‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقالات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات المقالات. إظهار كافة الرسائل

الأربعاء، 17 يونيو 2026

خطة عمل للإصلاح الاقتصادي ضمن البرنامج الحكومي العراقي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يمكن ان تقوم خطة العمل للإصلاح الاقتصادي في العراق على ستة محاور رئيسية مترابطة مع بعضها، بحيث تجمع بين مكافحة الفساد، وتعظيم الإيرادات، وتنويع الاقتصاد، وتحفيز الإنتاج الوطني، وخلق فرص العمل.

أولاً: الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد

يُعد الفساد أحد أهم معوقات التنمية الاقتصادية، لذلك ينبغي اعتماد سياسة "المعالجة الهرمية للفساد"، من خلال:

1.    تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية.

2.    إخضاع كبار المسؤولين والدرجات الخاصة لنظام الإفصاح المالي والرقابة الدورية.

3.    أتمتة الإجراءات الحكومية والتحول الرقمي للحد من الاحتكاك المباشر وتقليل فرص الفساد.

4.    تفعيل مبدأ الثواب والعقاب وربط الترقية الوظيفية بمؤشرات الأداء والنزاهة.

5.    مراجعة العقود الحكومية الكبرى وتدقيقها وفق معايير الشفافية والحوكمة.

ثانياً: تعظيم موارد الدولة وحصر الإيرادات العامة

يهدف هذا المحور إلى تعزيز قدرة الدولة المالية وتقليل هدر المال العام، وذلك عبر:

1.    حصر جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية وإيداعها مباشرة في الخزينة العامة.

2.    تطوير النظام الضريبي والجمركي وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة.

3.    مكافحة التهرب الضريبي والجمركي باستخدام الأنظمة الإلكترونية الحديثة.

4.    إعادة تقييم أصول الدولة واستثمارها اقتصادياً.

5.    إنشاء قاعدة بيانات مالية موحدة لجميع الإيرادات الحكومية.

ثالثاً: التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي

يتطلب الإصلاح الاقتصادي الحقيقي تقليل الاعتماد على النفط باعتباره مورداً أحادي المصدر، من خلال:

1.    إعداد استراتيجية وطنية للتنويع الاقتصادي تمتد لعشر سنوات.

2.    إعطاء الأولوية لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية.

3.    تشجيع الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

4.    دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وربطها بسلاسل الإنتاج الوطنية.

5.    تطوير البنى التحتية الداعمة للإنتاج والاستثمار.

رابعاً: إعادة إحياء القطاع المختلط

يمثل القطاع المختلط أداة مهمة لتحقيق التوازن بين دور الدولة وآليات السوق، وذلك عبر:

1.    تأسيس شركات إنتاجية مختلطة تمتلك الدولة فيها نسبة (51%) والقطاع الخاص (49%). مع تفعيل نظام الحوافز وطرح الاسهم للعاملين.

2.    توجيه هذه الشركات نحو الصناعات الاستراتيجية والسلع الأساسية.

3.    استثمار الطاقات المعطلة للمصانع الحكومية وإعادة تأهيلها بالشراكة مع القطاع الخاص.

4.    توفير بيئة قانونية وإدارية جاذبة للاستثمار الوطني.

5.    ضمان الرقابة الحكومية على التوجهات الاستراتيجية والإنتاجية للمشروعات.

خامساً: التشغيل والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية

يركز هذا المحور على التنمية البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاجية فاعلة من خلال:

1.    ربط مخرجات التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل.

2.    استيعاب الخريجين وأصحاب المهارات الفنية في المشاريع الإنتاجية الجديدة.

3.    إنشاء مراكز للابتكار والبحث والتطوير داخل المؤسسات الصناعية.

4.    تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للمشروعات التي تعتمد التكنولوجيا الحديثة.

5.    دعم برامج الجودة والمواصفات القياسية لرفع تنافسية المنتج العراقي محلياً ودولياً.

سادساً: ضبط الاستيراد وحماية المنتج الوطني

لضمان نجاح التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي ينبغي:

1.    تنظيم الاستيراد وفق الحاجة الفعلية للسوق.

2.    تشديد الرقابة على التحويلات المالية الخارجية المرتبطة بالاستيراد.

3.    مكافحة عمليات غسل الأموال والتلاعب بالفواتير التجارية.

4.    تطبيق سياسة حماية ذكية للمنتج الوطني دون الإضرار بالمنافسة المشروعة.

5.    إعطاء الأفضلية للمنتجات الوطنية في المشتريات الحكومية.


لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: المنبر الدبلوماسي

 

الجمعة، 12 يونيو 2026

قراءة استشرافية في مستقبل العلاقات الاوربية - الامريكية

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُبنى التحالفات الاستراتيجية بين الدول الكبرى عادةً على أسس راسخة من الثقة المتبادلة، والالتزام بالمعاهدات والاعراف الدولية، وتوافق المصالح بعيدة المدى. إلا أن التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، لاسيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، أثارت تساؤلات داخل الأوساط الأوربية بشأن مدى استمرارية الالتزام الأمريكي التقليدي بأمن أوروبا ومصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة المتبادلة بين ضفتي الأطلسي.

وفي هذا السياق، برزت داخل أوربا دعوات متزايدة لتعزيز مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، بما يتيح للقارة الأوربية امتلاك قدر أكبر من القدرة على التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. ومن هنا بدأ الحديث عن ضرورة انتقال أوربا من صورة "القارة العجوز" إلى فاعل دولي أكثر قوة وتأثيراً في النظام الدولي المتشكل حديثاً.

ولا يعني هذا التوجه بالضرورة حدوث قطيعة أو عداء بين أوربا والولايات المتحدة الامريكية، إذ مازالت المصالح المشتركة والمؤسسات العابرة للأطلسي، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشكل ركائز مهمة للعلاقة بين الجانبين. غير أن المؤشرات الحالية تدل على سعي أوربي متزايد لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أساس قدر أكبر من التوازن والاستقلالية.

وتواجه أوربا في هذا المسار تحديات اقتصادية كبيرة تحد من سرعة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية. فقد أدت الحرب الروسية – الأوكرانية إلى تداعيات اقتصادية واسعة، من بينها تراجع الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية منخفضة الكلفة، والانتقال إلى بدائل أكثر كلفة، فضلاً عن تأثر الاستثمارات الأوربية في روسيا والأسواق المرتبطة بها. كما أن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض مناطق الشرق الأوسط وأجزاء من العالم النامي أسهمت في تقليص فرص التوسع الاستثماري الأوربي في تلك الأسواق.

وفي المقابل، اتجهت العديد من الدول الأوربية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الصين، انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية وتجارية بحتة، الامر الذي أوجد تباينات في بعض الملفات الاقتصادية بين أوربا والولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع بكين.

وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أن العلاقات الأوربية – الأمريكية تتجه نحو مرحلة جديدة تختلف عن الصيغة التي سادت خلال العقود الماضية. فحتى مع تغير النهج السياسي للإدارات الأمريكية في المستقبل، من المرجح أن يستمر التوجه الأوربي نحو تعزيز قدراته الذاتية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب من الاوربيين اعتماد استثمارات ضخمة، وإصلاحات هيكلية طويلة الأمد، وإعادة بناء القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية الأوربية، وهي عملية قد تستغرق سنوات عديدة بعد عقود طويلة من الاعتماد النسبي على المظلة الأمنية الأمريكية والتمتع بفترات ممتدة من الاستقرار والرخاء الاقتصادي لبلدان القارة الاوربية.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي:صحيفة معارج الفكر 

 

 

الجمعة، 5 يونيو 2026

الأُمــية الوظيفية - التحدي الخفي في بناء الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي يمتلك فيها الفرد القدرة الشكلية على القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى القدرة الحقيقية على فهم النصوص واستيعاب مضامينها وتحليلها بصورة عميقة، فضلاً عن محدودية قدرته على إنتاج نصوص متماسكة فكرياً ولغوياً. وتُعد هذه الظاهرة من التحديات المعاصرة التي لا تقتصر على مجتمع أو دولة بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية والثقافية.

ولعل ما يثير الدهشة أن الأمية الوظيفية قد تنتشر بين أشخاص يحملون شهادات علمية أو يتمتعون بقدرة ظاهرة على القراءة والكتابة، إلا أنهم يعجزون عن استيعاب المعاني الكامنة وراء النصوص، أو توظيف المعرفة في التحليل والاستنتاج واتخاذ المواقف السليمة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف الوعي، وقصور الإدراك، وتراجع الدافعية نحو التعلم المستمر، فضلاً عن الاتكالية والكسل الفكري اللذين يؤديان إلى انكماش القدرات الذهنية وتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

إن القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسليم من الناحيتين اللغوية والفكرية ليست مهارة متساوية لدى جميع الأفراد، بل تتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة والخبرة والبيئة المحيطة. ومن هنا تصبح الأمية الوظيفية عائقاً بنيوياً يحد من فاعلية الإنسان في أداء أدواره الاجتماعية والمهنية، وقد تنعكس آثارها سلباً على ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه، الأمر الذي قد يفضي إلى مشكلات نفسية وشعور بالعجز أو الإحباط.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الظاهرة ينبغي ألا يقود إلى تصنيف البشر بين أذكياء بالفطرة وضعفاء بالفطرة، فالفروق الإنسانية أكثر تعقيداً من هذا التصور المبسط. فالإنسان يمتلك طاقات وقدرات كامنة يمكن أن تزدهر أو تتراجع تبعاً للظروف التي يعيشها. فحين تتوافر بيئة سليمة قائمة على العدالة والاحترام والتحفيز، تتفتح ملكات الإبداع والفهم والتحليل لدى الفرد، ويصبح أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء. أما عندما يتعرض للتهميش أو القهر أو الحرمان من الحقوق والفرص لفترات طويلة، فقد تتراجع قدراته الذهنية والنفسية، ويصبح أقل قابلية للتفاعل الإيجابي مع المعرفة والحياة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمية الوظيفية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي قضية اجتماعية وثقافية ونفسية ترتبط بجودة البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالتربية السليمة، والتعليم النوعي، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن مسؤولية مواجهة الأمية الوظيفية تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، فضلاً عن مسؤولية الفرد تجاه تطوير ذاته وتنمية قدراته. فبناء مجتمع متماسك ومزدهر لا يتحقق بمجرد نشر التعليم الشكلي، بل يتطلب ترسيخ ثقافة الفهم العميق، واحترام العقل، وتنمية مهارات التحليل والاستنتاج والإبداع.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مكافحة الأمية الوظيفية تمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأنها تسهم في إطلاق طاقاته الكامنة وتحويلها إلى قوة إيجابية تدفعه نحو تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء إنسان واعٍ وقادر على الفهم والتفكير هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

 

 


الاثنين، 25 مايو 2026

الأُمــة الحيــة والأُمــة المأزومــة - قراءة فكرية في أسباب النهوض ومآلات التراجع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُقاس حيوية الأمم اليوم بقدرتها على صناعة الإنسان قبل العمران، وعلى تحويل التاريخ إلى قوة دافعة نحو المستقبل، لا إلى عبءٍ يقيّد الحاضر ويُعطّل مسارات التطور. فالأمم التي استطاعت أن تبني مشروعاً حضارياً متكاملاً، لم تصل إلى ذلك عبر المصادفة، وإنما من خلال ترسيخ منظومة متوازنة تجمع بين الاستقرار السياسي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والوعي الثقافي، واحترام القانون، وبناء المؤسسات القادرة على حماية الدولة والمجتمع معاً.

ومن هنا يمكن تعريف "الأمة الحية" بأنها الأمة التي تنجح في استثمار منجزاتها الحضارية والتاريخية بصورة إيجابية لبناء حاضر مزدهر ومستقبل مستقر، وتعمل في الوقت نفسه على تقليص عوامل التخلف والانقسام والصراع الداخلي. فالإنسان فيها يمثل محور العملية السياسية والتنموية، وتُوظَّف موارد الدولة البشرية والاقتصادية لخدمة المجتمع وتعزيز قدراته العلمية والثقافية والإبداعية.

وتتسم الأمة الحية بجملة من الخصائص الجوهرية، أبرزها الاستقرار السياسي والأمني، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات، ودعم الكفاءات الوطنية بعيداً عن الانقسامات القومية أو الدينية أو الطائفية. كما أنها تبني علاقاتها الدولية على أساس احترام السيادة وتبادل المصالح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن استقلال قرارها الوطني وقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية داخلياً وخارجياً. وفي مقابل ذلك، تظهر "الأمة المأزومة" بوصفها نموذجاً مضطرباً يعيش حالة اختلال بنيوي في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع. ويمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من هذا النوع من الأمم:

أولاً: الأمـــة الحيــــة المأزومـــــة

وهي أمة تمتلك أدوات القوة والتفوق العلمي والعسكري والاقتصادي، لكنها تعيش في أزمة مستدامة ناجمة عن سعيها الدائم إلى الهيمنة والسيطرة على الآخرين. فهي تبني نفوذها على إدارة الصراعات الدولية واستثمار الأزمات، وتسعى إلى المحافظة على تفوقها بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن تعارض ذلك مع القيم الإنسانية أو المواثيق الدولية.

ومن أبرز سماتها؛ أنها تتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق العدالة، وتوظف الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والعسكر لخدمة مشاريع الهيمنة العالمية. كما أنها تميل إلى خلق الأزمات أو استدامتها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي يجعلها في حالة صراع دائم مع ذاتها ومع محيطها الدولي، فتبدو قوية ظاهرياً لكنها تعيش قلقاً وجودياً مستمراً خوفاً من فقدان نفوذها العالمي.

ثانياً: الأمة المتخلفة المأزومة

أما هذا النوع من الأمم، فيعد الأكثر هشاشة وخطورة على مستقبل الامة الذاتي، لأنه يجعلها تعيش حالة تبعية مزمنة وفشلاً مستمراً في بناء الدولة الحديثة. فهي أمة عاجزة عن استثمار تاريخها أو مواردها أو طاقاتها البشرية، وتعيد إنتاج أزماتها بصورة متكررة، حتى تتحول الفوضى والتخلف إلى حالة اعتيادية داخل المجتمع.

وتبرز في هذه الأمم مظاهر الجهل والانقسام والفساد وضعف المؤسسات، فضلاً عن استنزاف الثروات وتراجع منظومات التعليم والثقافة والإنتاج. كما تتسع فيها الفجوة بين الحاكم والمجتمع، وتُستبدل الكفاءة بالولاءات الضيقة، فتفقد الدولة قدرتها على صناعة التنمية والاستقرار.

إن أخطر ما تواجهه "الأمة المتخلفة المأزومة" ليس الفقر المادي فحسب، بل الفقر الفكري والثقافي الذي يؤدي إلى تعطيل العقل النقدي، وتقديس الخطابات الشعبوية، والارتهان للماضي بوصفه بديلاً عن صناعة المستقبل. وعندما تفقد الأمة ثقتها بالعلم والعمل والإنتاج، فإنها تفقد الثقة بنفسها وبنظامها السياسي أيضاً، وتدخل في دائرة مغلقة من الخوف والتراجع والتشرذم.

جذور الأزمة الحضارية

إن جوهر الأزمة التي تعيشها كثير من الأمم يعود إلى تضارب المصالح بين القوى السياسية والاقتصادية، وغياب المشروع الوطني الجامع، وهيمنة النزعات الانتقامية والطائفية والقومية الضيقة، فضلاً عن تحكم المصالح الشخصية والفئوية بمصادر القرار. كما أن تداخل النفوذ السياسي مع المصالح الاقتصادية، وانتشار الفساد، واحتكار السلطة والثروة، كلها عوامل أسهمت في تعميق الكراهية والصراعات الداخلية والإقليمية والدولية.

ولذلك فإن العالم المعاصر لا يعاني فقط من أزمة موارد أو حدود، بل من أزمة إدارة وقيم ورؤية حضارية، حيث أصبحت بعض الدول تمتلك أدوات القوة لكنها تفتقر إلى البعد الأخلاقي، فيما تمتلك أمم أخرى التاريخ والثروات لكنها تعجز عن توظيفها في مشروع نهضوي حقيقي.

مختصر الحلول والمعالجات

إن الخروج من دائرة "الأمة المأزومة" نحو "الأمة الحية" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

1.  بناء الإنسان عبر تطوير التعليم والثقافة والبحث العلمي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني.

2.  ترسيخ دولة المؤسسات والقانون ومنع احتكار السلطة والثروة، وتعزيز استقلال القضاء ومكافحة الفساد.

3.  تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان التوزيع العادل للموارد والثروات بما يقلل من الفوارق والصراعات المجتمعية.

4.  دعم الكفاءات الوطنية وإبعاد الدولة عن المحاصصة والانقسامات الضيقة.

5.  تبني سياسة خارجية متوازنة تحفظ السيادة الوطنية وتمنع التبعية والصراعات العبثية.

6.  الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج القائم على الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار بالموارد البشرية.

7.  تعزيز ثقافة الحوار والتسامح ونبذ خطاب الكراهية والتطرف والانغلاق الفكري.

خاتمة القول، إن الأمم لا تُقاس بحجم ثرواتها الطبيعية أو قوتها العسكرية فقط، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان الحر الواعي القادر على صناعة الحضارة وحماية الدولة. فالأمة الحية هي التي تجعل من العلم والعمل والإبداع أساساً لنهضتها، بينما تبقى "الأمة المأزومة" أسيرة الخوف والانقسام والصراع وإعادة إنتاج الفشل.

وحين تدرك الشعوب أن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات أو انتظار المخلص، بل بالعمل والإصلاح والتخطيط والعقلانية، فإنها تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو التحول من أمة تعيش على هامش التاريخ إلى أمة تسهم في صناعته. 

الثلاثاء، 27 يناير 2026

المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف

 بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تصنف المجتمعات البشرية من قبل المختصين في النظم السياسية والاقتصادية على انها مجتمعات "مستوطنات بشرية"، "مجتمعات هشة"، مجتمعات متخلفة"، "مجتمعات نامية"، و"مجتمعات متطورة"، التي تسمى ايضاً "مجتمعات العالم الاول".

ان البناء المؤسسي الصحيح للإنسان من قبل السلطة في دول العالم الاول، والذي يعد عملية استراتيجية لتطوير القدرات البشرية، أفرز مجتمعات ذات شأن، محصنة من الاختراق ومتطورة من النواحي العلمية والحضارية والفكرية، قائمة على مبادئ احترام الوقت والقانون، والتعايش السلمي، والايمان بالمنافسة العادلة، وزيادة الانتاج وتحسين نوعيته، وهذا الامر لم يأت اعتباطاً وانما نتاج لعدة عوامل من أهمها؛ الاستغلال الامثل للثروات والموارد الاقتصادية المتاحة، والاستثمار في راس المال البشري، واستخدام التكنولوجيا في قطاعات الحياة الاجتماعية، مما ادى الى تحقيق تقدماً شاملاً في مجالات البنى التحتية والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والاقتصاد والعدالة القضائية، إضافة الى توفير فرص العمل بعد اقامة المشاريع الإنتاجية الضخمة، والاهتمام بالعلم والكفاءات العلمية والثقافية، والتركيز على المؤسسات التربوية وبرامج الاندماج ووحدة اللغة لتنمية الروح الوطنية والانتماء الوطني.

الامر الذي أنتج مجتمعات صحية، انجبت حكومات قوية خالية من الفساد والمحسوبية، انتجت دولاً قوية انخفضت فيها الاصوات وقل الكلام، وارتفعت وتيرة العمل والإنتاج، واختفت الى حدٍ كبير المظاهر العشائرية والقبلية والقومية والعرقية والدينية، بعد ان تحققت العدالة الاجتماعية، وأصبح القانون القاسم المشترك بين ابناء المجتمع الواحد، بحيث أمست هذا المجتمعات والدول ملاذاً آمناً للنازحين والمهاجرين من المجتمعات الهشة والدول الفاشلة الى دول العالم الاول.   

أما في المجتمعات الهشة والدول الفاشلة، فيعاني الانسان من الاهمال وعدم الاهتمام من قبل السلطة، وتعيش المجتمعات بشكل عام حياة الفقر المدقع والبطالة، وانعدام الامن والامان، وضعف التماسك الاجتماعي والتفكك الاسري، وعدم المساواة بين المكونات الاجتماعية، وانتشار العدمية والايمان بالخرافة، وغياب التسامح والقبول بالتعددية، واستشراء الفساد، واستبداد السلطة، وكثرة الاضطرابات والصراعات الداخلية والكوارث الطبيعية والإنسانية نتيجة ضعف المؤسسات الحكومية، وعدم قدرة الدولة على الإصلاح واجراء التغييرات لتحقيق تطلعات أبناء المجتمع، خاصة في دول الشرق الاوسط وأفريقيا وامريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي وغيرها، ذات الموارد الاقتصادية والبشرية الكبيرة غير المستغلة، والتي غالباً ما تكون مخترقة والولاء فيها للأجنبي وللمجموعة والقبيلة والطائفة والقومية والعرقية اكثر من الولاء للوطن. 

كما يكون بناء الانسان في المجتمعات الهشة عشوائياً، قائم على اساس ادامة الفقر وتبديد الثروة والموارد الاقتصادية، وإهمال التربية والتعليم وتركها لجهود رب الاسرة، وذلك لعدم وجود مؤسسات تربوية حقيقية تحتضن الفرد وترتقي به من الروضة الى الابتدائية ومنها الى الإعدادية والجامعة، ضمن برامج علمية وتربوية مدروسة، الامر الذي خلق مجتمعات معاقة فكرياً وثقافياً وانسانياً، تعاني من الفقر المدقع والجوع، وانعدام الناتج المحلي والنتاج الفكري والعلمي، الذي يعطيها الأهلية القانونية والمعنوية في كيفية التعامل مع الظواهر الاجتماعية والازمات والتحديات المحيطة بها، وعرضة للتأثر بالمحيط الخارجي للدولة وبالروحانيات كبيئة جاذبة، تساعد على خلق مجتمعات هشة غير قادرة على انتاج اجيال قيادية لديها القدرة على تقديم ما هو إيجابي وافضل عند تسلم السلطة، باعتبارها نتاج للحرمان وارهاصات الخوف والفقر والتناقضات التاريخية السلبية التي زرعت ونمت في شخصية الانسان المتصدي للعملية السياسية في هذا المجتمع الهش او تلك الدولة الفاشلة. 

في المجتمعات الهشة، ترتفع الاصوات ويكثر الكلام والخمول معاً، ويقل العمل وينعدم الانتاج، وتزداد البطالة المقنعة، ويتم الاعتماد على الاستيراد بشكل كبير بعد ان يجبر الانسان على فقدان الثقة بنفسة كمنتج، حيث ينتظر القائمون على السلطة من الدول المتقدمة، التي تتربص بهم، تقديم العون والمساعدات المادية والمعنوية لإعادة هيكلة وبناء دولهم، وكأنه واجب حتمي عليها، من حيث لا يعلم السذج من القوم، بانه "لكل حادث حديث"، و"لكل شيء ثمن"، لذلك فان المجتمعات الهشة لا تنتج قيادات حقيقية تلبي حاجات الشعب والوطن الذي غالياً ما يكون منقوص السيادة، وانما تنتج دولاً فاشلة.  

ان عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية وغياب السلطات الرقابية الامنية والقضائية، التي تعمل على المحاسبة ومعالجة السلبيات وتنمية الايجابيات لتحقيق الازدهار والرفاه الاجتماعي، وتحجم الى حدٍ ما مصالح الطبقة المهيمنة على السلطة والمال والجاه، خلق مجتمعات عالمية هشة مصنفة أممياً كـ"مستوطنات بشرية" و"مجتمعات فقيرة"، متخلفة فكريا ومتأخرة حضارياً ومتشددة قومياً وعقائدياً ضمن منظومة دول فاشلة، اصبحت باباً من ابواب الفساد المحلي والدولي، تعد في آن واحد مدعاة للتعاطف، والسخرية، والرأفة، وعدم الاحترام من قبل الدول والمجتمعات الرائدة في العالم. 

ان معالجة الهشاشة وتحصين الدولة والمجتمع من الاختراقات لا يأتي باستخدام الحديد والنار، وسياسة التجويع والتخويف والقهر الاجتماعي، كوسيلة للاستقرار والتطور والرفاه الاجتماعي، وانما بتحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على آفة الفساد، والاستخدام الامثل للموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة وتوظيفها بشكل صحيح ضمن سياسة استراتيجية وبرامج عمل تهدف الى تحقيق الازدهار الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، وبذلك لا تستطيع الهشاشة ان تنتج نفسها على مر الزمن وتصبح واقع حال وثقافة مجتمعية لا يمكن المساس بها بسبب ان "الانسان الهش" اصبح رافضاً لتغيير نمط حياته التي اعتاد عليها، وإن تَغيَّر جدلاً، فسيكون فوضوياً.

لذلك فان مجموعة المستفيدين من هشاشة المجتمع وتخلفه تحاول دائما كبح فرامل "الوعي المجتمعي" لدى الانسان، الذي يهدد مصالح الطبقة المستفيدة، سياسية كانت ام اقتصادية ام ثقافية أو دينية، بحيث اصبحت المجتمعات الهشة تنتج انظمة هشة همها توظيف القوانين لحماية وديمومة مصالحها، مما أثر سلباً على صعود الشخصيات العلمية والثقافية الوطنية التي يمكن ان يكون لها دور ايجابي لو تسلقت سلم السلطة.  

في الوقت الحاضر، اصبحت "المجتمعات الهشة" و"الدول الفاشلة" مستهدفة أكثر من اي وقت مضى من قبل القوى الكبرى في انتهاك سيادتها والهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وتدمير مواردها البشرية، بحجة اصلاح ذات البين، واستثمار الثروات بشكل صحيح، وبذلك تدفع المجتمعات الهشة في الدول الفاشلة ثمن تخلفها الفكري والثقافي والحضاري الذي لو استثمر بشكل صحيح لكانت المعادلة تختلف تماماً عما تكون عليه كواقع حال بات من الصعب تغييره، وفي النهاية تبقى المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف والفقر والحرمان. 

لقراءة المزيد من المقالات انقر على الرابط الاتي:المنبر الدبلوماسي الدكتور زاحم محمد الشهيلي


الأربعاء، 14 يناير 2026

جدلية تربية الأبناء وعقوق الوالدين


بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يقول الله تعالى في محكم آياته: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الكهف 46)، حيث جعل الله الابناء ثروة مكملة لثروة المال لكي تكتمل زينة حياة الانسان وتستمر، وبذلك تستمر حياة البشرية وتتكاثر عن طريق الانجاب كسرٍ من أسرار الديمومة الإلهية في توارث البشر، حيث يتوازى المال والبنون في كفتي الميزان الإلهي، وبذلك باتت غريزة الانسان لا تُشبعْ أو تستقر الا من خلال الزواج وإنجاب الأطفال وتكوين الثروة والاسرة كحاجة ملحة لديمومة الحياة، ولتكون الاسرة وفق هذا المفهوم الخلية الأصغر المكونة للمجتمع الكبير الذي يضم في طبقاته أسر متفاوتة من حيث المال والثقافة والعلم والجاه والمكانة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، بدأ الوالدان يتحملان العبء الأكبر لبناء الاسرة من ناحية توفير العيش الرغيد للعائلة والاهتمام بتربية أبناءهم من عدة نواحي؛ منها الأخلاقية والعلمية والثقافية والوطنية، الامر الذي خلق مجتمعات عالمية يتنافس فيها أبناء المجتمع الواحد على صدارة المشهد الثقافي والعلمي، رغم ان المستوى الثقافي والعلمي للوالدين لم يكن في ذلك الحين بذلك المستوى الذي نراه اليوم بالنسبة لمجتمعات الشرق الادنى، لكن من ساعدهم على ذلك طاعة ابناءهم، والاخلاق العالية التي كانوا يتحلون بها، واحترامهم لوالديهم ولبعضهم البعض، وطموحهم الكبير ورغبتهم الجامحة في تسلق سلم العلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة، بعد ان تم اتخاذ الاب أو الأخ او المعلم او أبن المنطقة الناجح قدوة في تحقيق الهدف.             

لم تكن تربية الأبناء صعبة من ناحية ضبط السيطرة على الاسرة بالنسبة للوالدين قبل الالفية الثانية رغم بساطة الحياة التي كانت تعيشها العائلة، وكانت متوازنة بين حرص الوالدين على تربية ابناءهم تربية صحيحة صالحة، وبين استجابة الأبناء واحترامهم لآراء اباءهم ووجهات نظرهم، والحرص على تحقيق امانيهم وآمالهم، والعمل على تعويضهم عما بذلوه من مال وجهد كبير في التربية والتعليم من خلال رد الجميل للوالدين وعدم انكار فضلهم، أو عقوق حقوقهم، ومساعدتهم في مواجهة تحديات الحياة التي أوصى بها الله تعالى حين قال: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الاسراء 23).

 تأمر الآية الكريمة الأبناء بحسن المعاملة وبر الوالدين في كافة مراحل الحياة، وتنهي عن قول "أُف" أو نهرهم، وتأمر بالقول الكريم والأسلوب السمح، وتُبرز مكانتهم بعد عبادة الله مباشرة، وتؤكد أن البر لا ينقطع حتى بعد وفاتهما، مشددةً على الشكر لهما كما الشكر لله عز وجل، حيث تربط الآية الكريمة عبادة الله بالإحسان للوالدين، مما يرفع من مكانة الأبناء.

وتحدد الآية الكريمة ايضاً كيفية الإحسان للوالدين عند بلوغهما سن الكبر، وهو أشد مراحل الحاجة للرعاية، فتأمر بالقول اللين والكلام الطيب بدلاً من التأفف أو النهر، إذ يشمل الإحسان للوالدين طوال حياتهم وبعد وفاتهم، عبر الدعاء لهما وصلة الرحم، ويُعد من أعظم الأعمال الصالحة، كما انه يجب التحدث معهما بلطف واحترام، وتجنب رفع الصوت عليهما أو قول ما يضجرهما، إضافة الى تلبية احتياجاتهما، والسعي الدائم اليهما، فهذا له أجر عظيم عند الله.  

لذلك نرى في الزمن الماضي، المسمى بـ"زمن الأخلاق الفاضلة"، كان الابناء يتسابقون على خدمة واحترام آباءهم وأمهاتهم حد القداسة حتى لو بدر منهما ما يعكر المزاج ويكدر الخاطر، ويحاولون جاهدين ان يكونوا بمستوى المسؤولية، بارين بوالديهم امام الله تعالى والناس، يأخذون بنصائحهم وتوجيهاتهم السديدة في الحياة، وبذلك استطاع الوالدان ان يبنوا أُسراً عظيمة، وان ينتجوا جيلاً من العلماء والمثقفين، والوطنين الافذاذ، الذين تركوا بصمة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وكانوا فخراً لبلدهم وعوائلهم.

لكنه في هذا "الزمن الاغبر"، زمن التطور التكنولوجي والعالم الافتراضي الصاخب، تغيرت الكثير من مفاهيم التربية، وانحدرت الاخلاق وسط الفوضى الاجتماعية والثقافية العارمة التي اجتاحت المعمورة من أقصاها الى اقصاها، حيث فقدان أغلب الابناء للتربية الصحيحة، والشخص القدوة، وبوصلة الاحترام والتقدير لوالديهم، ولكبير العائلة، والأستاذ المعلم في المؤسسات التربوية، وانعدمت الاخلاق، وقل الصدق والثقة بين الناس، واصبح الولدُ نقيضاً لأبيه، ونداً له في الحياة الاجتماعية الى درجة التطاول عليه في الكلام والاعتداء بالضرب في بعض الأحيان، وضعفت المودة وصلة الرحم والقرابة بين أبناء الاسرة الواحدة وتشتت شملها، واصبحت الانانية والمصالح الشخصية للأبناء هي التي تتكلم عن كيفية إدارة دفة الحياة ومصالح الاسرة والمجتمع بشكل عام.    

ووفقاً لذلك، باتت الفوضى تعم في المجتمع بعد ان مرضت الاسرة، ليسدل الستار على المبادئ والقيم، والعادات والتقاليد العائلية التي اعتاد عليها الآباء والاجداد، لندخل في نفق الانحدار والانحلال والتمرد الاخلاقي العائلي بسبب ظهور أجيال فوضى العالم الافتراضي غير المنضبطين قانونياً واخلاقياً ودينياً وتربوياً، تتحكم بهم نزوات الأنا والتمرد، ونكران الجميل، والصيرورة على حساب الآخر، التي تتعالى كثيراً على رغبات الوالدين، اللذان أفنوا حياتهم لكي يكون ابنهم "فلان" وابنتهم "فلانه" في مستوى اجتماعي يليق بسمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية المرموقة. 

لذلك فان الله تعالى لم يخفِ ذلك في الآية الكريمة حين قال: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف 46)، إذ تُبيّن الآية بأن الأموال والأولاد زينة ومتاع مؤقت في هذه الدنيا، بينما الأعمال الصالحة الدائمة خير وأبقى عند الله ثواباً وأملاً، خاصة حين اصبح الوالدان - في الوقت الحاضر - يخشون شر ابناءهم، وما يجلبونه لهم من مشاكل لا تتفق مع الاخلاق والاعراف الاجتماعية، وكذلك المشاكل الاسرية التي تعدت حدود الاخلاق، والتجاوز على الوالدين من قبل الابن او البنت بكلمات نابية، وربما بالضرب في بعض الأحيان او القذف بهم في الشارع او دار العجزة، وكأنهم لم يلدوهم صغاراً حتى اشتد عودهم وصاروا رجالاً ونساءً.  

وعليه حذر الله تعالى الآباء من الأزواج والأبناء في سورة التغابن بقوله: "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن 14)، وكأن ما نراه في العصر الحالي يتطابق مع روح القرآن الكريم، اذ تحث الآية الكريمة على الحذر من انحراف الأبناء في الحياة الاجتماعية وتمردهم على والديهم، مع التأكيد على أن العلاقة الأسرية يجب أن تكون مبنية على المودة والرحمة مع إعطاء الأولوية لرضا الله.

لذلك فان الله سبحانه وتعالى حين امر بقتل الغلام المشار اليه في سورة الكهف كان سببه انه كان عاقاً لوالديه، كما يعق بعض الأبناء اليوم آبائهم وامهاتهم بقسوة، واراد ان يخلصهم من شره وارهاقه لهم: "هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا" (الكهف: 78)... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81).

ان الانحدار الاخلاقي في الوقت الحاضر جعل من بعض الأبناء لا يفكرون ملياً بصحة وسعادة اباءهم، وانما بمصالحهم الشخصية ونزواتهم ورغبات الميراث فقط، ومحاولة التخلص من مسؤولياتهم أمام الله والناس تجاه الوالدين والاسرة، فأما ان يتركوهم يعانون شظف العيش وتدهور الحالة الصحية، او ان يذهبوا بهم الى دار العجزة ليجدوا الراحة الابدية بعيداً عن آهات عائلة الابن التي تريد ان تعيش حياتها بعيداً عن معاناة الاباء والاجداد المسنين، الذين باتوا يشدون امتعة الرحيل الى بارئهم املاً بدعاء او ثواب قد يأتهم من الابناء لدى العزيز الكريم. 

لذلك فان الجميع – الإباء، والمؤسسات التربوية والدينية، ومنظمات المجتمع المدني -  مطالب، في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، بالتحرك وابداء الراي والمشورة والموعظة الحسنة لوضع البرامج التربوية الخاصة بتربية الأبناء، بهدف اصلاح ذات البين لمن أراد اليه سبيلا، لان الذي يعق والديه بالتأكيد سيعق وطنه، وسيعقه ابناءه كمسلمة حياة في المستقبل، وان اصلاح شؤون الاسرة يعد اصلاحاً لشؤون المجتمع برمته.   

الخميس، 28 ديسمبر 2023

العلاقة الجدلية بين الدولة والنظام السياسي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

اختلف الفقهاء في التوصل الى تعريف جامع لمفهوم الدولة، لكن التعريف الاقرب للدولة؛ بانها تلك الرقعة الجغرافية التي تحيط بها حدود معترف بها بموجب القانون الدولي، يقطنها مجموعة من الافراد (الشعب) بغض النظر عن قومياتهم وانتماءاتهم الدينية، تحكمها القوانين والانظمة والمؤسساتية في العمل، والتي تمنحها الشخصية القانونية المعنوية العليا، ويكون الفرد فيها (الشعب)، الذي يكتسب الشخصية القانونية منذ الولادة، مصدراً للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام الديمقراطي، وهو من يختار افراد النظام السياسي ويعطي الصفة (القانونية المعنوية) لهم لادارة الدولة.

أما النظام، فيعرف بمجموعة الافراد الذين حصلوا على تفويض شعبي في اطار القانون لادارة الدولة سياسياً واقتصادياً وثقافياً ومجتمعياً واكتسبوا الحق القانوني في تمثيل الدولة اقليماً ودولياً من خلال المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية استناداً لدستور وقوانين البلاد والرؤى التي يمتلكونها، وبموجب خطة عمل لفترة محددة من السنين، والتي يجب ألا تتعارض ومصلحة الدولة والشعب، يصان فيها المال العام وتحفظ الحقوق وتحدد الواجبات في اطار القانون، وتصان فيها ايضا وتحفظ الحريات ويحترم حق التعبير عن الرأي الهادف للفرد والجماعة.

وهنا، يكون العمل تكاملياً بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي المنتخب ديمقراطياً للنهوض بالواقع الجمعي للمجتمع، حيث تكون الرقابة في تنفيذ المشاريع والمحافظة على المال العام مسؤولية الجميع سواء كان الشعب او النظام في اطار القوانين النافذة وكذلك العرف الاجتماعي من باب الحرص من قبل الشعب على سيادة القانون وعدم تبذير الموارد.

لكنه، يستطيع النظام ان يشحن الدولة/ الشعب لمصلحته قومياً، كما فعل الرئيس الامريكي ترامب في تسلقه سلم الدولة للوصول الى كرسي النظام السياسي، وكذلك يستطيع النظام في بعض الاحيان ان يستفز مشاعر الناس عرقياً وطائفياً ودينياً ومذهبيا لتحقيق مصالح فئوية وشخصية ضيقة على حساب مصلحة الدولة والشعب، ولكن حين تستشعر الدولة بتعارض ما يقوم به النظام السياسي مع مصلحتها العامة يخرج الشعب الممثل الحقيقي للدولة للاعتراض على تصرفات النظام للحد منها وايقاف التمادي والاستمرار بالحاق الضر بمقدرات الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية وتشويه سمعتها على المستوى المحلي والاقليمي والدولي سواء كان ذلك بقصد او بغير قصد.

وحين يعجز النظام عن ادارة الدولة بالشكل الصحيح ويتنصل عن التزاماته ووعوده في تصحيح مسيرة العملية السياسية، يبدا الصراع بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي الذي امتلك الصفة القانونية والمعنوية للسلطة من الدولة، صاحبة الشخصية القانونية المعنوية العليا، وكذلك الاستحوذ على المال العام والسلاح والانصار، لكنه خرج عن ارادة الجماهير.

وحين يبدا الصراع والتصادم ويتم تبادل الاتهامات بين الشعب والنظام السياسي بالتخوين والتخريب والقتل، ويسمح لبعض الاطراف الخارجية بالتدخل في الشأن الداخلي للدولة لتدارك الموقف، حينها يفقد النظام السياسي شرعيته وشخصيته القانونية المعنوية باعتبار ان الشعب هو مصدر السلطات.

ولتفادي تفاقم الازمة وتطورها الى ما لا يحمد عقباه تعلن الحكومة استقالتها كما حدث في بلدان عديدة ذات الانظمة الديمقراطية وتتحول الى حكومة تصريف اعمال يومية، وتحل المؤسسة التشريعية وتتم الدعوة الى انتخابات مبكرة لانتخاب نظام سياسي جديد من قبل الشعب لإدارة الدولة.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي: مجلة معارج الفكر