الجمعة، 12 يونيو 2026

قراءة استشرافية في مستقبل العلاقات الاوربية - الامريكية

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُبنى التحالفات الاستراتيجية بين الدول الكبرى عادةً على أسس راسخة من الثقة المتبادلة، والالتزام بالمعاهدات والاعراف الدولية، وتوافق المصالح بعيدة المدى. إلا أن التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، لاسيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، أثارت تساؤلات داخل الأوساط الأوربية بشأن مدى استمرارية الالتزام الأمريكي التقليدي بأمن أوروبا ومصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة المتبادلة بين ضفتي الأطلسي.

وفي هذا السياق، برزت داخل أوربا دعوات متزايدة لتعزيز مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، بما يتيح للقارة الأوربية امتلاك قدر أكبر من القدرة على التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. ومن هنا بدأ الحديث عن ضرورة انتقال أوربا من صورة "القارة العجوز" إلى فاعل دولي أكثر قوة وتأثيراً في النظام الدولي المتشكل حديثاً.

ولا يعني هذا التوجه بالضرورة حدوث قطيعة أو عداء بين أوربا والولايات المتحدة الامريكية، إذ مازالت المصالح المشتركة والمؤسسات العابرة للأطلسي، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشكل ركائز مهمة للعلاقة بين الجانبين. غير أن المؤشرات الحالية تدل على سعي أوربي متزايد لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أساس قدر أكبر من التوازن والاستقلالية.

وتواجه أوربا في هذا المسار تحديات اقتصادية كبيرة تحد من سرعة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية. فقد أدت الحرب الروسية – الأوكرانية إلى تداعيات اقتصادية واسعة، من بينها تراجع الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية منخفضة الكلفة، والانتقال إلى بدائل أكثر كلفة، فضلاً عن تأثر الاستثمارات الأوربية في روسيا والأسواق المرتبطة بها. كما أن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض مناطق الشرق الأوسط وأجزاء من العالم النامي أسهمت في تقليص فرص التوسع الاستثماري الأوربي في تلك الأسواق.

وفي المقابل، اتجهت العديد من الدول الأوربية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الصين، انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية وتجارية بحتة، الامر الذي أوجد تباينات في بعض الملفات الاقتصادية بين أوربا والولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع بكين.

وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أن العلاقات الأوربية – الأمريكية تتجه نحو مرحلة جديدة تختلف عن الصيغة التي سادت خلال العقود الماضية. فحتى مع تغير النهج السياسي للإدارات الأمريكية في المستقبل، من المرجح أن يستمر التوجه الأوربي نحو تعزيز قدراته الذاتية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب من الاوربيين اعتماد استثمارات ضخمة، وإصلاحات هيكلية طويلة الأمد، وإعادة بناء القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية الأوربية، وهي عملية قد تستغرق سنوات عديدة بعد عقود طويلة من الاعتماد النسبي على المظلة الأمنية الأمريكية والتمتع بفترات ممتدة من الاستقرار والرخاء الاقتصادي لبلدان القارة الاوربية.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي:صحيفة معارج الفكر 

 

 

الجمعة، 5 يونيو 2026

الأُمــية الوظيفية - التحدي الخفي في بناء الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي يمتلك فيها الفرد القدرة الشكلية على القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى القدرة الحقيقية على فهم النصوص واستيعاب مضامينها وتحليلها بصورة عميقة، فضلاً عن محدودية قدرته على إنتاج نصوص متماسكة فكرياً ولغوياً. وتُعد هذه الظاهرة من التحديات المعاصرة التي لا تقتصر على مجتمع أو دولة بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية والثقافية.

ولعل ما يثير الدهشة أن الأمية الوظيفية قد تنتشر بين أشخاص يحملون شهادات علمية أو يتمتعون بقدرة ظاهرة على القراءة والكتابة، إلا أنهم يعجزون عن استيعاب المعاني الكامنة وراء النصوص، أو توظيف المعرفة في التحليل والاستنتاج واتخاذ المواقف السليمة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف الوعي، وقصور الإدراك، وتراجع الدافعية نحو التعلم المستمر، فضلاً عن الاتكالية والكسل الفكري اللذين يؤديان إلى انكماش القدرات الذهنية وتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

إن القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسليم من الناحيتين اللغوية والفكرية ليست مهارة متساوية لدى جميع الأفراد، بل تتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة والخبرة والبيئة المحيطة. ومن هنا تصبح الأمية الوظيفية عائقاً بنيوياً يحد من فاعلية الإنسان في أداء أدواره الاجتماعية والمهنية، وقد تنعكس آثارها سلباً على ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه، الأمر الذي قد يفضي إلى مشكلات نفسية وشعور بالعجز أو الإحباط.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الظاهرة ينبغي ألا يقود إلى تصنيف البشر بين أذكياء بالفطرة وضعفاء بالفطرة، فالفروق الإنسانية أكثر تعقيداً من هذا التصور المبسط. فالإنسان يمتلك طاقات وقدرات كامنة يمكن أن تزدهر أو تتراجع تبعاً للظروف التي يعيشها. فحين تتوافر بيئة سليمة قائمة على العدالة والاحترام والتحفيز، تتفتح ملكات الإبداع والفهم والتحليل لدى الفرد، ويصبح أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء. أما عندما يتعرض للتهميش أو القهر أو الحرمان من الحقوق والفرص لفترات طويلة، فقد تتراجع قدراته الذهنية والنفسية، ويصبح أقل قابلية للتفاعل الإيجابي مع المعرفة والحياة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمية الوظيفية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي قضية اجتماعية وثقافية ونفسية ترتبط بجودة البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالتربية السليمة، والتعليم النوعي، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن مسؤولية مواجهة الأمية الوظيفية تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، فضلاً عن مسؤولية الفرد تجاه تطوير ذاته وتنمية قدراته. فبناء مجتمع متماسك ومزدهر لا يتحقق بمجرد نشر التعليم الشكلي، بل يتطلب ترسيخ ثقافة الفهم العميق، واحترام العقل، وتنمية مهارات التحليل والاستنتاج والإبداع.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مكافحة الأمية الوظيفية تمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأنها تسهم في إطلاق طاقاته الكامنة وتحويلها إلى قوة إيجابية تدفعه نحو تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء إنسان واعٍ وقادر على الفهم والتفكير هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

 

 


الاثنين، 25 مايو 2026

الأُمــة الحيــة والأُمــة المأزومــة - قراءة فكرية في أسباب النهوض ومآلات التراجع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُقاس حيوية الأمم اليوم بقدرتها على صناعة الإنسان قبل العمران، وعلى تحويل التاريخ إلى قوة دافعة نحو المستقبل، لا إلى عبءٍ يقيّد الحاضر ويُعطّل مسارات التطور. فالأمم التي استطاعت أن تبني مشروعاً حضارياً متكاملاً، لم تصل إلى ذلك عبر المصادفة، وإنما من خلال ترسيخ منظومة متوازنة تجمع بين الاستقرار السياسي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والوعي الثقافي، واحترام القانون، وبناء المؤسسات القادرة على حماية الدولة والمجتمع معاً.

ومن هنا يمكن تعريف "الأمة الحية" بأنها الأمة التي تنجح في استثمار منجزاتها الحضارية والتاريخية بصورة إيجابية لبناء حاضر مزدهر ومستقبل مستقر، وتعمل في الوقت نفسه على تقليص عوامل التخلف والانقسام والصراع الداخلي. فالإنسان فيها يمثل محور العملية السياسية والتنموية، وتُوظَّف موارد الدولة البشرية والاقتصادية لخدمة المجتمع وتعزيز قدراته العلمية والثقافية والإبداعية.

وتتسم الأمة الحية بجملة من الخصائص الجوهرية، أبرزها الاستقرار السياسي والأمني، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات، ودعم الكفاءات الوطنية بعيداً عن الانقسامات القومية أو الدينية أو الطائفية. كما أنها تبني علاقاتها الدولية على أساس احترام السيادة وتبادل المصالح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن استقلال قرارها الوطني وقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية داخلياً وخارجياً. وفي مقابل ذلك، تظهر "الأمة المأزومة" بوصفها نموذجاً مضطرباً يعيش حالة اختلال بنيوي في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع. ويمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من هذا النوع من الأمم:

أولاً: الأمـــة الحيــــة المأزومـــــة

وهي أمة تمتلك أدوات القوة والتفوق العلمي والعسكري والاقتصادي، لكنها تعيش في أزمة مستدامة ناجمة عن سعيها الدائم إلى الهيمنة والسيطرة على الآخرين. فهي تبني نفوذها على إدارة الصراعات الدولية واستثمار الأزمات، وتسعى إلى المحافظة على تفوقها بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن تعارض ذلك مع القيم الإنسانية أو المواثيق الدولية.

ومن أبرز سماتها؛ أنها تتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق العدالة، وتوظف الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والعسكر لخدمة مشاريع الهيمنة العالمية. كما أنها تميل إلى خلق الأزمات أو استدامتها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي يجعلها في حالة صراع دائم مع ذاتها ومع محيطها الدولي، فتبدو قوية ظاهرياً لكنها تعيش قلقاً وجودياً مستمراً خوفاً من فقدان نفوذها العالمي.

ثانياً: الأمة المتخلفة المأزومة

أما هذا النوع من الأمم، فيعد الأكثر هشاشة وخطورة على مستقبل الامة الذاتي، لأنه يجعلها تعيش حالة تبعية مزمنة وفشلاً مستمراً في بناء الدولة الحديثة. فهي أمة عاجزة عن استثمار تاريخها أو مواردها أو طاقاتها البشرية، وتعيد إنتاج أزماتها بصورة متكررة، حتى تتحول الفوضى والتخلف إلى حالة اعتيادية داخل المجتمع.

وتبرز في هذه الأمم مظاهر الجهل والانقسام والفساد وضعف المؤسسات، فضلاً عن استنزاف الثروات وتراجع منظومات التعليم والثقافة والإنتاج. كما تتسع فيها الفجوة بين الحاكم والمجتمع، وتُستبدل الكفاءة بالولاءات الضيقة، فتفقد الدولة قدرتها على صناعة التنمية والاستقرار.

إن أخطر ما تواجهه "الأمة المتخلفة المأزومة" ليس الفقر المادي فحسب، بل الفقر الفكري والثقافي الذي يؤدي إلى تعطيل العقل النقدي، وتقديس الخطابات الشعبوية، والارتهان للماضي بوصفه بديلاً عن صناعة المستقبل. وعندما تفقد الأمة ثقتها بالعلم والعمل والإنتاج، فإنها تفقد الثقة بنفسها وبنظامها السياسي أيضاً، وتدخل في دائرة مغلقة من الخوف والتراجع والتشرذم.

جذور الأزمة الحضارية

إن جوهر الأزمة التي تعيشها كثير من الأمم يعود إلى تضارب المصالح بين القوى السياسية والاقتصادية، وغياب المشروع الوطني الجامع، وهيمنة النزعات الانتقامية والطائفية والقومية الضيقة، فضلاً عن تحكم المصالح الشخصية والفئوية بمصادر القرار. كما أن تداخل النفوذ السياسي مع المصالح الاقتصادية، وانتشار الفساد، واحتكار السلطة والثروة، كلها عوامل أسهمت في تعميق الكراهية والصراعات الداخلية والإقليمية والدولية.

ولذلك فإن العالم المعاصر لا يعاني فقط من أزمة موارد أو حدود، بل من أزمة إدارة وقيم ورؤية حضارية، حيث أصبحت بعض الدول تمتلك أدوات القوة لكنها تفتقر إلى البعد الأخلاقي، فيما تمتلك أمم أخرى التاريخ والثروات لكنها تعجز عن توظيفها في مشروع نهضوي حقيقي.

مختصر الحلول والمعالجات

إن الخروج من دائرة "الأمة المأزومة" نحو "الأمة الحية" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

1.  بناء الإنسان عبر تطوير التعليم والثقافة والبحث العلمي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني.

2.  ترسيخ دولة المؤسسات والقانون ومنع احتكار السلطة والثروة، وتعزيز استقلال القضاء ومكافحة الفساد.

3.  تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان التوزيع العادل للموارد والثروات بما يقلل من الفوارق والصراعات المجتمعية.

4.  دعم الكفاءات الوطنية وإبعاد الدولة عن المحاصصة والانقسامات الضيقة.

5.  تبني سياسة خارجية متوازنة تحفظ السيادة الوطنية وتمنع التبعية والصراعات العبثية.

6.  الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج القائم على الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار بالموارد البشرية.

7.  تعزيز ثقافة الحوار والتسامح ونبذ خطاب الكراهية والتطرف والانغلاق الفكري.

خاتمة القول، إن الأمم لا تُقاس بحجم ثرواتها الطبيعية أو قوتها العسكرية فقط، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان الحر الواعي القادر على صناعة الحضارة وحماية الدولة. فالأمة الحية هي التي تجعل من العلم والعمل والإبداع أساساً لنهضتها، بينما تبقى "الأمة المأزومة" أسيرة الخوف والانقسام والصراع وإعادة إنتاج الفشل.

وحين تدرك الشعوب أن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات أو انتظار المخلص، بل بالعمل والإصلاح والتخطيط والعقلانية، فإنها تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو التحول من أمة تعيش على هامش التاريخ إلى أمة تسهم في صناعته. 

الثلاثاء، 19 مايو 2026

الدولة الدبلوماسية العميقة

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تولي وزارات الخارجية في أغلب دول العالم اهتماماً بالغاً بعملية اختيار وإعداد الكوادر الدبلوماسية، انطلاقاً من إدراكها لأهمية العنصر البشري في تمثيل الدولة وصياغة توجهاتها الخارجية. وتحرص هذه المؤسسات على تأهيل الدبلوماسيين علمياً وفكرياً وثقافياً ولغوياً عبر برامج متخصصة ودورات تدريبية مكثفة، تتبعها مراحل من العمل الميداني والتدرج المهني داخل مراكز الوزارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج. وتسهم هذه المسيرة المهنية في صقل الشخصية الدبلوماسية وفق معايير دولية تجعل من الدبلوماسي مرآة حضارية تعكس صورة بلده وقيمه ومصالحه أمام الدولة المضيفة والمجتمع الدولي.

كما تمثل مشاركة الدبلوماسيين في الدورات والبرامج التي تنظمها المعاهد والأكاديميات الدبلوماسية العالمية فرصة مهمة لاكتساب المعرفة العميقة بطبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية والأمنية في الدول المختلفة. فالاحتكاك المباشر بالتجارب الدولية، والاطلاع على آليات صنع القرار والسياسات الداخلية والخارجية للدول، يثري ذاكرة الدبلوماسي بخبرات ومعلومات استراتيجية قد لا تتوفر حتى لدى بعض الفاعلين السياسيين المحليين.

ويكتسب العمل الدبلوماسي بعداً أكثر عمقاً من خلال الخدمة الطويلة في البعثات والمنظمات الدولية والإقليمية، إذ تسهم سنوات العمل المتواصلة في بناء رؤية استشرافية لدى الدبلوماسي تجاه طبيعة العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، وفهم التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية للدول والمجتمعات. كما تنمي هذه الخبرة قدرته على التحليل والاستنتاج وتقدير المواقف، بما يساعد في تقديم رؤى دقيقة تسهم في رسم السياسة الخارجية على أساس المصالح المشتركة والتوازنات الإقليمية والدولية.

ومع تراكم الخبرة المهنية عبر سنوات الخدمة، يصبح الدبلوماسي قادراً على قراءة المشهد الدولي بواقعية وعمق، وتقديم المشورة الرصينة لصناع القرار عند وضع البرامج الحكومية والسياسات الخارجية للدولة. فنجاح السياسة الخارجية لا يقوم على ردود الأفعال الآنية، بل يعتمد على بناء استراتيجيات بعيدة المدى تستند إلى فهم دقيق لموازين القوى الدولية، ومجالات التأثير والتأثر، وطبيعة المصالح الوطنية في محيطها الإقليمي والدولي. ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من خبرات الدبلوماسيين المخضرمين الذين كرّسوا حياتهم للعمل السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني الخارجي.

وفي هذا السياق، سعت العديد من الدول الكبرى ذات المصالح العالمية المتشعبة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا الاتحادية، والصين، واليابان، فضلاً عن عدد من الدول الغربية ودول شرق آسيا، إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ"الدولة الدبلوماسية العميقة" ليكون لها دور مهم في رسم السياسة الخارجية لتلك البلدان. ويتمثل هذا المفهوم في بناء منظومة مؤسساتية متخصصة تضم دوائر وزارة الخارجية، ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية، والمعاهد والأكاديميات الدبلوماسية، التي يقودها دبلوماسيون وخبراء يمتلكون خبرة تراكمية ورؤية استشرافية واسعة. وتعمل هذه المؤسسات على إعداد الدراسات والتقارير والتوصيات التي تسهم في دعم صناع القرار عند رسم السياسة الخارجية للدولة وفق أسس علمية ومصالح استراتيجية واضحة.

إن بناء “الدولة الدبلوماسية العميقة” لا يقوم على المجاملات أو الاعتبارات الشخصية، البعيدة عن المهنية ومصلحة الدولة والشعب، بل يعتمد بصورة أساسية على الكفاءة والخبرة والتراكم المعرفي والنتاج الفكري للدبلوماسي. فالدول التي تسعى إلى ترسيخ حضورها وتأثيرها في النظام الدولي تدرك أن نجاح سياستها الخارجية يرتبط بقدرتها على بناء مؤسسات دبلوماسية رصينة تمتلك رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وتعمل باستمرار على حماية المصالح العليا للدولة وتعزيز مكانتها بين الأمم.