بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي
منذ فجر التاريخ
والإنسان يسعى إلى حياة أفضل، مدفوعاً بالأمل في تحسين واقعه وتأمين مستقبل
أبنائه. وقد ارتبط هذا السعي بفكرة إعمار الأرض وتحقيق السعادة والاستقرار والعيش
الكريم، وهي غاية مشتركة بين مختلف الشعوب والحضارات. غير أن قدرة الإنسان على رسم
مستقبله لم تكن دائماً رهناً بإرادته وحدها، بل كثيراً ما خضعت لقرارات النخب
السياسية والاقتصادية التي أدارت شؤون المجتمعات، فكان أثرها حاسماً في صناعة
الازدهار أو إنتاج التراجع والانهيار.
وعلى امتداد
التاريخ، شهدت البشرية حروباً وصراعات كبرى أودت بحياة الملايين وأعاقت مسيرة
التقدم الإنساني. إلا أن الفارق الجوهري بين المجتمعات لم يكن في تعرضها للأزمات
فحسب، بل في قدرتها على بناء مؤسسات قوية قادرة على تجاوزها. فبينما استطاعت دول
عديدة تحويل تجاربها المريرة إلى فرص للنهوض، بقيت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط
أسيرة دوامة من الأزمات المتكررة التي تجعل المستقبل غامضاً ومفتوحاً على احتمالات
عدم الاستقرار.
ومن هنا يمكن وصف
واقع كثير من شعوب المنطقة بما يمكن تسميته بـ"الحياة الكذبة"، وهي ليست
حياة تقوم على الخداع المباشر بقدر ما تقوم على وهم الاستقرار. ففي هذه البيئة
يعيش الفرد وهو غير قادر على الاطمئنان إلى مستقبله أو مستقبل أبنائه، لأن المكاسب
التي يحققها المجتمع أو الفرد يمكن أن تتبخر خلال فترة قصيرة نتيجة حرب أو اضطراب
سياسي أو انهيار اقتصادي أو تدخل خارجي. وبذلك تصبح الحياة اليومية محكومة بحالة
من القلق المستمر، ويتحول التخطيط للمستقبل إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ولا تعود هذه
الظاهرة إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. فضعف مؤسسات الدولة،
وانتشار الفساد، وغياب العدالة في توزيع الثروة، وتراجع جودة التعليم، واستمرار
النزاعات السياسية والطائفية والعرقية، كلها عوامل تؤدي إلى إضعاف الثقة بين
المواطن والدولة. كما أن التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية حول النفوذ
والموارد جعلت العديد من دول المنطقة ساحات مفتوحة للتنافس الدولي، الأمر الذي حدّ
من قدرتها على بناء مشاريع تنموية مستقلة ومستدامة.
وفي ظل هذه
الظروف تتعرض المنظومة الاجتماعية نفسها إلى التآكل التدريجي. فحين يفقد الإنسان
ثقته بالمؤسسات والقوانين، يبدأ بالبحث عن بدائل توفر له الحماية أو المنفعة، سواء
كانت طائفية أو عشائرية أو حزبية أو خارجية. وعندما تصبح المصالح الضيقة بديلاً عن
المواطنة، تتراجع قيم التضامن الاجتماعي ويضعف الشعور بالانتماء الوطني، لتدخل
المجتمعات في دائرة مغلقة من عدم الاستقرار.
وفي المقابل، فإن
المجتمعات التي نجحت في تحقيق مستويات عالية من الرفاه والاستقرار لم تصل إلى ذلك
عبر الصدفة أو التفوق الثقافي، بل من خلال بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون
وتكافؤ الفرص والاستثمار في الإنسان. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها،
ولا بالشعارات السياسية، وإنما بوجود عقد اجتماعي يشعر فيه المواطن بأن حقوقه
مصانة وأن مستقبله مرتبط بنجاح دولته واستقرارها.
إن الخروج من "الحياة
الكذبة" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل
البنيان. ويشمل ذلك تطوير منظومة التعليم والتربية لترسيخ قيم المواطنة والعقلانية
والتسامح، ومحاربة الفساد بوصفه العدو الأول للتنمية، وتنويع الاقتصاد لتقليل
الاعتماد على الموارد الريعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تمنح الأفراد
شعوراً بالمساواة والانتماء. كما يتطلب بناء مؤسسات سياسية فاعلة تمتلك الإرادة
والكفاءة لحماية السيادة الوطنية وإقامة علاقات خارجية متوازنة قائمة على المصالح
المتبادلة واحترام الاستقلال الوطني.
إن أزمة الشرق الأوسط ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسات خاطئة يمكن معالجتها بالإرادة والإصلاح. وعندما تنجح الدولة في بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتوفر الأمن والعدالة والفرص الاقتصادية، تتحول الحياة من حالة انتظار دائم للأزمات إلى حالة من الاطمئنان والتخطيط للمستقبل. عندها فقط تنتقل شعوب المنطقة من "الحياة الكذبة" إلى حياة حقيقية قوامها الاستقرار والثقة والتنمية، وتصبح قادرة على صناعة مستقبل يليق بإمكاناتها البشرية والحضارية الكبيرة.
لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: الحياة الكذبة: حين يصبح الاستقرار ومهماً والمستقبل خيالاً

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق