرمان وارهاصات الخوف والفقر والتناقضات التاريخية السلبية التي زرعت ونمت في شخصية الانسان المتصدي للعملية السياسية في هذا المجتمع الهش او تلك الدولة الفاشلة. 

في المجتمعات الهشة، ترتفع الاصوات ويكثر الكلام والخمول معاً، ويقل العمل وينعدم الانتاج، وتزداد البطالة المقنعة، ويتم الاعتماد على الاستيراد بشكل كبير بعد ان يجبر الانسان على فقدان الثقة بنفسة كمنتج، حيث ينتظر القائمون على السلطة من الدول المتقدمة، التي تتربص بهم، تقديم العون والمساعدات المادية والمعنوية لإعادة هيكلة وبناء دولهم، وكأنه واجب حتمي عليها، من حيث لا يعلم السذج من القوم، بانه "لكل حادث حديث"، و"لكل شيء ثمن"، لذلك فان المجتمعات الهشة لا تنتج قيادات حقيقية تلبي حاجات الشعب والوطن الذي غالياً ما يكون منقوص السيادة، وانما تنتج دولاً فاشلة.  

ان عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية وغياب السلطات الرقابية الامنية والقضائية، التي تعمل على المحاسبة ومعالجة السلبيات وتنمية الايجابيات لتحقيق الازدهار والرفاه الاجتماعي، وتحجم الى حدٍ ما مصالح الطبقة المهيمنة على السلطة والمال والجاه، خلق مجتمعات عالمية هشة مصنفة أممياً كـ"مستوطنات بشرية" و"مجتمعات فقيرة"، متخلفة فكريا ومتأخرة حضارياً ومتشددة قومياً وعقائدياً ضمن منظومة دول فاشلة، اصبحت باباً من ابواب الفساد المحلي والدولي، تعد في آن واحد مدعاة للتعاطف، والسخرية، والرأفة، وعدم الاحترام من قبل الدول والمجتمعات الرائدة في العالم. 

ان معالجة الهشاشة وتحصين الدولة والمجتمع من الاختراقات لا يأتي باستخدام الحديد والنار، وسياسة التجويع والتخويف والقهر الاجتماعي، كوسيلة للاستقرار والتطور والرفاه الاجتماعي، وانما بتحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على آفة الفساد، والاستخدام الامثل للموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة وتوظيفها بشكل صحيح ضمن سياسة استراتيجية وبرامج عمل تهدف الى تحقيق الازدهار الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، وبذلك لا تستطيع الهشاشة ان تنتج نفسها على مر الزمن وتصبح واقع حال وثقافة مجتمعية لا يمكن المساس بها بسبب ان "الانسان الهش" اصبح رافضاً لتغيير نمط حياته التي اعتاد عليها، وإن تَغيَّر جدلاً، فسيكون فوضوياً.

لذلك فان مجموعة المستفيدين من هشاشة المجتمع وتخلفه تحاول دائما كبح فرامل "الوعي المجتمعي" لدى الانسان، الذي يهدد مصالح الطبقة المستفيدة، سياسية كانت ام اقتصادية ام ثقافية أو دينية، بحيث اصبحت المجتمعات الهشة تنتج انظمة هشة همها توظيف القوانين لحماية وديمومة مصالحها، مما أثر سلباً على صعود الشخصيات العلمية والثقافية الوطنية التي يمكن ان يكون لها دور ايجابي لو تسلقت سلم السلطة.  

في الوقت الحاضر، اصبحت "المجتمعات الهشة" و"الدول الفاشلة" مستهدفة أكثر من اي وقت مضى من قبل القوى الكبرى في انتهاك سيادتها والهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وتدمير مواردها البشرية، بحجة اصلاح ذات البين، واستثمار الثروات بشكل صحيح، وبذلك تدفع المجتمعات الهشة في الدول الفاشلة ثمن تخلفها الفكري والثقافي والحضاري الذي لو استثمر بشكل صحيح لكانت المعادلة تختلف تماماً عما تكون عليه كواقع حال بات من الصعب تغييره، وفي النهاية تبقى المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف والفقر والحرمان. 

لقراءة المزيد من المقالات انقر على الرابط الاتي:المنبر الدبلوماسي الدكتور زاحم محمد الشهيلي


الخميس، 15 يناير 2026

القوات المسلحة المصرية - دور المؤسسة العسكرية المصرية في الحياة السياسية وحفظ الامن 1952-2013 أسابه وتداعياته

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعدُ المُؤسَّسة العسكريَّة في أيَّةِ دولةٍ ذات سيادةٍ من المكونــاتِ الأساســيَّةِ لنظــامِها السياسي، كونَها تشكلُ رمزاً لقوةِ الدولةِ والسُلطةِ السياسيَّةِ، وقد قادَ الإعتمادُ على هذا الرمزِ بشكلٍ أساسيٍّ في ممارسةِ السُلطةِ في أغلبِ بلدانِ العالمِ الثالثِ ومنها جمهوريَّة مصر العربيَّة إلى تدخلِ المؤسَّسة العسكريَّة المتكررِ في الحياةِ السياسيَّةِ المدنيَّةِ وهيمنتِها على عمليَّةِ صُنعِ القرار السياسي في الظروف الإستثنائية للحفاظ على الأمن القومي للدولة والشعب، الأمر الذي أَثارَ إهتمامَ الباحثينَ والمختصينَ في النُظمِ السياسيَّةِ والشأنِ العسكري للبحثِ في هذا الموضوعِ.

وقد أخذَ دورُ المُؤسَّسة العسكريَّة في المنطقةِ العربيَّةِ يتضِحُ من خلالِ دعمها لثوراتِ الشعوبِ العربيَّة أَو التصديَّ لها، الأمر الذي طرحَ تساؤلات عدة حولَ طبيعةِ علاقةِ المُؤسَّسة العسكريَّة بالحِراكِ السياسي المَدني واختلاف دورها في الدول العربيةِ التي شَهدتْ ثورات شعبية مطالبةً بالإصلاح السياسي والإقتصادي، والأسباب التي دفعتْ المُؤسَّسة العسكريَّة إلى تغيير موقفِها من داعمٍ لبقاءِ الأنظمةِ الدكتاتوريَّةِ في السُلطة لإرتباط القادة بها وعدم تجاوزِ العسكرِ لمهامِهم في حمايَّةِ الأمن القومي للدولةِ إلى أَن تكونَ عاملاً مؤثراً في التدخلِ بالشؤونِ السياسيَّةِ وداعماً للشعوبِ الثائرةِ في تحقيقِ مطالبِها.

أَمَّا بالنسبة للمُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّةِ فإنَّ دورَها وطبيعةَ علاقتَها بالسُلطةِ السياسيَّةِ قد أَخذَ جانباً مختلفاً عن بقيَّةِ المؤسساتِ العسكريَّةِ في المنطقةِ العربيَّةِ والإقليميَّةِ بسبب إرتباطِها وهيمنتِها على السُلطةِ السياسيَّةِ منذُ قيام ثورة 1952 على يدِ مجموعةٍ من الضباطِ الثائرين، بحيثُ وِلِدَ جميعُ الرؤساءِ الذين حكموا مصر منذُ ذلك الحينِ وحتى قيام أحداث 25 كانون الثاني / يناير 2011 من رحِمِ المُؤسَّسة العسكريَّة، لكِنها بقيَّتْ وفيةً للجماهيرِ حينَ استدعتْ الحاجةُ لها لِسَدِ الفراغَ الذي خلفهُ إنسحابُ قوى الأمنِ والشرطةِ إبانَ أحداث 25 يناير عام 2011 حينَ وضعَ الجيشُ مسافةً بينهُ وبينَ السُلطةِ السياسيَّةِ، وحرصَ على حمايَّةِ الجماهيرِ الثائرةِ وإقناعَ الرئيسَ (محمد حسني مبارك) بالتنحيَّ عن الحُكمِ في لحظةِ احتدام الأزمة، ومالَ في نهايَّةِ المطافِ تجاه الشعبِ ومطالبهِ المشروعةِ.

وعليهِ يُمكُنُ القولُ أَنَّ المُؤسَّسةَ العسكريَّةَ المصريَّةَ لَعِبتْ دوراً بارزاً ومحورياً في الحياةِ السياسيَّةِ في تلك الفترةِ بعد إندلاعِ أحداث 25 يناير 2011، التي تصاعدتْ فيها الإحتجاجاتُ الشعبيَّةُ المناوئةُ للحُكمِ في مصر، وتعالتْ الأصواتُ المطالبةُ برحيلِ الرئيس الأسبق (حسني مبارك)، الذي أُجبِرَ على التخليَّ عن السُلطةِ في 11 شباط / فبراير 2011، وتكليف "المجلس العسكري" برئاسة المشير (محمد طنطاوي) لإدارة شؤون السُلطة في مصر، وأعقبَ ذلك قيام ثورة 30 حزيران / يونيو 2013 التي انتهتْ بعزلِ الرئيس السابق (محمد مرسي) من السُلطةِ في 3 تموز / يوليو 2013، والذي يعد من أهم التطورات البارزة في الحياةِ السياسيَّةِ المصريَّةِ من حيثِ توفيرِ الظروفِ المناسبةِ لعودةِ المُؤسَّسةِ العسكريَّةِ المصريَّةِ الى المسرحِ السياسي.

لذلك يقودنا البحث في دور المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة في الحياة السياسيَّة المَدَنيَّة الى حتميَّة التطرُّق إلى تاريخ نشأتها، والظروف التي أدَّت إلى صيرورتها، والتحدِّيات التي أحاطت بولادتها محليّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً، والتي أدَّت – بالنتيجة - إلى نشأتها بالصورة التي ألفناها اليوم، وهيَّأت لها الأرضيَّة المُناسِبة للهيمنة على رأس السُلطة، ومُؤسَّسات صنع القرار السياسيّ، والاقتصاديّ، ورسم سياسة الدولة الداخليّة، وعلاقاتها الخارجيّة الإقليميَّة، والدوليَّة، من خلال تناول دور المُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّة في صنع القرارات السياسية، وموقفها من قضايا الأمن القـومي المصـري، والإلتزامـات والمعاهدات الدولية والإقليميَّة، وعلاقتها بالسُلطة السياسيَّة بعد وصولِ الإخوان المسلمين الى سدَّةِ الحُكم، وذلك من خلال عرض الفصول، والمباحث، والمطالب؛ للوُقُوف على هذه الظروف، والتحدِّيات، والمُلابَسات التي مكَّنت المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة من الهيمنة على الحياة السياسيَّة المدنيَّة للبلاد بداعي حفظ الامن القومي؛ لتُصبِح "واقع حال"، وثقافة مُجتمَعيَّة يَراها بعض المحللّين السياسيين والنُقاد مُنافِية للنُظُم الدستوريَّة، والديمقراطيَّة العالميَّة، والتداول السلميِّ للسُلطة. 

الأربعاء، 14 يناير 2026

الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تناولت الدراسية البحثية "الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة" الجوانب القانونية التي تحدد علاقة الدول الاطراف بمكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولات الملحقة بها، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات (1961، 1971، 1988)، والتي تتضمن التزامات الأطراف القانونية في مجال التعاون وتقديم المشورة والمساعدة الفنية والقضائية والمعلوماتية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود بكافة اشكالها.

تطرقت الدراسة الى البرامج التي يقوم بتنفيذها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC على المستوى الدولي، فضلاً عن برامج الأمم المتحدة لمراقبة الحاويات البحرية، وتبادل المعلومات، التي تهدف الى الحد من الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وكذلك استعراض استراتيجية مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة 2021-2025 على المستوى الدولي، وإمكانية استفادة الدول الاطراف من تلك البرامج والاستراتيجيات من ناحية الدعم والاستشارات القانونية والفنية وإقامة الدورات التدريبية الخاصة بتأهيل الكوادر المتخصصة بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة والإجراءات المتصلة بها، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، والإرهاب في اطار التدابير المتخذة من قبل الامم المتحدة ومكتبها المعني بالمخدرات والجريمة الـUNODC.

تناولت الدراسة ايضاً مستوى التعاون والتمثيل والبرامج وآليات العمل المشتركة بين العراق، ومكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC، كنموذج للتعاون الدولي من خلال مكتبه في بغداد، فضلاً عن استعراض جهات صنع القرار، وترأس العراق لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية للمدة 2022-2024، وخطة عمل ممثلية العراق الدائمة لدى المنظمات الدولية في فيينا 2022-2023.

وأُختتمت الدراسة البحثية في المقترحات والتوصيات التي تهدف الى تعزيز التعاون الفعال بين الدول الاطراف والامم المتحدة، وإمكانية الاستفادة من الجهد الدولي في مكافحة الجريمة الوطنية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والمتعلقة بجرائم المخدرات، والفساد، وغسل الأموال، والاتجار بالبشر، والإرهاب، والعمل على استتباب الأمن وحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، واعادة هيكلة المؤسسات الامنية والقضائية المحلية العاملة في هذا المجال، وتوفير فرص الاستشارة والتأهيل والتدريب الفعال لها.



جدلية تربية الأبناء وعقوق الوالدين


بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يقول الله تعالى في محكم آياته: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الكهف 46)، حيث جعل الله الابناء ثروة مكملة لثروة المال لكي تكتمل زينة حياة الانسان وتستمر، وبذلك تستمر حياة البشرية وتتكاثر عن طريق الانجاب كسرٍ من أسرار الديمومة الإلهية في توارث البشر، حيث يتوازى المال والبنون في كفتي الميزان الإلهي، وبذلك باتت غريزة الانسان لا تُشبعْ أو تستقر الا من خلال الزواج وإنجاب الأطفال وتكوين الثروة والاسرة كحاجة ملحة لديمومة الحياة، ولتكون الاسرة وفق هذا المفهوم الخلية الأصغر المكونة للمجتمع الكبير الذي يضم في طبقاته أسر متفاوتة من حيث المال والثقافة والعلم والجاه والمكانة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، بدأ الوالدان يتحملان العبء الأكبر لبناء الاسرة من ناحية توفير العيش الرغيد للعائلة والاهتمام بتربية أبناءهم من عدة نواحي؛ منها الأخلاقية والعلمية والثقافية والوطنية، الامر الذي خلق مجتمعات عالمية يتنافس فيها أبناء المجتمع الواحد على صدارة المشهد الثقافي والعلمي، رغم ان المستوى الثقافي والعلمي للوالدين لم يكن في ذلك الحين بذلك المستوى الذي نراه اليوم بالنسبة لمجتمعات الشرق الادنى، لكن من ساعدهم على ذلك طاعة ابناءهم، والاخلاق العالية التي كانوا يتحلون بها، واحترامهم لوالديهم ولبعضهم البعض، وطموحهم الكبير ورغبتهم الجامحة في تسلق سلم العلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة، بعد ان تم اتخاذ الاب أو الأخ او المعلم او أبن المنطقة الناجح قدوة في تحقيق الهدف.             

لم تكن تربية الأبناء صعبة من ناحية ضبط السيطرة على الاسرة بالنسبة للوالدين قبل الالفية الثانية رغم بساطة الحياة التي كانت تعيشها العائلة، وكانت متوازنة بين حرص الوالدين على تربية ابناءهم تربية صحيحة صالحة، وبين استجابة الأبناء واحترامهم لآراء اباءهم ووجهات نظرهم، والحرص على تحقيق امانيهم وآمالهم، والعمل على تعويضهم عما بذلوه من مال وجهد كبير في التربية والتعليم من خلال رد الجميل للوالدين وعدم انكار فضلهم، أو عقوق حقوقهم، ومساعدتهم في مواجهة تحديات الحياة التي أوصى بها الله تعالى حين قال: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الاسراء 23).

 تأمر الآية الكريمة الأبناء بحسن المعاملة وبر الوالدين في كافة مراحل الحياة، وتنهي عن قول "أُف" أو نهرهم، وتأمر بالقول الكريم والأسلوب السمح، وتُبرز مكانتهم بعد عبادة الله مباشرة، وتؤكد أن البر لا ينقطع حتى بعد وفاتهما، مشددةً على الشكر لهما كما الشكر لله عز وجل، حيث تربط الآية الكريمة عبادة الله بالإحسان للوالدين، مما يرفع من مكانة الأبناء.

وتحدد الآية الكريمة ايضاً كيفية الإحسان للوالدين عند بلوغهما سن الكبر، وهو أشد مراحل الحاجة للرعاية، فتأمر بالقول اللين والكلام الطيب بدلاً من التأفف أو النهر، إذ يشمل الإحسان للوالدين طوال حياتهم وبعد وفاتهم، عبر الدعاء لهما وصلة الرحم، ويُعد من أعظم الأعمال الصالحة، كما انه يجب التحدث معهما بلطف واحترام، وتجنب رفع الصوت عليهما أو قول ما يضجرهما، إضافة الى تلبية احتياجاتهما، والسعي الدائم اليهما، فهذا له أجر عظيم عند الله.  

لذلك نرى في الزمن الماضي، المسمى بـ"زمن الأخلاق الفاضلة"، كان الابناء يتسابقون على خدمة واحترام آباءهم وأمهاتهم حد القداسة حتى لو بدر منهما ما يعكر المزاج ويكدر الخاطر، ويحاولون جاهدين ان يكونوا بمستوى المسؤولية، بارين بوالديهم امام الله تعالى والناس، يأخذون بنصائحهم وتوجيهاتهم السديدة في الحياة، وبذلك استطاع الوالدان ان يبنوا أُسراً عظيمة، وان ينتجوا جيلاً من العلماء والمثقفين، والوطنين الافذاذ، الذين تركوا بصمة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وكانوا فخراً لبلدهم وعوائلهم.

لكنه في هذا "الزمن الاغبر"، زمن التطور التكنولوجي والعالم الافتراضي الصاخب، تغيرت الكثير من مفاهيم التربية، وانحدرت الاخلاق وسط الفوضى الاجتماعية والثقافية العارمة التي اجتاحت المعمورة من أقصاها الى اقصاها، حيث فقدان أغلب الابناء للتربية الصحيحة، والشخص القدوة، وبوصلة الاحترام والتقدير لوالديهم، ولكبير العائلة، والأستاذ المعلم في المؤسسات التربوية، وانعدمت الاخلاق، وقل الصدق والثقة بين الناس، واصبح الولدُ نقيضاً لأبيه، ونداً له في الحياة الاجتماعية الى درجة التطاول عليه في الكلام والاعتداء بالضرب في بعض الأحيان، وضعفت المودة وصلة الرحم والقرابة بين أبناء الاسرة الواحدة وتشتت شملها، واصبحت الانانية والمصالح الشخصية للأبناء هي التي تتكلم عن كيفية إدارة دفة الحياة ومصالح الاسرة والمجتمع بشكل عام.    

ووفقاً لذلك، باتت الفوضى تعم في المجتمع بعد ان مرضت الاسرة، ليسدل الستار على المبادئ والقيم، والعادات والتقاليد العائلية التي اعتاد عليها الآباء والاجداد، لندخل في نفق الانحدار والانحلال والتمرد الاخلاقي العائلي بسبب ظهور أجيال فوضى العالم الافتراضي غير المنضبطين قانونياً واخلاقياً ودينياً وتربوياً، تتحكم بهم نزوات الأنا والتمرد، ونكران الجميل، والصيرورة على حساب الآخر، التي تتعالى كثيراً على رغبات الوالدين، اللذان أفنوا حياتهم لكي يكون ابنهم "فلان" وابنتهم "فلانه" في مستوى اجتماعي يليق بسمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية المرموقة. 

لذلك فان الله تعالى لم يخفِ ذلك في الآية الكريمة حين قال: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف 46)، إذ تُبيّن الآية بأن الأموال والأولاد زينة ومتاع مؤقت في هذه الدنيا، بينما الأعمال الصالحة الدائمة خير وأبقى عند الله ثواباً وأملاً، خاصة حين اصبح الوالدان - في الوقت الحاضر - يخشون شر ابناءهم، وما يجلبونه لهم من مشاكل لا تتفق مع الاخلاق والاعراف الاجتماعية، وكذلك المشاكل الاسرية التي تعدت حدود الاخلاق، والتجاوز على الوالدين من قبل الابن او البنت بكلمات نابية، وربما بالضرب في بعض الأحيان او القذف بهم في الشارع او دار العجزة، وكأنهم لم يلدوهم صغاراً حتى اشتد عودهم وصاروا رجالاً ونساءً.  

وعليه حذر الله تعالى الآباء من الأزواج والأبناء في سورة التغابن بقوله: "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن 14)، وكأن ما نراه في العصر الحالي يتطابق مع روح القرآن الكريم، اذ تحث الآية الكريمة على الحذر من انحراف الأبناء في الحياة الاجتماعية وتمردهم على والديهم، مع التأكيد على أن العلاقة الأسرية يجب أن تكون مبنية على المودة والرحمة مع إعطاء الأولوية لرضا الله.

لذلك فان الله سبحانه وتعالى حين امر بقتل الغلام المشار اليه في سورة الكهف كان سببه انه كان عاقاً لوالديه، كما يعق بعض الأبناء اليوم آبائهم وامهاتهم بقسوة، واراد ان يخلصهم من شره وارهاقه لهم: "هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا" (الكهف: 78)... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81).

ان الانحدار الاخلاقي في الوقت الحاضر جعل من بعض الأبناء لا يفكرون ملياً بصحة وسعادة اباءهم، وانما بمصالحهم الشخصية ونزواتهم ورغبات الميراث فقط، ومحاولة التخلص من مسؤولياتهم أمام الله والناس تجاه الوالدين والاسرة، فأما ان يتركوهم يعانون شظف العيش وتدهور الحالة الصحية، او ان يذهبوا بهم الى دار العجزة ليجدوا الراحة الابدية بعيداً عن آهات عائلة الابن التي تريد ان تعيش حياتها بعيداً عن معاناة الاباء والاجداد المسنين، الذين باتوا يشدون امتعة الرحيل الى بارئهم املاً بدعاء او ثواب قد يأتهم من الابناء لدى العزيز الكريم. 

لذلك فان الجميع – الإباء، والمؤسسات التربوية والدينية، ومنظمات المجتمع المدني -  مطالب، في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، بالتحرك وابداء الراي والمشورة والموعظة الحسنة لوضع البرامج التربوية الخاصة بتربية الأبناء، بهدف اصلاح ذات البين لمن أراد اليه سبيلا، لان الذي يعق والديه بالتأكيد سيعق وطنه، وسيعقه ابناءه كمسلمة حياة في المستقبل، وان اصلاح شؤون الاسرة يعد اصلاحاً لشؤون المجتمع برمته.