الثلاثاء، 23 يونيو 2026

الحياة الكذبة: حين يصبح الاستقرار ومهماً والمستقبل خيالاً

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

منذ فجر التاريخ والإنسان يسعى إلى حياة أفضل، مدفوعاً بالأمل في تحسين واقعه وتأمين مستقبل أبنائه. وقد ارتبط هذا السعي بفكرة إعمار الأرض وتحقيق السعادة والاستقرار والعيش الكريم، وهي غاية مشتركة بين مختلف الشعوب والحضارات. غير أن قدرة الإنسان على رسم مستقبله لم تكن دائماً رهناً بإرادته وحدها، بل كثيراً ما خضعت لقرارات النخب السياسية والاقتصادية التي أدارت شؤون المجتمعات، فكان أثرها حاسماً في صناعة الازدهار أو إنتاج التراجع والانهيار.

وعلى امتداد التاريخ، شهدت البشرية حروباً وصراعات كبرى أودت بحياة الملايين وأعاقت مسيرة التقدم الإنساني. إلا أن الفارق الجوهري بين المجتمعات لم يكن في تعرضها للأزمات فحسب، بل في قدرتها على بناء مؤسسات قوية قادرة على تجاوزها. فبينما استطاعت دول عديدة تحويل تجاربها المريرة إلى فرص للنهوض، بقيت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط أسيرة دوامة من الأزمات المتكررة التي تجعل المستقبل غامضاً ومفتوحاً على احتمالات عدم الاستقرار.

ومن هنا يمكن وصف واقع كثير من شعوب المنطقة بما يمكن تسميته بـ"الحياة الكذبة"، وهي ليست حياة تقوم على الخداع المباشر بقدر ما تقوم على وهم الاستقرار. ففي هذه البيئة يعيش الفرد وهو غير قادر على الاطمئنان إلى مستقبله أو مستقبل أبنائه، لأن المكاسب التي يحققها المجتمع أو الفرد يمكن أن تتبخر خلال فترة قصيرة نتيجة حرب أو اضطراب سياسي أو انهيار اقتصادي أو تدخل خارجي. وبذلك تصبح الحياة اليومية محكومة بحالة من القلق المستمر، ويتحول التخطيط للمستقبل إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

ولا تعود هذه الظاهرة إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. فضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، وغياب العدالة في توزيع الثروة، وتراجع جودة التعليم، واستمرار النزاعات السياسية والطائفية والعرقية، كلها عوامل تؤدي إلى إضعاف الثقة بين المواطن والدولة. كما أن التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية حول النفوذ والموارد جعلت العديد من دول المنطقة ساحات مفتوحة للتنافس الدولي، الأمر الذي حدّ من قدرتها على بناء مشاريع تنموية مستقلة ومستدامة.

وفي ظل هذه الظروف تتعرض المنظومة الاجتماعية نفسها إلى التآكل التدريجي. فحين يفقد الإنسان ثقته بالمؤسسات والقوانين، يبدأ بالبحث عن بدائل توفر له الحماية أو المنفعة، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو حزبية أو خارجية. وعندما تصبح المصالح الضيقة بديلاً عن المواطنة، تتراجع قيم التضامن الاجتماعي ويضعف الشعور بالانتماء الوطني، لتدخل المجتمعات في دائرة مغلقة من عدم الاستقرار.

وفي المقابل، فإن المجتمعات التي نجحت في تحقيق مستويات عالية من الرفاه والاستقرار لم تصل إلى ذلك عبر الصدفة أو التفوق الثقافي، بل من خلال بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون وتكافؤ الفرص والاستثمار في الإنسان. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، ولا بالشعارات السياسية، وإنما بوجود عقد اجتماعي يشعر فيه المواطن بأن حقوقه مصانة وأن مستقبله مرتبط بنجاح دولته واستقرارها.

إن الخروج من "الحياة الكذبة" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل البنيان. ويشمل ذلك تطوير منظومة التعليم والتربية لترسيخ قيم المواطنة والعقلانية والتسامح، ومحاربة الفساد بوصفه العدو الأول للتنمية، وتنويع الاقتصاد لتقليل الاعتماد على الموارد الريعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تمنح الأفراد شعوراً بالمساواة والانتماء. كما يتطلب بناء مؤسسات سياسية فاعلة تمتلك الإرادة والكفاءة لحماية السيادة الوطنية وإقامة علاقات خارجية متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة واحترام الاستقلال الوطني.

إن أزمة الشرق الأوسط ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسات خاطئة يمكن معالجتها بالإرادة والإصلاح. وعندما تنجح الدولة في بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتوفر الأمن والعدالة والفرص الاقتصادية، تتحول الحياة من حالة انتظار دائم للأزمات إلى حالة من الاطمئنان والتخطيط للمستقبل. عندها فقط تنتقل شعوب المنطقة من "الحياة الكذبة" إلى حياة حقيقية قوامها الاستقرار والثقة والتنمية، وتصبح قادرة على صناعة مستقبل يليق بإمكاناتها البشرية والحضارية الكبيرة.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: الحياة الكذبة: حين يصبح الاستقرار ومهماً والمستقبل خيالاً

الأربعاء، 17 يونيو 2026

خطة عمل للإصلاح الاقتصادي ضمن البرنامج الحكومي العراقي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يمكن ان تقوم خطة العمل للإصلاح الاقتصادي في العراق على ستة محاور رئيسية مترابطة مع بعضها، بحيث تجمع بين مكافحة الفساد، وتعظيم الإيرادات، وتنويع الاقتصاد، وتحفيز الإنتاج الوطني، وخلق فرص العمل.

أولاً: الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد

يُعد الفساد أحد أهم معوقات التنمية الاقتصادية، لذلك ينبغي اعتماد سياسة "المعالجة الهرمية للفساد"، من خلال:

1.    تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية.

2.    إخضاع كبار المسؤولين والدرجات الخاصة لنظام الإفصاح المالي والرقابة الدورية.

3.    أتمتة الإجراءات الحكومية والتحول الرقمي للحد من الاحتكاك المباشر وتقليل فرص الفساد.

4.    تفعيل مبدأ الثواب والعقاب وربط الترقية الوظيفية بمؤشرات الأداء والنزاهة.

5.    مراجعة العقود الحكومية الكبرى وتدقيقها وفق معايير الشفافية والحوكمة.

ثانياً: تعظيم موارد الدولة وحصر الإيرادات العامة

يهدف هذا المحور إلى تعزيز قدرة الدولة المالية وتقليل هدر المال العام، وذلك عبر:

1.    حصر جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية وإيداعها مباشرة في الخزينة العامة.

2.    تطوير النظام الضريبي والجمركي وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة.

3.    مكافحة التهرب الضريبي والجمركي باستخدام الأنظمة الإلكترونية الحديثة.

4.    إعادة تقييم أصول الدولة واستثمارها اقتصادياً.

5.    إنشاء قاعدة بيانات مالية موحدة لجميع الإيرادات الحكومية.

ثالثاً: التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي

يتطلب الإصلاح الاقتصادي الحقيقي تقليل الاعتماد على النفط باعتباره مورداً أحادي المصدر، من خلال:

1.    إعداد استراتيجية وطنية للتنويع الاقتصادي تمتد لعشر سنوات.

2.    إعطاء الأولوية لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية.

3.    تشجيع الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

4.    دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وربطها بسلاسل الإنتاج الوطنية.

5.    تطوير البنى التحتية الداعمة للإنتاج والاستثمار.

رابعاً: إعادة إحياء القطاع المختلط

يمثل القطاع المختلط أداة مهمة لتحقيق التوازن بين دور الدولة وآليات السوق، وذلك عبر:

1.    تأسيس شركات إنتاجية مختلطة تمتلك الدولة فيها نسبة (51%) والقطاع الخاص (49%). مع تفعيل نظام الحوافز وطرح الاسهم للعاملين.

2.    توجيه هذه الشركات نحو الصناعات الاستراتيجية والسلع الأساسية.

3.    استثمار الطاقات المعطلة للمصانع الحكومية وإعادة تأهيلها بالشراكة مع القطاع الخاص.

4.    توفير بيئة قانونية وإدارية جاذبة للاستثمار الوطني.

5.    ضمان الرقابة الحكومية على التوجهات الاستراتيجية والإنتاجية للمشروعات.

خامساً: التشغيل والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية

يركز هذا المحور على التنمية البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاجية فاعلة من خلال:

1.    ربط مخرجات التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل.

2.    استيعاب الخريجين وأصحاب المهارات الفنية في المشاريع الإنتاجية الجديدة.

3.    إنشاء مراكز للابتكار والبحث والتطوير داخل المؤسسات الصناعية.

4.    تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للمشروعات التي تعتمد التكنولوجيا الحديثة.

5.    دعم برامج الجودة والمواصفات القياسية لرفع تنافسية المنتج العراقي محلياً ودولياً.

سادساً: ضبط الاستيراد وحماية المنتج الوطني

لضمان نجاح التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي ينبغي:

1.    تنظيم الاستيراد وفق الحاجة الفعلية للسوق.

2.    تشديد الرقابة على التحويلات المالية الخارجية المرتبطة بالاستيراد.

3.    مكافحة عمليات غسل الأموال والتلاعب بالفواتير التجارية.

4.    تطبيق سياسة حماية ذكية للمنتج الوطني دون الإضرار بالمنافسة المشروعة.

5.    إعطاء الأفضلية للمنتجات الوطنية في المشتريات الحكومية.


لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: المنبر الدبلوماسي

 

الجمعة، 12 يونيو 2026

قراءة استشرافية في مستقبل العلاقات الاوربية - الامريكية

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُبنى التحالفات الاستراتيجية بين الدول الكبرى عادةً على أسس راسخة من الثقة المتبادلة، والالتزام بالمعاهدات والاعراف الدولية، وتوافق المصالح بعيدة المدى. إلا أن التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، لاسيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، أثارت تساؤلات داخل الأوساط الأوربية بشأن مدى استمرارية الالتزام الأمريكي التقليدي بأمن أوروبا ومصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة المتبادلة بين ضفتي الأطلسي.

وفي هذا السياق، برزت داخل أوربا دعوات متزايدة لتعزيز مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، بما يتيح للقارة الأوربية امتلاك قدر أكبر من القدرة على التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. ومن هنا بدأ الحديث عن ضرورة انتقال أوربا من صورة "القارة العجوز" إلى فاعل دولي أكثر قوة وتأثيراً في النظام الدولي المتشكل حديثاً.

ولا يعني هذا التوجه بالضرورة حدوث قطيعة أو عداء بين أوربا والولايات المتحدة الامريكية، إذ مازالت المصالح المشتركة والمؤسسات العابرة للأطلسي، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشكل ركائز مهمة للعلاقة بين الجانبين. غير أن المؤشرات الحالية تدل على سعي أوربي متزايد لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أساس قدر أكبر من التوازن والاستقلالية.

وتواجه أوربا في هذا المسار تحديات اقتصادية كبيرة تحد من سرعة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية. فقد أدت الحرب الروسية – الأوكرانية إلى تداعيات اقتصادية واسعة، من بينها تراجع الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية منخفضة الكلفة، والانتقال إلى بدائل أكثر كلفة، فضلاً عن تأثر الاستثمارات الأوربية في روسيا والأسواق المرتبطة بها. كما أن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض مناطق الشرق الأوسط وأجزاء من العالم النامي أسهمت في تقليص فرص التوسع الاستثماري الأوربي في تلك الأسواق.

وفي المقابل، اتجهت العديد من الدول الأوربية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الصين، انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية وتجارية بحتة، الامر الذي أوجد تباينات في بعض الملفات الاقتصادية بين أوربا والولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع بكين.

وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أن العلاقات الأوربية – الأمريكية تتجه نحو مرحلة جديدة تختلف عن الصيغة التي سادت خلال العقود الماضية. فحتى مع تغير النهج السياسي للإدارات الأمريكية في المستقبل، من المرجح أن يستمر التوجه الأوربي نحو تعزيز قدراته الذاتية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب من الاوربيين اعتماد استثمارات ضخمة، وإصلاحات هيكلية طويلة الأمد، وإعادة بناء القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية الأوربية، وهي عملية قد تستغرق سنوات عديدة بعد عقود طويلة من الاعتماد النسبي على المظلة الأمنية الأمريكية والتمتع بفترات ممتدة من الاستقرار والرخاء الاقتصادي لبلدان القارة الاوربية.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي:صحيفة معارج الفكر 

 

 

الجمعة، 5 يونيو 2026

الأُمــية الوظيفية - التحدي الخفي في بناء الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي يمتلك فيها الفرد القدرة الشكلية على القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى القدرة الحقيقية على فهم النصوص واستيعاب مضامينها وتحليلها بصورة عميقة، فضلاً عن محدودية قدرته على إنتاج نصوص متماسكة فكرياً ولغوياً. وتُعد هذه الظاهرة من التحديات المعاصرة التي لا تقتصر على مجتمع أو دولة بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية والثقافية.

ولعل ما يثير الدهشة أن الأمية الوظيفية قد تنتشر بين أشخاص يحملون شهادات علمية أو يتمتعون بقدرة ظاهرة على القراءة والكتابة، إلا أنهم يعجزون عن استيعاب المعاني الكامنة وراء النصوص، أو توظيف المعرفة في التحليل والاستنتاج واتخاذ المواقف السليمة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف الوعي، وقصور الإدراك، وتراجع الدافعية نحو التعلم المستمر، فضلاً عن الاتكالية والكسل الفكري اللذين يؤديان إلى انكماش القدرات الذهنية وتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

إن القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسليم من الناحيتين اللغوية والفكرية ليست مهارة متساوية لدى جميع الأفراد، بل تتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة والخبرة والبيئة المحيطة. ومن هنا تصبح الأمية الوظيفية عائقاً بنيوياً يحد من فاعلية الإنسان في أداء أدواره الاجتماعية والمهنية، وقد تنعكس آثارها سلباً على ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه، الأمر الذي قد يفضي إلى مشكلات نفسية وشعور بالعجز أو الإحباط.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الظاهرة ينبغي ألا يقود إلى تصنيف البشر بين أذكياء بالفطرة وضعفاء بالفطرة، فالفروق الإنسانية أكثر تعقيداً من هذا التصور المبسط. فالإنسان يمتلك طاقات وقدرات كامنة يمكن أن تزدهر أو تتراجع تبعاً للظروف التي يعيشها. فحين تتوافر بيئة سليمة قائمة على العدالة والاحترام والتحفيز، تتفتح ملكات الإبداع والفهم والتحليل لدى الفرد، ويصبح أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء. أما عندما يتعرض للتهميش أو القهر أو الحرمان من الحقوق والفرص لفترات طويلة، فقد تتراجع قدراته الذهنية والنفسية، ويصبح أقل قابلية للتفاعل الإيجابي مع المعرفة والحياة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمية الوظيفية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي قضية اجتماعية وثقافية ونفسية ترتبط بجودة البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالتربية السليمة، والتعليم النوعي، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن مسؤولية مواجهة الأمية الوظيفية تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، فضلاً عن مسؤولية الفرد تجاه تطوير ذاته وتنمية قدراته. فبناء مجتمع متماسك ومزدهر لا يتحقق بمجرد نشر التعليم الشكلي، بل يتطلب ترسيخ ثقافة الفهم العميق، واحترام العقل، وتنمية مهارات التحليل والاستنتاج والإبداع.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مكافحة الأمية الوظيفية تمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأنها تسهم في إطلاق طاقاته الكامنة وتحويلها إلى قوة إيجابية تدفعه نحو تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء إنسان واعٍ وقادر على الفهم والتفكير هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.