الاثنين، 31 أغسطس 2026

اتفاقية مكة للدفاع المشترك - من تحالف أمني ثلاثي الى "اتحاد شرق اوسطي"


دراسة بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

لم يعد "الشرق الأوسط" قادراً على الاستمرار في إدارة أزماته بالطريقة التقليدية القائمة على ردود الفعل، أو الاعتماد الكامل على القوى الدولية الكبرى لتوفير الأمن والاستقرار، أو انتظار التسويات الخارجية لإنهاء النزاعات التي تستنزف موارده البشرية والاقتصادية والسياسية.

فالمنطقة التي تمتلك نسبة كبيرة من احتياطيات الطاقة العالمية، وتشرف على أهم الممرات البحرية الدولية، وتحتل موقعاً جيوسياسياً يربط آسيا بأوربا وأفريقيا، ما زالت تفتقر إلى منظومة أمن إقليمية مستقلة قادرة على حماية مصالح دولها، وإدارة خلافاتها، ومنع تحويلها إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولية.

ومن هنا تبرز أهمية "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" التي وقعتها المملكة العربية السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في 7 آب 2026، باعتبارها تطوراً يمكن أن يتجاوز حدود الاتفاق الأمني الثلاثي، إذا ما جرى تطويره ضمن رؤية استراتيجية أشمل، إذ نص الاتفاق على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الموقعة يُعد هجوماً على الدول الثلاث، مع التأكيد على أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها، وأنه مفتوح أمام الدول الصديقة الراغبة في تعزيز السلام والاستقرار الإقليمي

غير أن السؤال الحقيقي ينبغي أن يكون: هل تستطيع اتفاقية مكة أن تكون نقطة البداية لبناء نظام إقليمي جديد ينهي عصر الصراعات المفتوحة ويؤسس لـ"اتحاد شرق أوسطي" يمتلك القدرة على حماية أمنه ومصالحه دون أن يتحول إلى محور ضد أحد؟ وهنا تكمن أهمية الانتقال من مفهوم الدفاع المشترك إلى مفهوم المصالح المشتركة الذي يؤسس الى تحالف حقيقي تتشابك فيه المصالح والاولويات، وعلى النحو الاتي:  

أولاً- الشرق الأوسط أمام "الفرصة الأخيرة": إن استمرار الأزمات في غزة ولبنان وسورية واليمن والسودان، والتوترات الخليجية، والصراع الأمريكي - الإيراني، إلى جانب القضية الفلسطينية، وأمن الملاحة والطاقة، والإرهاب والتطرف، والنزاعات الحدودية والمائية، كلها تؤكد أن النظام الإقليمي القائم لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار.

وقد أثبتت الأحداث المتلاحقة أن أي حرب في جزء من الشرق الأوسط يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية ودولية، بسبب الترابط الجغرافي والاقتصادي والأمني بين دول المنطقة.

فإغلاق أو تهديد أي من الممرات البحرية لا يمثل مشكلة للدولة التي يقع فيها فقط، بل ينعكس على أسعار الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد والغذاء والاستثمار. ولهذا فإن الأمن في الشرق الأوسط لم يعد مفهوماً عسكرياً فقط، وإنما أصبح أمناً سياسياً واقتصادياً وغذائياً ومائياً وطاقوياً وتكنولوجياً وبيئياً وسيبرانياً.

ومن هذا المنطلق، فإن بناء تحالف إقليمي حقيقي يجب ألا يبدأ من السؤال: من هو العدو؟، وإنما من السؤال: ما هي مصالحنا المشتركة؟ وكيف نحميها بصورة جماعية؟

ثانياً- اتفاقية مكة بين الواقع والطموح: تمثل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" ٢٠٢٦ خطوة مهمة باتجاه الهدف المنشود، لأنها تجمع ثلاث قوى ذات إمكانات متكاملة نسبياً: ١) السعودية؛ الثقل الاقتصادي والمالي والطاقة والموقع الاستراتيجي. ٢) تركيا؛ القوة العسكرية والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والبنية الاقتصادية. ٣) باكستان؛ الخبرة العسكرية والقدرات الاستراتيجية النووية والعمق الجغرافي.

وقد أكدت تركيا أن الاتفاق يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية والردع الجماعي والتعاون في الصناعات الدفاعية، بما في ذلك مجالات الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، مع التأكيد على أنه لا يستهدف دولة بعينها. 

وهذه عناصر قوة مهمة، إلا أنها لا تكفي وحدها لإنشاء نظام إقليمي مستدام. فالتحالفات لا تعيش بالقدرات العسكرية وحدها، وإنما تعيش بالمصالح المتشابكة التي تجعل تفككها أكثر كلفة من استمرارها. وهنا تظهر المعضلة الأساسية في اتفاقية مكة: فإذا بقيت اتفاقية دفاعية ثلاثية، فإن قدرتها على التأثير ستكون محدودة؛ أما إذا تحولت إلى إطار لتكامل سياسي واقتصادي وأمني وتكنولوجي، فإنها يمكن أن تصبح نواة لنظام إقليمي جديد.

ثالثاً- الدرس الأوربي والتحول من المصالح إلى الاتحاد: لم تقم تجربة الاتحاد الأوربي الناجحة على فكرة الدفاع المشترك وحدها، وانما قامت على ركام الحروب الأوربية الكبرى وملايين الجثث التي خلفتها، بعدها أدركت الدول الاوربية أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق بمجرد توقيع اتفاقيات عسكرية، وإنما من خلال جعل الحرب بين الدول الأوربية متعارضة مع مصالحها الاقتصادية والسياسية.

وهكذا بدأ التكامل الأوربي من قطاعات اقتصادية استراتيجية، ثم تطور إلى مؤسسات سياسية وقانونية مشتركة. لذلك فان الدرس الذي يمكن استخلاصه للشرق الأوسط ليس تقليد الاتحاد الأوربي حرفياً، وإنما استيعاب فلسفته الأساسية: اجعل مصالح الدول متشابكة إلى درجة يصبح معها الصراع بينها غير عقلاني ومكلفاً. ومن هنا يمكن تطوير اتفاقية مكة وفق المعادلة التالية: دفاع مشترك - أمن مشترك - اقتصاد مشترك - مصالح مشتركة - آليات لتسوية النزاعات اتحاد إقليمي.

رابعاً- المشكلة الأساسية ليست غياب القوة وإنما غياب النظام: من الواضح للعيان ان الشرق الأوسط يمتلك موارد وإمكانات هائلة من اهمها؛ الطاقة بكافة اصنافها، النفط والغاز، الموقع الجغرافي، الأسواق الكبيرة، رؤوس الأموال، القوى البشرية، الموارد البشرية الفنية، الممرات البحرية، الصناعات العسكرية المتنامية، الجامعات ومراكز البحث، الثروات السياحية والثقافية والدينية، والموقع الرابط بين آسيا وأوربا وأفريقيا.

لكن المشكلة تتمثل في أن هذه العناصر تعمل غالباً بصورة منفصلة. فالدولة الغنية بالطاقة تحتاج إلى التكنولوجيا، والدولة ذات التكنولوجيا تحتاج إلى الأسواق، والدولة ذات القوة البشرية تحتاج إلى رأس المال، والدولة ذات الموقع الجغرافي تحتاج إلى الاستثمارات، والدول التي تواجه ندرة المياه تحتاج إلى التعاون العلمي والتكنولوجي. وبالتالي فإن التكامل الإقليمي يمكن أن يحول عناصر الضعف المتفرقة إلى عناصر قوة جماعية.

خامساً- من "تحالف مكة" إلى "منظومة مكة": من الأفضل ألا يتم الانتقال مباشرة إلى إنشاء "اتحاد شرق أوسطي" بصيغة سياسية فوق وطنية؛ لأن ذلك سيكون سابقاً لأوانه، وقد يثير مخاوف الدول التي تخشى فقدان جزء من سيادتها. والحل الأكثر واقعية هو إنشاء منظومة تدريجية يمكن تسميتها "منظومة مكة للأمن والتنمية الإقليمية" وتتكون من خمس مراحل من أهمها المرحلة الأولى.

المرحلة الأولى تشمل الدفاع والأمن وتتضمن انشاء: ١) مجلس دفاع مشترك. ٢) مركز استخبارات إقليمي. ٣) مركز إنذار مبكر للصواريخ والطائرات المسيّرة. ٤) منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة. ٥) تدريبات عسكرية مشتركة. ٦) قوة تدخل سريع لمواجهة الكوارث والأزمات. ٧) مركز إقليمي لمكافحة الإرهاب. ٨) مركز للأمن السيبراني. ويجب أن يكون الهدف الأساسي هو الردع ومنع الحرب، وليس البحث عن حرب جديدة.

سادساً- إنشاء "مبدأ مكة للأمن الجماعي": يمكن تطوير الاتفاقية إلى مبدأ سياسي واضح يقوم على؛ "أي عدوان خارجي على دولة عضو يمثل تهديداً للأمن الإقليمي، ويستوجب التشاور الجماعي واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي". وهنا يجب تجنب النسخ الحرفي للمادة الخامسة من حلف الناتو، لان الشرق الأوسط يحتاج إلى صيغة خاصة به تراعي اختلاف أنظمته السياسية ومصالحه وعلاقاته الدولية. ولهذا يمكن اعتماد ثلاث مستويات للرد تشمل؛ التشاور والوساطة، العقوبات والإجراءات الاقتصادية والسياسية المشتركة، الدفاع العسكري الجماعي في حال وقوع عدوان مسلح واضح. وهذا يجعل الاتفاقية أداة للسلام قبل أن تكون أداة للحرب.

سابعاً- "تصفير المشاكل" كأساس للاتحاد: هذه النقطة ينبغي أن تكون جوهر المشروع، لان المنطقة لا تحتاج إلى تحالف جديد يقوم على استعداء طرف آخر، وإنما إلى منظومة لتصفير النزاعات داخل المنطقة. ومن اجل تحقيق ذلك يمكن انشاء "مجلس مكة للمصالحة والأمن الإقليمي"، تكون مهمته: تسوية الخلافات العربية - العربية، تسوية الخلافات العربية – الإسلامية والإسلامية - الاسلامية، الوساطة بين دول المنطقة، منع الحروب بالوكالة، إدارة الملفات الحدودية، معالجة النزاعات المائية، مكافحة التدخلات الخارجية، وإنشاء آلية للإنذار المبكر بالأزمات. ويجب أن تكون القاعدة: "لا حرب بين دول منظومة مكة قبل استنفاد جميع آليات الوساطة والتحكيم والتفاوض". وبذلك يمكن ان يتحول التحالف من أداة دفاع عسكري إلى آلية لمنع الحرب نفسها.

ثامناً- "إيران" من الخصم المحتمل إلى الشريك المحتمل: إن إدراج إيران في المشروع يمثل أكثر القضايا حساسية، فإذا تحولت اتفاقية مكة إلى تحالف من طرف مذهبي واحد في مواجهة إيران، فإن المشروع سيولد منذ لحظته الأولى باعتباره جزءاً من الصراع المذهبي الاسلامي والجيوسياسي، الأمر الذي سيعيد إنتاج المشكلة بدلاً من حلها. لذلك فإن الرؤية الاستراتيجية الأكثر واقعية تتمثل في: "عدم جعل إيران عدواً للتحالف، وعدم منحها حق تعطيل التحالف في الوقت نفسه".

ويكون الباب مفتوحاً أمام إيران مستقبلاً، بعد الاتفاق على مبادئ واضحة، أهمها: عدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، احترام سيادة الدول، عدم استخدام الجماعات المسلحة العابرة للحدود، احترام حرية الملاحة، الالتزام بحسن الجوار، تسوية النزاعات بالحوار، واحترام الاتفاقات الدولية. وبذلك تصبح العضوية نتيجة للسلوك السياسي، لا نتيجة للهوية المذهبية.

تاسعاً- "العراق" الحلقة التي لا يمكن تجاوزها: يمثل العراق حالة استثنائية في أي مشروع أمني شرق أوسطي، فالعراق يقع في قلب المنطقة، ويرتبط جغرافياً وسياسياً واقتصادياً وأمنياً بالخليج وإيران وتركيا وسورية والأردن والسعودية، كما يمتلك موارد نفطية ضخمة، وموقعاً جغرافياً مهماً، وتجربة واسعة في مكافحة الإرهاب. ومن ثم فإن استبعاد العراق من أي منظومة إقليمية طويلة الأمد سيكون نقصاً استراتيجياً واضحاً. لكن انضمام العراق ينبغي ألا يكون على أساس اصطفافه مع طرف ضد آخر، "وإنما باعتباره جسر تواصل بين دول المنطقة".

ويمكن للعراق أن يؤدي دوراً خاصاً في: مكافحة الإرهاب، أمن الحدود، أمن الطاقة، الربط الاقتصادي، النقل البري والسككي، الوساطة الإقليمية، إدارة المياه، وإعادة الإعمار. وبذلك يمكن أن يتحول العراق من "ساحة صراع" إلى منصة للتوازن والحوار والتكامل الإقليمي.

عاشراً- توسيع العضوية دون تسرع: وقعت الكويت وباكستان في 28 آب 2026 اتفاقاً جديداً لتعزيز التعاون العسكري والتدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود، وهو تطور يعكس اتساع شبكة التعاون الدفاعي في المنطقة. لكن التوسع الى "اتحاد شرق أوسطي" يجب ألا يتم بطريقة تؤدي إلى تضخم التحالف قبل بناء مؤسساته. ولهذا يمكن تقسيم العضوية إلى: أعضاء مؤسسون؛ السعودية، تركيا، باكستان. أعضاء استراتيجيون؛ العراق، مصر، دول مجلس التعاون الخليجي. أعضاء إقليميون؛ سورية، الأردن، المغرب، الجزائر وغيرها. شركاء حوار؛ إيران، وغيرها من الدول المجاورة التي ترغب في التعاون دون العضوية الكاملة. وهذا النموذج يمنح المشروع مرونة أكبر ويمنع تحوله إلى كتلة مغلقة.

الحادي عشر- الاتحاد الاقتصادي يعد العمود الفقري الحقيقي: لا يمكن أن ينجح التحالف الأمني إذا بقيت اقتصادات الدول منفصلة. لذلك يجب إنشاء "منطقة مكة للتجارة الحرة والاستثمار"، والتي تتضمن على مراحل: تخفيض الرسوم الجمركية، تسهيل حركة رؤوس الأموال، حماية الاستثمارات، تسهيل حركة رجال الأعمال، توحيد بعض المعايير والمواصفات، ربط الأسواق المالية، إنشاء صندوق استثمار إقليمي، تمويل مشاريع البنية التحتية، ربط الموانئ والسكك الحديدية، تطوير ممرات التجارة والطاقة. والهدف ليس إنشاء عملة موحدة في المرحلة الأولى، فهذا مشروع بعيد المدى، وإنما إنشاء سوق إقليمية متكاملة تدريجياً.

الثاني عشر- اتحاد الطاقة: تمتلك المنطقة أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، ومع ذلك فإن دولها لا تتعامل دائماً مع الطاقة باعتبارها منظومة مشتركة. لذلك يمكن إنشاء 'مجلس مكة للطاقة" من مهامه الاهتمام بالنفط والغاز، الطاقة الشمسية، الهيدروجين الأخضر، الربط الكهربائي، أمن المنشآت النفطية، حماية خطوط الأنابيب، تأمين الممرات البحرية. بحيث تتحول الطاقة من سبب للتنافس إلى أداة للتكامل.

الثالث عشر- الأمن الغذائي والمائي: المستقبل لن يكون صراعاً على النفط فقط، بل يمكن أن يصبح الماء والغذاء من أخطر مصادر النزاع. لذلك ينبغي إنشاء "صندوق الأمن الغذائي الإقليمي" لتمويل الزراعة والاستثمار في الأراضي والمخازن الاستراتيجية وسلاسل الإمداد، وكذلك "المجلس الإقليمي للمياه" لمعالجة قضايا الأنهار المشتركة والمياه الجوفية والتحلية وإعادة تدوير المياه والتكنولوجيا الزراعية.

وهنا يمكن أن تصبح دول الخليج صاحبة التمويل، وتركيا والعراق وسورية وغيرها صاحبة الموارد المائية والزراعية، بينما توفر دول أخرى الخبرات والأسواق.

الرابع عشر- التصنيع العسكري المشترك: بدلاً من أن تنفق دول المنطقة عشرات المليارات بصورة منفردة على شراء الأسلحة، يمكن إنشاء "مجمع مكة للصناعات الدفاعية" يقوم على توزيع الأدوار على النحو الاتي: السعودية؛ التمويل والاستثمار والأسواق. تركيا؛ التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة. باكستان؛ الخبرات العسكرية والصناعات الجوية والدفاعية والطاقة النووية للأغراض السلمية. اما الدول العربية الأخرى؛ الأسواق والقوى البشرية والمواقع الصناعية.

ويشمل التعاون: الطائرات المسيّرة، الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية، الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، الاتصالات العسكرية، والصناعات البحرية. وهكذا تتحول المنطقة من أكبر مستورد للسلاح إلى مركز إقليمي لإنتاج التكنولوجيا الدفاعية.

الخامس عشر- التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: من الأخطاء الاستراتيجية اختزال التحالف في الدبابات والصواريخ، فالحروب المقبلة ستحددها بدرجة متزايدة: البيانات، الذكاء الاصطناعي، الأقمار الصناعية، الأمن السيبراني، الطائرات الذاتية، الحرب الإلكترونية، التفوق المعلوماتي.

لذلك يجب تأسيس "جامعة مكة للتكنولوجيا والأمن الإقليمي" تجمع الجامعات ومراكز الأبحاث في الدول الأعضاء، وتخصص برامجها في الذكاء الاصطناعي، الطاقة، المياه، الأمن السيبراني، الصناعات الدفاعية، الطب، الزراعة الحديثة، الفضاء.

السادس عشر- إنشاء "بنك الشرق الأوسط للتنمية": حتى يصبح الاتحاد المقترح واقعاً اقتصادياً، يحتاج إلى مؤسسة مالية مشتركة. كذلك يمكن تأسيس "بنك الشرق الأوسط للتنمية والاستثمار" برأسمال تشارك فيه الدول وفق قدراتها الاقتصادية، وتكون أولوياته: السكك الحديدية، الموانئ، الطاقة، المياه، المدن الصناعية والمدن الصديقة للبيئة، الزراعة ومكافحة التصحر، التكنولوجيا الحديثة، إعادة الإعمار. وهنا تتحول الأموال الخليجية من استثمارات منفردة إلى قوة تنموية إقليمية منظمة.

السابع عشر- القضية الفلسطينية: لا يمكن لأي نظام أمني شرق أوسطي أن يدعي النجاح مع استمرار القضية الفلسطينية دون حل عادل. لكن التعامل معها يجب أن يكون جزءاً من منظومة سياسية إقليمية وليس سبباً لتحويل التحالف إلى أداة عسكرية لإذكاء الصراع العربي - الاسرائيلي الغير مضمون النتائج. ويتمثل الهدف في: دعم القضية الفلسطينية وإقامة دولة فلسطينية مستقلة، وقف التصعيد، حماية المدنيين، دعم إعادة إعمار غزة.، الدفع باتجاه عملية سياسية جادة، ضمان الأمن لجميع شعوب المنطقة على الأمد البعيد، واحترام القانون الدولي. فالسلام الإقليمي الحقيقي لن يتحقق بتجميد القضية الفلسطينية، وإنما بمعالجتها.

الثامن عشر- العلاقات مع القوى الدولية: من أهم شروط نجاح المشروع ألا يتحول إلى تحالف معادٍ للولايات المتحدة أو روسيا أو الصين أو أوربا، فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى الانتقال من التبعية للغرب إلى التبعية للشرق، بل يحتاج إلى "الاستقلال الاستراتيجي المرن"، أي التعاون مع الجميع، والتحالف مع المصالح، وعدم الارتهان لأحد. وهذا يسمح للدول الأعضاء بالحفاظ على علاقاتها القائمة مع الولايات المتحدة وأوربا والصين وروسيا والهند وغيرها، مع امتلاك قدرة إقليمية أكبر على اتخاذ القرار.

التاسع عشر- الهيكل المؤسسي المقترح: يمكن أن يتكون الاتحاد مستقبلاً من: ١) قمة رؤساء الدول؛ أعلى سلطة سياسية. ٢) مجلس وزراء الخارجية؛ إدارة الملفات السياسية. ٣) مجلس الدفاع والأمن؛ إدارة التهديدات الأمنية. ٤) مجلس الاقتصاد والاستثمار؛ التكامل الاقتصادي. ٥) مجلس الطاقة والمياه والغذاء؛ الأمن الاستراتيجي. ٦) المحكمة الإقليمية؛ حل النزاعات بين الدول الأعضاء. ٧) البرلمان الاستشاري؛ تمثيل الشعوب والدول. ٨) الأمانة العامة؛ الجهاز التنفيذي. ٩) مركز الإنذار المبكر؛ رصد الأزمات. ١٠) صندوق التنمية؛ تمويل المشاريع المشتركة.

العشرون- "عقيدة مكة" الجديدة: يمكن صياغة عقيدة سياسية للاتحاد تقوم على عشرة مبادئ: ١) عدم الاعتداء. ٢) احترام سيادة الدول. ٣) عدم التدخل في الشؤون الداخلية. ٤) حل النزاعات بالوسائل السلمية. ٥) الدفاع الجماعي ضد العدوان الخارجي. ٦) مكافحة الإرهاب والتطرف. ٧) حماية حرية الملاحة والطاقة والتجارة. ٨) التكامل الاقتصادي. ٩) الأمن المائي والغذائي. ١٠) استقلال القرار الإقليمي. وتكون القاعدة الذهبية: "لا نتحالف ضد دولة؛ بل نتحالف من أجل أمن المنطقة". 

الحادي والعشرون- المخاطر التي يمكن أن تواجه المشروع: رغم أهمية الفكرة، فإن الطريق لن يكون سهلاً ومفروشاً بالورد، ومن أبرز التحديات:

1.    اختلاف الرؤى السياسية: فالدول ليست متطابقة في توجهاتها الخارجية.

2.    تضارب التحالفات القائمة: بعض الدول مرتبطة بالولايات المتحدة، وتركيا عضو في حلف الناتو، وباكستان لديها علاقات استراتيجية مع الصين وغيرها.

3.    الخلافات العربية – العربية: وهي من أهم أسباب ضعف أي مشروع إقليمي سابق.

4.    الخلافات العربية – الإيرانية: وقد تتحول إلى عائق رئيسي إذا لم تتم إدارتها سياسياً.

5.    التخوف من الهيمنة: قد تخشى بعض الدول من أن تتحول القوة الاقتصادية أو العسكرية لدولة معينة إلى هيمنة سياسية.

6.    المذهبية او الطائفية: أي ربط للمشروع بالانقسام المذهبي او الطائفي المسمى السني- الشيعي سيؤدي إلى إجهاضه.

7.    التدخلات الخارجية: ستحاول بعض القوى الدولية التعامل مع المشروع وفق مصالحها، وقد تسعى إلى احتوائه أو تفكيكه إذا رأت أنه يهدد نفوذها.

الثاني والعشرون- الحل يكمن في "المعادلة المتوازنة": يمكن التغلب على هذه التحديات من خلال اعتماد قاعدة "لا مركز واحد للقوة"، بل: السعودية + تركيا + مصر + العراق + باكستان + دول الخليج + بقية الدول المؤهلة = توازن إقليمي. أي أن المشروع لا ينبغي أن يكون سعودياً أو تركياً أو باكستانياً أو عربياً فقط، وإنما شرق أوسطياً متعدد المراكز.

الثالث والعشرون- خارطة الطريق المقترحة: يمكن تنفيذ المشروع خلال عشر سنوات على النحو الآتي:

2026–2027 تثبيت اتفاقية مكة وإنشاء المؤسسات العسكرية والأمنية المشتركة. 2027–2028 توسيع العضوية وإطلاق مجلس المصالحة الإقليمي. 2028–2030 إطلاق منطقة التجارة والاستثمار وصندوق التنمية. 2030–2032 تأسيس سوق إقليمية للطاقة والربط الكهربائي والنقل. 2032–2034 إنشاء منظومة الدفاع الجوي والإنذار المبكر والتصنيع العسكري المشترك. 2034–2036 الانتقال إلى صيغة "الاتحاد الشرق أوسطي" أو "منظمة الشرق الأوسط للأمن والتنمية". وهذا التدرج مهم جداً، لأن محاولة إنشاء اتحاد كامل في سنة أو سنتين ستؤدي غالباً إلى فشله.

الرابع والعشرون- "الرؤية الاستشرافية" شرق أوسط خالي من الحروب الداخلية: إذا نجحت هذه الرؤية، فإن الشرق الأوسط بعد عشر سنوات يمكن أن يكون مختلفاً جذرياً عن الشرق الأوسط الحالي، ويكون منطقة لا توجد فيها حروب عربية- عربية، لا توجد فيها حروب طائفية، او جماعات مسلحة، تكون فيها الحدود مصدراً للتعاون لا للصراع، ترتبط فيها الأسواق بشبكات التجارة والطاقة، تمتلك منظومة دفاع جماعي، تنتج جزءاً كبيراً من احتياجاتها العسكرية، تمتلك منظومة مشتركة لمكافحة الإرهاب، تتعاون في المياه والغذاء والطاقة، وتمتلك صوتاً موحداً أو منسقاً في المنظمات الدولية.

وفي هذه الحالة لن تكون قوة الاتحاد في عدد الجنود فقط، وإنما في حجم المصالح التي تجمع أعضاءه.

الخامس والعشرون- خلاصة العمل التحول من "اتفاقية دفاع" إلى "عقد إقليمي جديد": إن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" يمكن أن تكون إما اتفاقاً أمنياً محدوداً بين ثلاث دول، أو بداية تحول تاريخي في النظام الإقليمي.

والفارق بين الاحتمالين يكمن في الرؤية السياسية التي ستوضع بعد التوقيع، فإذا بقيت الاتفاقية محصورة في التعاون العسكري، فإن تأثيرها سيبقى محدوداً، رغم أهميتها، أما إذا جرى تحويلها إلى مشروع متكامل يقوم على الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والمياه والغذاء والمصالحة السياسية، فإنها يمكن أن تصبح نواة لنظام شرق أوسطي جديد.

ولذلك فإن المطلوب ليس إنشاء "ناتو شرق أوسطي" جديد بالمعنى التقليدي، وإنما إنشاء نموذج أكثر تطوراً يمكن تسميته "نظام مكة للأمن والتنمية والسلام الإقليمي"، نظام لا يقوم على البحث عن عدو، وإنما على البحث عن مصلحة مشتركة. وكذلك لا يقوم على إقصاء إيران، وإنما على دفعها إلى تغيير سلوكها الإقليمي وفق قواعد واضحة.

ومن ناحية اخرى؛ لا يقوم على مواجهة الولايات المتحدة أو أوربا أو الصين أو روسيا، وإنما على بناء قدرة المنطقة على التعامل مع جميع القوى من موقع الندية والمصلحة.

ولا يقوم على الهيمنة السعودية أو التركية أو الباكستانية، وإنما على توازن إقليمي متعدد المراكز. ولا يهدف إلى إلغاء سيادة الدول، وإنما إلى جعل التعاون بينها أكثر فائدة من الصراع.

إن الشرق الأوسط لا يحتاج إلى حرب جديدة كي يوحده الخوف، وإنما يحتاج إلى مشروع سياسي واقتصادي وأمني يجعل السلام نفسه مصلحة استراتيجية مشتركة. ومن هنا يمكن أن تكون "اتفاقية مكة" هي الخطوة الأولى في مشروع أكبر: من مكة يبدأ الدفاع المشترك، ومنه يبدأ الأمن المشترك، ومن الأمن يبدأ الاقتصاد المشترك، ومن الاقتصاد تبدأ المصالح المشتركة، ومن المصالح المشتركة يبدأ تصفير المشاكل، ومن تصفير المشاكل يولد الاتحاد.

وعندها فقط يمكن للشرق الأوسط أن ينتقل من كونه ساحة تتصارع فيها القوى الدولية والإقليمية إلى كونه قوة إقليمية فاعلة تصنع أمنها، وتحمي مصالحها، وتشارك في صناعة النظام الدولي بدلاً من أن تكون موضوعاً دائماً لصراعاته.

 لقراءة مقالات ذات علاقة بالموضوع اضغط الرابط:الشرق الاوسط وحلول الفرصة الاخيرة الصفرية 

 


الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

دور "الخط الأحمر للتوازنات الدولية" في مسار الصراع بين أمريكا وإيران


بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

لم يعد الصراع الأمريكي–الإيراني مجرد مواجهة ثنائية تدور حول البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران، بل تحول تدريجياً إلى جزء من صراع أوسع على شكل النظام الدولي وحدود النفوذ بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة، وفي مقدمتها روسيا والصين، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التطورات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط باعتبارها امتداداً للصراع على ما يمكن تسميته "الخط الأحمر للتوازنات الدولية"، أي الحدود الجيوسياسية غير المعلنة التي تحاول القوى الكبرى منع خصومها من تجاوزها بما يؤدي إلى اختلال جوهري في ميزان القوى.

وتكتسب إيران أهمية استثنائية في هذا السياق، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية والغازية وإشرافها على مضيق هرمز، وإنما أيضاً بسبب موقعها كحلقة وصل بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز، وباعتبارها دولة ذات علاقات استراتيجية متنامية مع روسيا والصين، ولذلك فإن سقوط إيران بالكامل في الفلك الأمريكي، أو انتقالها إلى نظام سياسي موالٍ لواشنطن، لا يمكن النظر إليه من جانب موسكو وبكين باعتباره تحولاً إقليمياً محدوداً، بل باعتباره تطوراً قد يعيد رسم الخريطة الاستراتيجية في أوراسيا والشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق يمكن تفكيك الصراع بين الغرب والشرق على النحو الآتي:

أولاً: من الحرب الباردة إلى تشكل خطوط التوازن الدولي

بدأت ملامح الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بالظهور بصورة واضحة منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتبلور نظام دولي ثنائي القطبية قاده المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، بعد أن تأسس حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1949 بوصفه إطاراً للدفاع الجماعي في مواجهة المخاطر التي اعتبرها الغرب تهديداً لأمنه.

وفي الشرق الأوسط، أخذ التنافس الأمريكي–السوفيتي يتسع تدريجياً مع تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي، وشكلت أزمة قناة السويس عام 1956 نقطة تحول مهمة، إذ كشفت محدودية قدرة بريطانيا وفرنسا على فرض إرادتهما منفردتين في المنطقة، في مقابل تصاعد الدور الأمريكي والسوفيتي.

ورغم امتلاك الاتحاد السوفيتي قوة عسكرية هائلة، فإن قدرته الاقتصادية على منافسة الولايات المتحدة على المدى الطويل كانت محدودة نسبياً، خصوصاً نتيجة الدمار الهائل الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، كما تحملت موسكو أعباء اقتصادية وأمنية كبيرة نتيجة وجودها في أوربا الشرقية ومحاولتها تثبيت أنظمة حليفة لها، الأمر الذي جعل الصراع مع الغرب صراعاً عسكرياً واقتصادياً وأيديولوجياً في آن واحد.

وفي الشرق الأوسط، دخل الاتحاد السوفيتي في شراكات استراتيجية مع عدد من الدول العربية، ولا سيما مصر وسورية، في حين دعمت الولايات المتحدة إسرائيل وحلفاءها الإقليميين، ومع حرب حزيران 1967، تعرض النفوذ السوفيتي في المنطقة لضربة سياسية واستراتيجية مهمة، ولا سيما بعد الهزيمة العربية أمام الكيان الاسرائيلي، ثم جاء قرار الرئيس المصري أنور السادات عام 1972 بإبعاد عدد كبير من المستشارين والخبراء العسكريين السوفيت ليؤكد تراجع الحضور السوفيتي في مصر.

ثانياً: انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة تشكيل المجال الجيوسياسي

أدى تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، وأصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الأكثر نفوذاً في العالم، وخلال عقد التسعينيات، توسع النفوذ الأمريكي والغربي في أوربا والشرق الأوسط، بينما دخلت روسيا الاتحادية مرحلة صعبة اتسمت بأزمة اقتصادية وسياسية عميقة.

وجاء احتلال العراق عام 2003 ليشكل نقطة تحول جديدة في ميزان القوى الإقليمي، فقد أدى إسقاط النظام العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة والقوات المسلحة إلى إزالة إحدى القوى العسكرية الرئيسية التي كانت تشكل جزءاً من التوازن الإقليمي، كما تراجع النفوذ الروسي في المنطقة بصورة كبيرة، قبل أن تعود موسكو إلى الشرق الأوسط من البوابة السورية.

ومع التدخل العسكري الروسي في سورية منذ عام 2015، استعادت موسكو جزءاً مهماً من حضورها الاستراتيجي في المنطقة، ولا سيما من خلال قاعدة حميميم والمنشأة البحرية في طرطوس، إلا أن اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022 استنزف جانباً كبيراً من الموارد والقدرات الروسية، وجعل الأولوية الاستراتيجية لموسكو منصبة على جبهتها الأوربية.

وفي هذا السياق، جاء سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 وصعود أحمد الشرع إلى قيادة المرحلة الانتقالية في سورية ليشكلا تحولاً مهماً في موقع روسيا داخل الشرق الأوسط، وتؤكد تقارير أوربية أن انشغال موسكو بالحرب الأوكرانية حدّ من قدرتها على تقديم دعم عسكري واسع للأسد خلال المرحلة الأخيرة من حكمه، قبل أن تعيد روسيا ترتيب علاقتها مع السلطة السورية الجديدة.

ومن منظور "الخط الأحمر للتوازن الدولي"، فإن تراجع النفوذ الروسي في سورية لا يعني بالضرورة خروج موسكو الكامل من المنطقة، لكنه يعني تقلص إحدى أهم حلقات النفوذ التي كانت تربط روسيا بالبحر المتوسط والشرق الأوسط.

ثالثاً: أوكرانيا وإعادة رسم الخط الأحمر في أوربا

شكلت أوكرانيا، منذ عام 2014 ولا سيما بعد عام 2022، إحدى أبرز ساحات الصراع على حدود النفوذ بين روسيا والغرب، إذ ترى موسكو أن توسع حلف الناتو شرقاً واقتراب البنية العسكرية والسياسية الغربية من حدودها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وعليه فقد تحولت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى حرب استنزاف طويلة، استنزفت الموارد العسكرية والاقتصادية الروسية والأوربية، وأعادت تقسيم القارة الأوربية إلى فضاءات أمنية متنافسة.

ومن هنا يمكن فهم أهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا باعتبارها جزءاً من "الخط الأحمر" الشمالي للتوازن الدولي، في مقابل اعتبار الشرق الأوسط، وبالأخص إيران والخليج العربي، جزءاً من الجبهة الجنوبية لهذا التوازن.

وعليه، فإن انتقال الضغط الأمريكي والغربي من الجبهة الأوربية إلى الجبهة الإيرانية لا يمكن فصله عن الصراع الأكبر بين القوى الدولية؛ فكلما توسع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ازدادت الضغوط الاستراتيجية على روسيا والصين، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التنافس في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

رابعاً: إيران باعتبارها نقطة تقاطع الخط الأحمر

تمثل إيران في الحسابات الجيوسياسية الدولية أكثر من مجرد دولة إقليمية تواجه الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، فهي تقع في قلب شبكة من الممرات الاستراتيجية التي تربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز، وتتحكم جغرافياً في الضفة الشمالية لمضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

ولهذا فإن الحرب التي بدأت بالضربات الأمريكية والإسرائيلية في شباط 2026 اكتسبت منذ بدايتها بعداً دولياً يتجاوز البرنامج النووي الإيراني، فقد أدت الضربات إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة الإيرانيين، فيما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أن العمليات تستهدف القدرات النووية والعسكرية الإيرانية.

لكن تطورات الحرب أظهرت أن تدمير جزء كبير من البنية النووية والقيادية الإيرانية لم يؤدِ إلى انهيار الدولة الإيرانية أو إسقاط النظام، بل دخل الصراع مرحلة أكثر تعقيداً، اتخذ فيها مضيق هرمز موقعاً مركزياً في المواجهة.

وقد أصبحت إيران تستخدم السيطرة على المضيق كورقة استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة، فيما تحاول واشنطن إعادة فتحه وتأمين حرية الملاحة، وبحلول 18 آب 2026، كانت الأزمة قد تجاوزت حدود المواجهة العسكرية المباشرة إلى التأثير في أسواق الطاقة العالمية؛ إذ ارتفعت أسعار النفط مع تراجع الآمال بالتوصل إلى تسوية جديدة.

وهنا تتضح أهمية "الخط الأحمر"؛ فاحتواء إيران أو إسقاط نظامها بالكامل قد يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل مكاسب استراتيجية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى انتقال النفوذ الأمريكي إلى موقع أقرب بكثير إلى المجال الحيوي الروسي والصيني.

خامساً: لماذا يصعب على روسيا والصين تجاهل الحرب الإيرانية؟

من الصعب افتراض أن روسيا والصين ستتعاملان مع الحرب الإيرانية باعتبارها أزمة إقليمية لا تمسهما مباشرة، فإيران أصبحت جزءاً من شبكة علاقات استراتيجية واقتصادية وأمنية أوسع مع موسكو وبكين، كما انضمت إلى مجموعة "بريكس" عام 2024 وتسعى إلى تعزيز علاقاتها المالية والاقتصادية مع القوى غير الغربية.

أما بالنسبة إلى روسيا، فان إيران تمثل جزءاً من عمقها الاستراتيجي الجنوبي، فيما تمثل الصين بالنسبة إلى إيران شريكاً اقتصادياً مهماً ومستهلكاً رئيسياً للطاقة، ومن ثم، فإن سقوط إيران في مجال نفوذ أمريكي مباشر سيعني، من وجهة النظر الروسية والصينية، تغيراً جوهرياً في البيئة الاستراتيجية الممتدة من الخليج إلى آسيا الوسطى.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن موسكو وبكين ستدخلان حرباً مباشرة إلى جانب إيران، فالمنطق الاستراتيجي للقوى الكبرى يقوم غالباً على تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والاستخباري والعسكري غير المباشر، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة يمكن أن تتطور إلى حرب عالمية.

سادساً: مضيق هرمز كأداة لتثبيت الخط الأحمر

أثبتت تطورات الحرب أن مضيق هرمز أصبح إحدى أهم أدوات التوازن في الصراع، فإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه لا يؤثر على الولايات المتحدة وإيران فقط، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

وقد أكدت التطورات الأخيرة أن إيران تربط استمرار إغلاق المضيق بشروط سياسية وأمنية واقتصادية تتعلق بالعقوبات والحصار والمفاوضات، وفي المقابل، تصر الولايات المتحدة على ضرورة إعادة حرية الملاحة، ما جعل المضيق نقطة صراع تفاوضي وعسكري في الوقت نفسه.

وهنا يمكن القول إن إيران استطاعت تحويل موقعها الجغرافي من عامل ضعف محتمل إلى ورقة قوة استراتيجية، فرغم تعرضها لضربات عسكرية واسعة، بقيت قدرتها على التأثير في حركة الطاقة الدولية قائمة، وهو ما جعل استمرار الحرب مكلفاً ليس لإيران وحدها وإنما للقوى الدولية كافة.

سابعاً: الحراك الدبلوماسي الغربي والصيني

في خضم التصعيد، برزت سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي تستحق القراءة من منظور إدارة الصراع لا من منظور العلاقات الثنائية فقط، فقد قام الملك تشارلز الثالث بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة خلال الفترة من 27 إلى 30 نيسان 2026، والتقى الرئيس دونالد ترامب في إطار العلاقات البريطانية–الأمريكية، في وقت كانت فيه الحرب على إيران تلقي بظلالها على العلاقات بين واشنطن ولندن.

وبعد ذلك، قام الرئيس ترامب بزيارة الصين بين 13 و15 أيار 2026، والتقى الرئيس شي جين بينغ في بكين، في زيارة تضمنت بحث العلاقات الثنائية والقضايا الدولية الكبر، بعدها بأيام زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكين والتقى الرئيس الصيني الذي استقبله بحفاوة.

ولا يمكن الجزم بأن هذه التحركات كانت مخصصة حصراً للملف الإيراني، إلا أن توقيتها يسمح بقراءتها ضمن سياق أوسع يتعلق بإدارة التنافس بين القوى الكبرى ومنع تحوله إلى مواجهة مباشرة.

وتبرز هنا أهمية الدور البريطاني بوصف بريطانيا حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، لكنه يمتلك في الوقت ذاته خبرة تاريخية واسعة في إدارة توازنات الشرق الأوسط. ومن ثم، يمكن طرح فرضية مفادها أن لندن قد تكون معنية بمنع تحول الحرب إلى احتلال بري شامل لإيران، لأن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى انهيار إقليمي واسع يصعب التحكم في نتائجه. وهذه القراءة تبقى استنتاجاً تحليلياً وليست حقيقة مثبتة بشأن وجود "خطة بريطانية سرية" لإدارة مستقبل المنطقة.

ثامناً: بين إسقاط النظام واحتواء إيران

تكشف طبيعة الحرب حتى الآن عن مفارقة استراتيجية مهمة؛ فالقوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية استطاعت إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات النووية والعسكرية الإيرانية، لكنها لم تحقق بالضرورة هدفاً سياسياً نهائياً يتمثل في إنهاء النظام الإيراني، وفي المقابل، استطاعت إيران، رغم الخسائر الكبيرة، الحفاظ على قدر من القدرة على الرد والتأثير الإقليمي، ولا سيما عبر الصواريخ والتهديد الملاحي لمضيق هرمز.

وقد أدى ذلك إلى انتقال الصراع من سؤال "من سينتصر عسكرياً؟" إلى سؤال أكثر تعقيداً: ما هو الحد الذي تستطيع كل قوة بلوغه قبل أن تصبح تكلفة استمرار الحرب أكبر من فوائدها؟

وهنا يظهر مفهوم "الخط الأحمر للتوازن الدولي"؛ فالولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات عسكرية بعيدة المدى على إيران، لكنها قد تتردد في الانتقال إلى احتلال بري شامل لها إذا كان ذلك سيؤدي إلى حرب طويلة ومكلفة، ويمنح روسيا والصين فرصة لتوسيع تدخلاتهما غير المباشرة، ويهدد الاقتصاد العالمي.

كما أن روسيا، مهما كانت مصالحها في دعم إيران، لا تبدو راغبة في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، خصوصاً وهي تخوض حرباً مستمرة مع أوكرانيا، والصين بدورها تملك مصالح اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة وأوربا، ما يجعلها أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمة بدلاً من تحويلها إلى مواجهة عسكرية شاملة.

تاسعاً: السيناريو الأكثر ترجيحاً

استناداً إلى المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في احتلال أمريكي بري لإيران، ولا في انهيار سريع للنظام الإيراني، وإنما في تسوية مرحلية تقوم على توازن الردع والضغط والتفاوض، وقد بدأت بالفعل محاولات دبلوماسية لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن الاتفاق المرحلي الذي أُبرم في حزيران 2026 تعثر وانتهت مهلة الستين يوماً من دون التوصل إلى تسوية نهائية.

ومن المرجح أن تتجه المفاوضات المستقبلية إلى صيغة تجمع بين: الحد من القدرات النووية الإيرانية أو إخضاعها لرقابة دولية مشددة، تقليص بعض مظاهر النفوذ الإيراني الإقليمي، إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة الدولية، تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل التزامات إيرانية محددة، إبقاء النظام الإيراني قائماً، مع إدخال تعديلات على سلوكه الإقليمي والدولي، تجنب أي وجود عسكري بري أمريكي واسع داخل إيران، ومنح روسيا والصين مساحة للحفاظ على مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية في إيران.

عاشراً: الاستنتاج الاستراتيجي

إن الصراع الأمريكي–الإيراني في عام 2026 لا يمكن فهمه بصورة كاملة إذا جرى اختزاله في البرنامج النووي الإيراني أو الخلاف حول النفوذ الإقليمي، فالمواجهة ترتبط بصورة أعمق بإعادة تشكيل النظام الدولي وحدود النفوذ بين القوى الكبرى.

وقد تراجعت خلال السنوات الماضية بعض المواقع التي كانت تمثل امتدادات استراتيجية للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط، كما أصبحت الجبهة الأوربية أكثر توتراً نتيجة الحرب الروسية–الأوكرانية، في الوقت الذي يتصاعد فيه التنافس الأمريكي–الصيني في آسيا والمحيط الهادئ.

وفي هذه البيئة، تمثل إيران إحدى أهم نقاط التماس في الجبهة الجنوبية للتوازن الدولي، ولذلك فإن محاولة دفع النفوذ الأمريكي إلى ما بعد إيران قد لا تُقرأ في موسكو وبكين بوصفها مجرد عملية تغيير إقليمي، وإنما بوصفها اقتراباً من حدود المصالح الحيوية للقوى المنافسة للولايات المتحدة.

وعليه، فإن "الخط الأحمر للتوازن الدولي" لا يعني حدوداً جغرافية مرسومة على الخرائط، وإنما يمثل مجموعة من الحدود الاستراتيجية غير المعلنة التي تحددها القوى الكبرى وفقاً لمصالحها الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.

لذلك من المرجح أن تبقى إيران، خلال المرحلة المقبلة، إحدى أهم ساحات اختبار "الخط الأحمر"، فإذا تمكنت واشنطن من فرض تسوية على طهران دون إسقاط نظامها أو احتلال أراضيها، فقد يكون ذلك مؤشراً على قدرة القوى الكبرى على إعادة ضبط الصراع من خلال التفاوض والردع المتبادل.

أما إذا تجاوزت العمليات العسكرية حدود الاحتواء ووصلت إلى محاولة إسقاط الدولة الإيرانية أو احتلالها، فإن طبيعة الصراع قد تتغير جذرياً، لأن روسيا والصين لن تنظرا بالضرورة إلى ذلك باعتباره شأناً إيرانياً داخلياً، بل قد تعتبرانه تهديداً مباشراً للتوازن الاستراتيجي في أوراسيا والشرق الأوسط.

وفي هذه الحالة، لن تكون المسألة مجرد حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على منع التنافس بين القوى الكبرى من التحول إلى مواجهة شاملة.

عليه يمكن القول بأن "الخط الأحمر للتوازنات الدولية" يعمل في الأزمة الإيرانية كآلية غير معلنة لضبط سقف الصراع، فالولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري، وإيران تمتلك القدرة على رفع كلفة الحرب، بينما تمتلك روسيا والصين أدوات سياسية واقتصادية واستراتيجية تمنحهما القدرة على منع انهيار التوازن الإقليمي بصورة كاملة من دون الانخراط بالضرورة في حرب مباشرة.

ولهذا، فإن نهاية الحرب لن تحددها القوة العسكرية وحدها، وإنما ستحددها قدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة جديدة لتقاسم النفوذ، تحفظ للولايات المتحدة جزءاً من مكاسبها الأمنية، ولإيران بقاء نظامها ودورها الإقليمي الأساسي، ولروسيا والصين مصالحهما الاستراتيجية، وتمنع في الوقت ذاته انتقال الصراع إلى مستوى يهدد النظام الدولي بأسره.

وبذلك تصبح إيران، ومضيق هرمز تحديداً، ليسا مجرد ساحة للصراع الأمريكي–الإيراني، وإنما إحدى أهم نقاط التوازن التي يمكن عندها أن يتوقف الصراع بين القوى الكبرى أو ينفلت إلى مواجهة دولية أوسع.

لقراءة مزيد من مقالات الكاتب :المنبر الدبلوماسي

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

جرائم الابتزاز الجنسي السياسي: قضية جيفري إبستين إنموذجاً

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

منذ زمن بعيد والنظام العالمي قائم على الابتزاز الجنسي والاشاعات التي تمتهنها أجهزة المخابرات الغربية، والإسرائيلية بشكل خاص، وكذلك أجهزة المخابرات الفاعلة في العالم، بهدف الإيقاع بالشخصيات السياسية من الرؤساء والوزراء والشخصيات الفاعلة في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، بحيث تعدى الامر الى ابتزاز الأشخاص العاديين بهدف توظيفهم لأغراض التجسس والحصول على المعلومات المهمة، بحيث شاعت هذه الثقافة ليمارسها ايضاً ضعفاء النفوس في المجتمعات المحافظة لتحقيق رغبات وغايات شخصية، وبذلك تم ضرب منظومة الاخلاق الاجتماعية من قبل الأنظمة السياسية المحلية والعالمية ذاتها.   

إذ تعتبر المخابرات الغربية وعلى راسها الـ CIA، وجهاز مخابرات الكيان الصهيوني (الموساد) على وجه التحديد، من الدوائر المؤسسة لهذا النهج في عملها المخابراتي الدولي، وبات معروفاً للجميع دهاء اليهود في توريط القادة والمسؤولين الكبار وممن من دونهم بأفلام جنسية، وباتت هذه الاعمال من مسلمات العقود المنصرمة، بهدف ممارسة الابتزاز واجبار الضحايا على الرضوخ لسياساتهم وتنفيذ مطالبهم ومخططاتهم الخبيثة.

وغالباً ما يكون الضحايا إما من أصحاب النوايا الحسنة أو أكثرهم من الطامعين بالمال والمناصب، والجاه والسلطان، ومحبي حياة الترف والرفاهية، الذين يعدون كنقاط استقطاب وجذب من قبل رجالات الامن والمخابرات الاجنبية لابتزازهم وتجنيدهم لهذا الغرض، حيث كان بعضهم صيداً سهلاً، خاصة المصابين بعاهات وامراض نفسية، يتم معالجتها من خلال الاستئناس بأذية الاخرين، وآخرون يجدون متعتهم في إيذاء القاصرات والقاصرين والاطفال من بني البشر.

لذلك يلاحظ بان موضوع الابتزاز الجنسي السياسي، في قضية جيفري إبستين على وجه التحديد، أمسى متعدياً مسالة ارتكاب المخالفات مع الكبار، وانما بممارسة الرذيلة مع صغار القاصرات حتى يكون الجرم أكثر مأساوية وضرراً بالمستهدفين حين ينكشف الامر الى الراي العام.  

وبذلك استطاعت المخابرات الغربية و(الموساد) الصهيوني ان تصنع من المجرمين وشذاذ الفكر والاخلاق والمعدومين اجتماعياً قادة ورؤساء دول ومنظمات دولية، وشخصيات مؤثرة في الساحة الدولية، منقادين من قبل تلك الاجهزة لخدمة المصالح الغربية والصهيونية، وأدوات لتأجيج الصراعات بين الدول وتقويض الاستقرار والسلم المجتمعي.        

ومن هذا المنطلق، باتت الصهيونية العالمية تسيطر على مصادر القرار في الدول الغربية، ومنها أمريكا، والكثير من دول العالم الأخرى، التي ستكشف اسرار قادتها في قضايا لاحقة، ستبدأ من بريطانيا برفع السرية عن الوثائق المتعلقة بسياسيين ودبلوماسيين بريطانيين متورطين بقضية إبستين، والتي ربما ستكون أكثر إلاماً وصداً وتأثيراً في الراي العام لأنها تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر، لكنها ستمر مرور الكرام كسابقاتها من جرائم الابتزاز الجنسي، التي كثيراً ما تكون ادواتها من الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، والتي لا تمتلك التأثير الحقيقي على رجالات القضاء وصناع القرار في المطالبة بحقوقها. 

فرغم مأساويتها الإنسانية، لم تعد جرائم الابتزاز الجنسي السياسي تجدي نفعاً او مصدراً حقيقياً للخوف والقلق بالنسبة للكثير من الضحايا والفاعلين في المجال السياسي، خاصة قادة الإدارات الغربية، المنحدر من بيئة الشذوذ الجنسي، وصالات القمار، وحياة المجنون والمضاربات، وكل الرؤساء والمسؤولين المتورطين بقضايا جنسية في دول الشرق والغرب، خشية ان ينفضح أمرهم ويساء لسمعتهم، كما هو الحال في قضية إبستين سيئة الصيت.

ذلك، لان الجرائم البشعة التي يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي لغير السياسيين من الاغتصاب والتحرش الجنسي، وافلام المحتوى الهابط، والجرائم الالكترونية، قد غطت على وقع جريمة الابتزاز الجنسي السياسي في نفوس الناس، وأصبح التعامل معها بشكل اعتيادي لا يدعو الى الاستغراب والاحتجاج من قبل الضحية أو الرأي العام.

لذلك جاء قرار رفع السرية عن قضية جيفري إبستين من قبل وزارة العدل الامريكية بأمر من الرئيس دونالد ترامب لفضح كل الملابسات التي تقوم عليها سياسة الابتزاز الجنسي في العالم، ولكي تكشف الاوراق ويخرج الجميع من تحت عباءة الابتزاز والخوف والقلق الى فضاءات عالم جديد تحكمه امريكا بلا خوف او تحكم من قبل الدولة العميقة التي سيطرت على مصادر القرار السياسي لسنين طويلة.  

عليه فإن الشيء القريب الى التصورات البعيدة، أن أمريكا بقيادة ترامب لم تعد تنظر بجدية الى مصالح الاخرين مثل الكيان الاسرائيلي والدول الاوربية كبعد استراتيجي لها، قائم على التحالفات والمنفعة المتبادلة في إدارة العلاقات والتحالفات، والصراعات والازمات الدولية، وإنما افرزت سياسة عالمية جديدة قائمة على الاحادية القطبية الامريكية كأقوى امبراطورية في العالم لها ادواتها القذرة في إدارة الصراع العالمي.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب: المنبر الدبلوماسي