الجمعة، 5 يونيو 2026

الأُمــية الوظيفية - التحدي الخفي في بناء الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي يمتلك فيها الفرد القدرة الشكلية على القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى القدرة الحقيقية على فهم النصوص واستيعاب مضامينها وتحليلها بصورة عميقة، فضلاً عن محدودية قدرته على إنتاج نصوص متماسكة فكرياً ولغوياً. وتُعد هذه الظاهرة من التحديات المعاصرة التي لا تقتصر على مجتمع أو دولة بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية والثقافية.

ولعل ما يثير الدهشة أن الأمية الوظيفية قد تنتشر بين أشخاص يحملون شهادات علمية أو يتمتعون بقدرة ظاهرة على القراءة والكتابة، إلا أنهم يعجزون عن استيعاب المعاني الكامنة وراء النصوص، أو توظيف المعرفة في التحليل والاستنتاج واتخاذ المواقف السليمة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف الوعي، وقصور الإدراك، وتراجع الدافعية نحو التعلم المستمر، فضلاً عن الاتكالية والكسل الفكري اللذين يؤديان إلى انكماش القدرات الذهنية وتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

إن القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسليم من الناحيتين اللغوية والفكرية ليست مهارة متساوية لدى جميع الأفراد، بل تتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة والخبرة والبيئة المحيطة. ومن هنا تصبح الأمية الوظيفية عائقاً بنيوياً يحد من فاعلية الإنسان في أداء أدواره الاجتماعية والمهنية، وقد تنعكس آثارها سلباً على ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه، الأمر الذي قد يفضي إلى مشكلات نفسية وشعور بالعجز أو الإحباط.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الظاهرة ينبغي ألا يقود إلى تصنيف البشر بين أذكياء بالفطرة وضعفاء بالفطرة، فالفروق الإنسانية أكثر تعقيداً من هذا التصور المبسط. فالإنسان يمتلك طاقات وقدرات كامنة يمكن أن تزدهر أو تتراجع تبعاً للظروف التي يعيشها. فحين تتوافر بيئة سليمة قائمة على العدالة والاحترام والتحفيز، تتفتح ملكات الإبداع والفهم والتحليل لدى الفرد، ويصبح أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء. أما عندما يتعرض للتهميش أو القهر أو الحرمان من الحقوق والفرص لفترات طويلة، فقد تتراجع قدراته الذهنية والنفسية، ويصبح أقل قابلية للتفاعل الإيجابي مع المعرفة والحياة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمية الوظيفية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي قضية اجتماعية وثقافية ونفسية ترتبط بجودة البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالتربية السليمة، والتعليم النوعي، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن مسؤولية مواجهة الأمية الوظيفية تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، فضلاً عن مسؤولية الفرد تجاه تطوير ذاته وتنمية قدراته. فبناء مجتمع متماسك ومزدهر لا يتحقق بمجرد نشر التعليم الشكلي، بل يتطلب ترسيخ ثقافة الفهم العميق، واحترام العقل، وتنمية مهارات التحليل والاستنتاج والإبداع.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مكافحة الأمية الوظيفية تمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأنها تسهم في إطلاق طاقاته الكامنة وتحويلها إلى قوة إيجابية تدفعه نحو تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء إنسان واعٍ وقادر على الفهم والتفكير هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

 

 


الاثنين، 25 مايو 2026

الأُمــة الحيــة والأُمــة المأزومــة - قراءة فكرية في أسباب النهوض ومآلات التراجع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُقاس حيوية الأمم اليوم بقدرتها على صناعة الإنسان قبل العمران، وعلى تحويل التاريخ إلى قوة دافعة نحو المستقبل، لا إلى عبءٍ يقيّد الحاضر ويُعطّل مسارات التطور. فالأمم التي استطاعت أن تبني مشروعاً حضارياً متكاملاً، لم تصل إلى ذلك عبر المصادفة، وإنما من خلال ترسيخ منظومة متوازنة تجمع بين الاستقرار السياسي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والوعي الثقافي، واحترام القانون، وبناء المؤسسات القادرة على حماية الدولة والمجتمع معاً.

ومن هنا يمكن تعريف "الأمة الحية" بأنها الأمة التي تنجح في استثمار منجزاتها الحضارية والتاريخية بصورة إيجابية لبناء حاضر مزدهر ومستقبل مستقر، وتعمل في الوقت نفسه على تقليص عوامل التخلف والانقسام والصراع الداخلي. فالإنسان فيها يمثل محور العملية السياسية والتنموية، وتُوظَّف موارد الدولة البشرية والاقتصادية لخدمة المجتمع وتعزيز قدراته العلمية والثقافية والإبداعية.

وتتسم الأمة الحية بجملة من الخصائص الجوهرية، أبرزها الاستقرار السياسي والأمني، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات، ودعم الكفاءات الوطنية بعيداً عن الانقسامات القومية أو الدينية أو الطائفية. كما أنها تبني علاقاتها الدولية على أساس احترام السيادة وتبادل المصالح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن استقلال قرارها الوطني وقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية داخلياً وخارجياً. وفي مقابل ذلك، تظهر "الأمة المأزومة" بوصفها نموذجاً مضطرباً يعيش حالة اختلال بنيوي في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع. ويمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من هذا النوع من الأمم:

أولاً: الأمـــة الحيــــة المأزومـــــة

وهي أمة تمتلك أدوات القوة والتفوق العلمي والعسكري والاقتصادي، لكنها تعيش في أزمة مستدامة ناجمة عن سعيها الدائم إلى الهيمنة والسيطرة على الآخرين. فهي تبني نفوذها على إدارة الصراعات الدولية واستثمار الأزمات، وتسعى إلى المحافظة على تفوقها بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن تعارض ذلك مع القيم الإنسانية أو المواثيق الدولية.

ومن أبرز سماتها؛ أنها تتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق العدالة، وتوظف الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والعسكر لخدمة مشاريع الهيمنة العالمية. كما أنها تميل إلى خلق الأزمات أو استدامتها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي يجعلها في حالة صراع دائم مع ذاتها ومع محيطها الدولي، فتبدو قوية ظاهرياً لكنها تعيش قلقاً وجودياً مستمراً خوفاً من فقدان نفوذها العالمي.

ثانياً: الأمة المتخلفة المأزومة

أما هذا النوع من الأمم، فيعد الأكثر هشاشة وخطورة على مستقبل الامة الذاتي، لأنه يجعلها تعيش حالة تبعية مزمنة وفشلاً مستمراً في بناء الدولة الحديثة. فهي أمة عاجزة عن استثمار تاريخها أو مواردها أو طاقاتها البشرية، وتعيد إنتاج أزماتها بصورة متكررة، حتى تتحول الفوضى والتخلف إلى حالة اعتيادية داخل المجتمع.

وتبرز في هذه الأمم مظاهر الجهل والانقسام والفساد وضعف المؤسسات، فضلاً عن استنزاف الثروات وتراجع منظومات التعليم والثقافة والإنتاج. كما تتسع فيها الفجوة بين الحاكم والمجتمع، وتُستبدل الكفاءة بالولاءات الضيقة، فتفقد الدولة قدرتها على صناعة التنمية والاستقرار.

إن أخطر ما تواجهه "الأمة المتخلفة المأزومة" ليس الفقر المادي فحسب، بل الفقر الفكري والثقافي الذي يؤدي إلى تعطيل العقل النقدي، وتقديس الخطابات الشعبوية، والارتهان للماضي بوصفه بديلاً عن صناعة المستقبل. وعندما تفقد الأمة ثقتها بالعلم والعمل والإنتاج، فإنها تفقد الثقة بنفسها وبنظامها السياسي أيضاً، وتدخل في دائرة مغلقة من الخوف والتراجع والتشرذم.

جذور الأزمة الحضارية

إن جوهر الأزمة التي تعيشها كثير من الأمم يعود إلى تضارب المصالح بين القوى السياسية والاقتصادية، وغياب المشروع الوطني الجامع، وهيمنة النزعات الانتقامية والطائفية والقومية الضيقة، فضلاً عن تحكم المصالح الشخصية والفئوية بمصادر القرار. كما أن تداخل النفوذ السياسي مع المصالح الاقتصادية، وانتشار الفساد، واحتكار السلطة والثروة، كلها عوامل أسهمت في تعميق الكراهية والصراعات الداخلية والإقليمية والدولية.

ولذلك فإن العالم المعاصر لا يعاني فقط من أزمة موارد أو حدود، بل من أزمة إدارة وقيم ورؤية حضارية، حيث أصبحت بعض الدول تمتلك أدوات القوة لكنها تفتقر إلى البعد الأخلاقي، فيما تمتلك أمم أخرى التاريخ والثروات لكنها تعجز عن توظيفها في مشروع نهضوي حقيقي.

مختصر الحلول والمعالجات

إن الخروج من دائرة "الأمة المأزومة" نحو "الأمة الحية" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

1.  بناء الإنسان عبر تطوير التعليم والثقافة والبحث العلمي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني.

2.  ترسيخ دولة المؤسسات والقانون ومنع احتكار السلطة والثروة، وتعزيز استقلال القضاء ومكافحة الفساد.

3.  تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان التوزيع العادل للموارد والثروات بما يقلل من الفوارق والصراعات المجتمعية.

4.  دعم الكفاءات الوطنية وإبعاد الدولة عن المحاصصة والانقسامات الضيقة.

5.  تبني سياسة خارجية متوازنة تحفظ السيادة الوطنية وتمنع التبعية والصراعات العبثية.

6.  الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج القائم على الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار بالموارد البشرية.

7.  تعزيز ثقافة الحوار والتسامح ونبذ خطاب الكراهية والتطرف والانغلاق الفكري.

خاتمة القول، إن الأمم لا تُقاس بحجم ثرواتها الطبيعية أو قوتها العسكرية فقط، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان الحر الواعي القادر على صناعة الحضارة وحماية الدولة. فالأمة الحية هي التي تجعل من العلم والعمل والإبداع أساساً لنهضتها، بينما تبقى "الأمة المأزومة" أسيرة الخوف والانقسام والصراع وإعادة إنتاج الفشل.

وحين تدرك الشعوب أن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات أو انتظار المخلص، بل بالعمل والإصلاح والتخطيط والعقلانية، فإنها تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو التحول من أمة تعيش على هامش التاريخ إلى أمة تسهم في صناعته. 

الثلاثاء، 19 مايو 2026

الدولة الدبلوماسية العميقة

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تولي وزارات الخارجية في أغلب دول العالم اهتماماً بالغاً بعملية اختيار وإعداد الكوادر الدبلوماسية، انطلاقاً من إدراكها لأهمية العنصر البشري في تمثيل الدولة وصياغة توجهاتها الخارجية. وتحرص هذه المؤسسات على تأهيل الدبلوماسيين علمياً وفكرياً وثقافياً ولغوياً عبر برامج متخصصة ودورات تدريبية مكثفة، تتبعها مراحل من العمل الميداني والتدرج المهني داخل مراكز الوزارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج. وتسهم هذه المسيرة المهنية في صقل الشخصية الدبلوماسية وفق معايير دولية تجعل من الدبلوماسي مرآة حضارية تعكس صورة بلده وقيمه ومصالحه أمام الدولة المضيفة والمجتمع الدولي.

كما تمثل مشاركة الدبلوماسيين في الدورات والبرامج التي تنظمها المعاهد والأكاديميات الدبلوماسية العالمية فرصة مهمة لاكتساب المعرفة العميقة بطبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية والأمنية في الدول المختلفة. فالاحتكاك المباشر بالتجارب الدولية، والاطلاع على آليات صنع القرار والسياسات الداخلية والخارجية للدول، يثري ذاكرة الدبلوماسي بخبرات ومعلومات استراتيجية قد لا تتوفر حتى لدى بعض الفاعلين السياسيين المحليين.

ويكتسب العمل الدبلوماسي بعداً أكثر عمقاً من خلال الخدمة الطويلة في البعثات والمنظمات الدولية والإقليمية، إذ تسهم سنوات العمل المتواصلة في بناء رؤية استشرافية لدى الدبلوماسي تجاه طبيعة العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، وفهم التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية للدول والمجتمعات. كما تنمي هذه الخبرة قدرته على التحليل والاستنتاج وتقدير المواقف، بما يساعد في تقديم رؤى دقيقة تسهم في رسم السياسة الخارجية على أساس المصالح المشتركة والتوازنات الإقليمية والدولية.

ومع تراكم الخبرة المهنية عبر سنوات الخدمة، يصبح الدبلوماسي قادراً على قراءة المشهد الدولي بواقعية وعمق، وتقديم المشورة الرصينة لصناع القرار عند وضع البرامج الحكومية والسياسات الخارجية للدولة. فنجاح السياسة الخارجية لا يقوم على ردود الأفعال الآنية، بل يعتمد على بناء استراتيجيات بعيدة المدى تستند إلى فهم دقيق لموازين القوى الدولية، ومجالات التأثير والتأثر، وطبيعة المصالح الوطنية في محيطها الإقليمي والدولي. ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من خبرات الدبلوماسيين المخضرمين الذين كرّسوا حياتهم للعمل السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني الخارجي.

وفي هذا السياق، سعت العديد من الدول الكبرى ذات المصالح العالمية المتشعبة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا الاتحادية، والصين، واليابان، فضلاً عن عدد من الدول الغربية ودول شرق آسيا، إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ"الدولة الدبلوماسية العميقة" ليكون لها دور مهم في رسم السياسة الخارجية لتلك البلدان. ويتمثل هذا المفهوم في بناء منظومة مؤسساتية متخصصة تضم دوائر وزارة الخارجية، ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية، والمعاهد والأكاديميات الدبلوماسية، التي يقودها دبلوماسيون وخبراء يمتلكون خبرة تراكمية ورؤية استشرافية واسعة. وتعمل هذه المؤسسات على إعداد الدراسات والتقارير والتوصيات التي تسهم في دعم صناع القرار عند رسم السياسة الخارجية للدولة وفق أسس علمية ومصالح استراتيجية واضحة.

إن بناء “الدولة الدبلوماسية العميقة” لا يقوم على المجاملات أو الاعتبارات الشخصية، البعيدة عن المهنية ومصلحة الدولة والشعب، بل يعتمد بصورة أساسية على الكفاءة والخبرة والتراكم المعرفي والنتاج الفكري للدبلوماسي. فالدول التي تسعى إلى ترسيخ حضورها وتأثيرها في النظام الدولي تدرك أن نجاح سياستها الخارجية يرتبط بقدرتها على بناء مؤسسات دبلوماسية رصينة تمتلك رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وتعمل باستمرار على حماية المصالح العليا للدولة وتعزيز مكانتها بين الأمم.

 

 

الثلاثاء، 27 يناير 2026

المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف

 بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تصنف المجتمعات البشرية من قبل المختصين في النظم السياسية والاقتصادية على انها مجتمعات "مستوطنات بشرية"، "مجتمعات هشة"، مجتمعات متخلفة"، "مجتمعات نامية"، و"مجتمعات متطورة"، التي تسمى ايضاً "مجتمعات العالم الاول".

ان البناء المؤسسي الصحيح للإنسان من قبل السلطة في دول العالم الاول، والذي يعد عملية استراتيجية لتطوير القدرات البشرية، أفرز مجتمعات ذات شأن، محصنة من الاختراق ومتطورة من النواحي العلمية والحضارية والفكرية، قائمة على مبادئ احترام الوقت والقانون، والتعايش السلمي، والايمان بالمنافسة العادلة، وزيادة الانتاج وتحسين نوعيته، وهذا الامر لم يأت اعتباطاً وانما نتاج لعدة عوامل من أهمها؛ الاستغلال الامثل للثروات والموارد الاقتصادية المتاحة، والاستثمار في راس المال البشري، واستخدام التكنولوجيا في قطاعات الحياة الاجتماعية، مما ادى الى تحقيق تقدماً شاملاً في مجالات البنى التحتية والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والاقتصاد والعدالة القضائية، إضافة الى توفير فرص العمل بعد اقامة المشاريع الإنتاجية الضخمة، والاهتمام بالعلم والكفاءات العلمية والثقافية، والتركيز على المؤسسات التربوية وبرامج الاندماج ووحدة اللغة لتنمية الروح الوطنية والانتماء الوطني.

الامر الذي أنتج مجتمعات صحية، انجبت حكومات قوية خالية من الفساد والمحسوبية، انتجت دولاً قوية انخفضت فيها الاصوات وقل الكلام، وارتفعت وتيرة العمل والإنتاج، واختفت الى حدٍ كبير المظاهر العشائرية والقبلية والقومية والعرقية والدينية، بعد ان تحققت العدالة الاجتماعية، وأصبح القانون القاسم المشترك بين ابناء المجتمع الواحد، بحيث أمست هذا المجتمعات والدول ملاذاً آمناً للنازحين والمهاجرين من المجتمعات الهشة والدول الفاشلة الى دول العالم الاول.   

أما في المجتمعات الهشة والدول الفاشلة، فيعاني الانسان من الاهمال وعدم الاهتمام من قبل السلطة، وتعيش المجتمعات بشكل عام حياة الفقر المدقع والبطالة، وانعدام الامن والامان، وضعف التماسك الاجتماعي والتفكك الاسري، وعدم المساواة بين المكونات الاجتماعية، وانتشار العدمية والايمان بالخرافة، وغياب التسامح والقبول بالتعددية، واستشراء الفساد، واستبداد السلطة، وكثرة الاضطرابات والصراعات الداخلية والكوارث الطبيعية والإنسانية نتيجة ضعف المؤسسات الحكومية، وعدم قدرة الدولة على الإصلاح واجراء التغييرات لتحقيق تطلعات أبناء المجتمع، خاصة في دول الشرق الاوسط وأفريقيا وامريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي وغيرها، ذات الموارد الاقتصادية والبشرية الكبيرة غير المستغلة، والتي غالباً ما تكون مخترقة والولاء فيها للأجنبي وللمجموعة والقبيلة والطائفة والقومية والعرقية اكثر من الولاء للوطن. 

كما يكون بناء الانسان في المجتمعات الهشة عشوائياً، قائم على اساس ادامة الفقر وتبديد الثروة والموارد الاقتصادية، وإهمال التربية والتعليم وتركها لجهود رب الاسرة، وذلك لعدم وجود مؤسسات تربوية حقيقية تحتضن الفرد وترتقي به من الروضة الى الابتدائية ومنها الى الإعدادية والجامعة، ضمن برامج علمية وتربوية مدروسة، الامر الذي خلق مجتمعات معاقة فكرياً وثقافياً وانسانياً، تعاني من الفقر المدقع والجوع، وانعدام الناتج المحلي والنتاج الفكري والعلمي، الذي يعطيها الأهلية القانونية والمعنوية في كيفية التعامل مع الظواهر الاجتماعية والازمات والتحديات المحيطة بها، وعرضة للتأثر بالمحيط الخارجي للدولة وبالروحانيات كبيئة جاذبة، تساعد على خلق مجتمعات هشة غير قادرة على انتاج اجيال قيادية لديها القدرة على تقديم ما هو إيجابي وافضل عند تسلم السلطة، باعتبارها نتاج للحرمان وارهاصات الخوف والفقر والتناقضات التاريخية السلبية التي زرعت ونمت في شخصية الانسان المتصدي للعملية السياسية في هذا المجتمع الهش او تلك الدولة الفاشلة. 

في المجتمعات الهشة، ترتفع الاصوات ويكثر الكلام والخمول معاً، ويقل العمل وينعدم الانتاج، وتزداد البطالة المقنعة، ويتم الاعتماد على الاستيراد بشكل كبير بعد ان يجبر الانسان على فقدان الثقة بنفسة كمنتج، حيث ينتظر القائمون على السلطة من الدول المتقدمة، التي تتربص بهم، تقديم العون والمساعدات المادية والمعنوية لإعادة هيكلة وبناء دولهم، وكأنه واجب حتمي عليها، من حيث لا يعلم السذج من القوم، بانه "لكل حادث حديث"، و"لكل شيء ثمن"، لذلك فان المجتمعات الهشة لا تنتج قيادات حقيقية تلبي حاجات الشعب والوطن الذي غالياً ما يكون منقوص السيادة، وانما تنتج دولاً فاشلة.  

ان عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية وغياب السلطات الرقابية الامنية والقضائية، التي تعمل على المحاسبة ومعالجة السلبيات وتنمية الايجابيات لتحقيق الازدهار والرفاه الاجتماعي، وتحجم الى حدٍ ما مصالح الطبقة المهيمنة على السلطة والمال والجاه، خلق مجتمعات عالمية هشة مصنفة أممياً كـ"مستوطنات بشرية" و"مجتمعات فقيرة"، متخلفة فكريا ومتأخرة حضارياً ومتشددة قومياً وعقائدياً ضمن منظومة دول فاشلة، اصبحت باباً من ابواب الفساد المحلي والدولي، تعد في آن واحد مدعاة للتعاطف، والسخرية، والرأفة، وعدم الاحترام من قبل الدول والمجتمعات الرائدة في العالم. 

ان معالجة الهشاشة وتحصين الدولة والمجتمع من الاختراقات لا يأتي باستخدام الحديد والنار، وسياسة التجويع والتخويف والقهر الاجتماعي، كوسيلة للاستقرار والتطور والرفاه الاجتماعي، وانما بتحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على آفة الفساد، والاستخدام الامثل للموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة وتوظيفها بشكل صحيح ضمن سياسة استراتيجية وبرامج عمل تهدف الى تحقيق الازدهار الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، وبذلك لا تستطيع الهشاشة ان تنتج نفسها على مر الزمن وتصبح واقع حال وثقافة مجتمعية لا يمكن المساس بها بسبب ان "الانسان الهش" اصبح رافضاً لتغيير نمط حياته التي اعتاد عليها، وإن تَغيَّر جدلاً، فسيكون فوضوياً.

لذلك فان مجموعة المستفيدين من هشاشة المجتمع وتخلفه تحاول دائما كبح فرامل "الوعي المجتمعي" لدى الانسان، الذي يهدد مصالح الطبقة المستفيدة، سياسية كانت ام اقتصادية ام ثقافية أو دينية، بحيث اصبحت المجتمعات الهشة تنتج انظمة هشة همها توظيف القوانين لحماية وديمومة مصالحها، مما أثر سلباً على صعود الشخصيات العلمية والثقافية الوطنية التي يمكن ان يكون لها دور ايجابي لو تسلقت سلم السلطة.  

في الوقت الحاضر، اصبحت "المجتمعات الهشة" و"الدول الفاشلة" مستهدفة أكثر من اي وقت مضى من قبل القوى الكبرى في انتهاك سيادتها والهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وتدمير مواردها البشرية، بحجة اصلاح ذات البين، واستثمار الثروات بشكل صحيح، وبذلك تدفع المجتمعات الهشة في الدول الفاشلة ثمن تخلفها الفكري والثقافي والحضاري الذي لو استثمر بشكل صحيح لكانت المعادلة تختلف تماماً عما تكون عليه كواقع حال بات من الصعب تغييره، وفي النهاية تبقى المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف والفقر والحرمان. 

لقراءة المزيد من المقالات انقر على الرابط الاتي:المنبر الدبلوماسي الدكتور زاحم محمد الشهيلي