لم يعد "الشرق
الأوسط" قادراً على الاستمرار في إدارة أزماته بالطريقة التقليدية
القائمة على ردود الفعل، أو الاعتماد الكامل على القوى الدولية الكبرى لتوفير
الأمن والاستقرار، أو انتظار التسويات الخارجية لإنهاء النزاعات التي تستنزف
موارده البشرية والاقتصادية والسياسية.
فالمنطقة التي تمتلك
نسبة كبيرة من احتياطيات الطاقة العالمية، وتشرف على أهم الممرات البحرية الدولية،
وتحتل موقعاً جيوسياسياً يربط آسيا بأوربا وأفريقيا، ما زالت تفتقر إلى منظومة أمن
إقليمية مستقلة قادرة على حماية مصالح دولها، وإدارة خلافاتها، ومنع تحويلها إلى
ساحة مفتوحة للصراعات الدولية.
ومن هنا تبرز أهمية
"اتفاقية مكة للدفاع المشترك" التي وقعتها المملكة العربية
السعودية والجمهورية التركية وجمهورية باكستان الإسلامية في 7 آب 2026، باعتبارها
تطوراً يمكن أن يتجاوز حدود الاتفاق الأمني الثلاثي، إذا ما جرى تطويره ضمن رؤية
استراتيجية أشمل، إذ نص الاتفاق على أن الهجوم المسلح على إحدى الدول الموقعة يُعد
هجوماً على الدول الثلاث، مع التأكيد على أن الاتفاق لا يستهدف دولة بعينها،
وأنه مفتوح أمام الدول الصديقة الراغبة في تعزيز السلام والاستقرار الإقليمي.
غير أن السؤال الحقيقي
ينبغي أن يكون: هل تستطيع اتفاقية مكة أن تكون نقطة البداية لبناء نظام إقليمي
جديد ينهي عصر الصراعات المفتوحة ويؤسس لـ"اتحاد شرق أوسطي"
يمتلك القدرة على حماية أمنه ومصالحه دون أن يتحول إلى محور ضد أحد؟ وهنا تكمن
أهمية الانتقال من مفهوم الدفاع المشترك إلى مفهوم المصالح المشتركة الذي يؤسس الى
تحالف حقيقي تتشابك فيه المصالح والاولويات، وعلى النحو الاتي:
أولاً-
الشرق الأوسط أمام "الفرصة الأخيرة": إن استمرار الأزمات في غزة ولبنان وسورية
واليمن والسودان، والتوترات الخليجية، والصراع الأمريكي - الإيراني، إلى جانب
القضية الفلسطينية، وأمن الملاحة والطاقة، والإرهاب والتطرف، والنزاعات الحدودية
والمائية، كلها تؤكد أن النظام الإقليمي القائم لم يعد قادراً على إنتاج
الاستقرار.
وقد أثبتت الأحداث
المتلاحقة أن أي حرب في جزء من الشرق الأوسط يمكن أن تتحول بسرعة إلى أزمة إقليمية
ودولية، بسبب الترابط الجغرافي والاقتصادي والأمني بين دول المنطقة.
فإغلاق أو تهديد أي من
الممرات البحرية لا يمثل مشكلة للدولة التي يقع فيها فقط، بل ينعكس على أسعار
الطاقة والتجارة العالمية وسلاسل الإمداد والغذاء والاستثمار. ولهذا فإن الأمن في
الشرق الأوسط لم يعد مفهوماً عسكرياً فقط، وإنما أصبح أمناً سياسياً واقتصادياً
وغذائياً ومائياً وطاقوياً وتكنولوجياً وبيئياً وسيبرانياً.
ومن هذا المنطلق، فإن
بناء تحالف إقليمي حقيقي يجب ألا يبدأ من السؤال: من هو العدو؟، وإنما من
السؤال: ما هي مصالحنا المشتركة؟ وكيف نحميها بصورة جماعية؟
ثانياً-
اتفاقية مكة بين الواقع والطموح: تمثل "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" ٢٠٢٦ خطوة مهمة
باتجاه الهدف المنشود، لأنها تجمع ثلاث قوى ذات إمكانات متكاملة نسبياً: ١)
السعودية؛ الثقل الاقتصادي والمالي والطاقة والموقع الاستراتيجي. ٢) تركيا؛ القوة
العسكرية والصناعات الدفاعية والتكنولوجيا والبنية الاقتصادية. ٣) باكستان؛ الخبرة
العسكرية والقدرات الاستراتيجية النووية والعمق الجغرافي.
وقد أكدت تركيا أن
الاتفاق يهدف إلى تعزيز القدرات الدفاعية والردع الجماعي والتعاون في الصناعات
الدفاعية، بما في ذلك مجالات الطائرات المسيّرة والحرب الإلكترونية والذكاء
الاصطناعي، مع التأكيد على أنه لا يستهدف دولة بعينها.
وهذه عناصر قوة مهمة، إلا
أنها لا تكفي وحدها لإنشاء نظام إقليمي مستدام. فالتحالفات لا تعيش بالقدرات
العسكرية وحدها، وإنما تعيش بالمصالح المتشابكة التي تجعل تفككها أكثر كلفة من
استمرارها. وهنا تظهر المعضلة الأساسية في اتفاقية مكة: فإذا بقيت اتفاقية
دفاعية ثلاثية، فإن قدرتها على التأثير ستكون محدودة؛ أما إذا تحولت إلى إطار
لتكامل سياسي واقتصادي وأمني وتكنولوجي، فإنها يمكن أن تصبح نواة لنظام إقليمي
جديد.
ثالثاً-
الدرس الأوربي والتحول من المصالح إلى الاتحاد: لم تقم تجربة الاتحاد الأوربي الناجحة على فكرة
الدفاع المشترك وحدها، وانما قامت على ركام الحروب الأوربية الكبرى وملايين الجثث
التي خلفتها، بعدها أدركت الدول الاوربية أن السلام الدائم لا يمكن أن يتحقق
بمجرد توقيع اتفاقيات عسكرية، وإنما من خلال جعل الحرب بين الدول الأوربية متعارضة
مع مصالحها الاقتصادية والسياسية.
وهكذا بدأ التكامل
الأوربي من قطاعات اقتصادية استراتيجية، ثم تطور إلى مؤسسات سياسية وقانونية
مشتركة. لذلك فان الدرس الذي يمكن استخلاصه للشرق الأوسط ليس تقليد الاتحاد
الأوربي حرفياً، وإنما استيعاب فلسفته الأساسية: اجعل مصالح الدول متشابكة إلى
درجة يصبح معها الصراع بينها غير عقلاني ومكلفاً. ومن هنا يمكن تطوير اتفاقية
مكة وفق المعادلة التالية: دفاع مشترك - أمن مشترك - اقتصاد مشترك - مصالح
مشتركة - آليات لتسوية النزاعات ← اتحاد إقليمي.
رابعاً-
المشكلة الأساسية ليست غياب القوة وإنما غياب النظام: من الواضح للعيان ان الشرق الأوسط يمتلك موارد
وإمكانات هائلة من اهمها؛ الطاقة بكافة اصنافها، النفط والغاز، الموقع الجغرافي،
الأسواق الكبيرة، رؤوس الأموال، القوى البشرية، الموارد البشرية الفنية، الممرات
البحرية، الصناعات العسكرية المتنامية، الجامعات ومراكز البحث، الثروات السياحية
والثقافية والدينية، والموقع الرابط بين آسيا وأوربا وأفريقيا.
لكن المشكلة تتمثل في
أن هذه العناصر تعمل غالباً بصورة منفصلة. فالدولة الغنية بالطاقة تحتاج إلى
التكنولوجيا، والدولة ذات التكنولوجيا تحتاج إلى الأسواق، والدولة ذات القوة
البشرية تحتاج إلى رأس المال، والدولة ذات الموقع الجغرافي تحتاج إلى الاستثمارات،
والدول التي تواجه ندرة المياه تحتاج إلى التعاون العلمي والتكنولوجي. وبالتالي
فإن التكامل الإقليمي يمكن أن يحول عناصر الضعف المتفرقة إلى عناصر قوة جماعية.
خامساً-
من "تحالف مكة" إلى "منظومة مكة": من الأفضل ألا يتم
الانتقال مباشرة إلى إنشاء "اتحاد شرق أوسطي" بصيغة سياسية فوق
وطنية؛ لأن ذلك سيكون سابقاً لأوانه، وقد يثير مخاوف الدول التي تخشى فقدان جزء من
سيادتها. والحل الأكثر واقعية هو إنشاء منظومة تدريجية يمكن تسميتها "منظومة
مكة للأمن والتنمية الإقليمية" وتتكون من خمس مراحل من أهمها المرحلة الأولى.
المرحلة الأولى تشمل
الدفاع والأمن وتتضمن انشاء: ١) مجلس دفاع مشترك. ٢) مركز استخبارات إقليمي. ٣) مركز إنذار
مبكر للصواريخ والطائرات المسيّرة. ٤) منظومة دفاع جوي وصاروخي متكاملة. ٥)
تدريبات عسكرية مشتركة. ٦) قوة تدخل سريع لمواجهة الكوارث والأزمات. ٧) مركز
إقليمي لمكافحة الإرهاب. ٨) مركز للأمن السيبراني. ويجب أن يكون الهدف الأساسي
هو الردع ومنع الحرب، وليس البحث عن حرب جديدة.
سادساً-
إنشاء "مبدأ مكة للأمن الجماعي": يمكن تطوير الاتفاقية إلى مبدأ سياسي واضح يقوم
على؛ "أي عدوان خارجي على دولة عضو يمثل تهديداً للأمن الإقليمي، ويستوجب
التشاور الجماعي واتخاذ الإجراءات المناسبة وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون
الدولي". وهنا يجب تجنب النسخ الحرفي للمادة الخامسة من حلف الناتو، لان الشرق
الأوسط يحتاج إلى صيغة خاصة به تراعي اختلاف أنظمته السياسية ومصالحه وعلاقاته
الدولية. ولهذا يمكن اعتماد ثلاث مستويات للرد تشمل؛ التشاور والوساطة،
العقوبات والإجراءات الاقتصادية والسياسية المشتركة، الدفاع العسكري الجماعي في
حال وقوع عدوان مسلح واضح. وهذا يجعل الاتفاقية أداة للسلام قبل أن تكون أداة
للحرب.
سابعاً-
"تصفير المشاكل" كأساس للاتحاد: هذه النقطة ينبغي أن تكون جوهر المشروع، لان المنطقة
لا تحتاج إلى تحالف جديد يقوم على استعداء طرف آخر، وإنما إلى منظومة لتصفير
النزاعات داخل المنطقة. ومن اجل تحقيق ذلك يمكن انشاء "مجلس مكة للمصالحة
والأمن الإقليمي"، تكون مهمته: تسوية الخلافات العربية - العربية، تسوية
الخلافات العربية – الإسلامية والإسلامية - الاسلامية، الوساطة بين دول المنطقة،
منع الحروب بالوكالة، إدارة الملفات الحدودية، معالجة النزاعات المائية، مكافحة
التدخلات الخارجية، وإنشاء آلية للإنذار المبكر بالأزمات. ويجب أن تكون
القاعدة: "لا حرب بين دول منظومة مكة قبل استنفاد جميع آليات الوساطة
والتحكيم والتفاوض". وبذلك يمكن ان يتحول التحالف من أداة دفاع عسكري إلى
آلية لمنع الحرب نفسها.
ثامناً-
"إيران" من الخصم المحتمل إلى الشريك المحتمل: إن إدراج إيران في
المشروع يمثل أكثر القضايا حساسية، فإذا تحولت اتفاقية مكة إلى تحالف من طرف مذهبي
واحد في مواجهة إيران، فإن المشروع سيولد منذ لحظته الأولى باعتباره جزءاً من
الصراع المذهبي الاسلامي والجيوسياسي، الأمر الذي سيعيد إنتاج المشكلة بدلاً من
حلها. لذلك فإن الرؤية الاستراتيجية الأكثر واقعية تتمثل في: "عدم جعل
إيران عدواً للتحالف، وعدم منحها حق تعطيل التحالف في الوقت نفسه".
ويكون الباب مفتوحاً
أمام إيران مستقبلاً، بعد الاتفاق على مبادئ واضحة، أهمها: عدم التدخل في الشؤون
الداخلية للدول، احترام سيادة الدول، عدم استخدام الجماعات المسلحة العابرة
للحدود، احترام حرية الملاحة، الالتزام بحسن الجوار، تسوية النزاعات بالحوار،
واحترام الاتفاقات الدولية. وبذلك تصبح العضوية نتيجة للسلوك السياسي، لا نتيجة
للهوية المذهبية.
تاسعاً-
"العراق" الحلقة التي لا يمكن تجاوزها: يمثل العراق حالة استثنائية في أي مشروع أمني
شرق أوسطي، فالعراق يقع في قلب المنطقة، ويرتبط جغرافياً وسياسياً واقتصادياً
وأمنياً بالخليج وإيران وتركيا وسورية والأردن والسعودية، كما يمتلك موارد نفطية
ضخمة، وموقعاً جغرافياً مهماً، وتجربة واسعة في مكافحة الإرهاب. ومن ثم فإن استبعاد
العراق من أي منظومة إقليمية طويلة الأمد سيكون نقصاً استراتيجياً واضحاً. لكن
انضمام العراق ينبغي ألا يكون على أساس اصطفافه مع طرف ضد آخر، "وإنما
باعتباره جسر تواصل بين دول المنطقة".
ويمكن للعراق أن يؤدي
دوراً خاصاً في: مكافحة الإرهاب، أمن الحدود، أمن الطاقة، الربط الاقتصادي، النقل
البري والسككي، الوساطة الإقليمية، إدارة المياه، وإعادة الإعمار. وبذلك يمكن أن
يتحول العراق من "ساحة صراع" إلى منصة للتوازن والحوار والتكامل
الإقليمي.
عاشراً-
توسيع العضوية دون تسرع: وقعت الكويت وباكستان في 28 آب 2026 اتفاقاً جديداً لتعزيز
التعاون العسكري والتدريب وبناء القدرات وإدارة الحدود، وهو تطور يعكس اتساع شبكة
التعاون الدفاعي في المنطقة. لكن التوسع الى "اتحاد شرق أوسطي"
يجب ألا يتم بطريقة تؤدي إلى تضخم التحالف قبل بناء مؤسساته. ولهذا يمكن تقسيم
العضوية إلى: أعضاء مؤسسون؛ السعودية، تركيا، باكستان. أعضاء
استراتيجيون؛ العراق، مصر، دول مجلس التعاون الخليجي. أعضاء إقليميون؛
سورية، الأردن، المغرب، الجزائر وغيرها. شركاء حوار؛ إيران، وغيرها من الدول
المجاورة التي ترغب في التعاون دون العضوية الكاملة. وهذا النموذج يمنح المشروع
مرونة أكبر ويمنع تحوله إلى كتلة مغلقة.
الحادي
عشر- الاتحاد الاقتصادي يعد العمود الفقري الحقيقي: لا يمكن أن ينجح التحالف الأمني إذا بقيت
اقتصادات الدول منفصلة. لذلك يجب إنشاء "منطقة مكة للتجارة الحرة
والاستثمار"، والتي تتضمن على مراحل: تخفيض الرسوم الجمركية، تسهيل حركة
رؤوس الأموال، حماية الاستثمارات، تسهيل حركة رجال الأعمال، توحيد بعض المعايير
والمواصفات، ربط الأسواق المالية، إنشاء صندوق استثمار إقليمي، تمويل مشاريع
البنية التحتية، ربط الموانئ والسكك الحديدية، تطوير ممرات التجارة والطاقة.
والهدف ليس إنشاء عملة موحدة في المرحلة الأولى، فهذا مشروع بعيد المدى، وإنما
إنشاء سوق إقليمية متكاملة تدريجياً.
الثاني
عشر- اتحاد الطاقة: تمتلك المنطقة أحد أهم مصادر الطاقة في العالم، ومع ذلك فإن دولها
لا تتعامل دائماً مع الطاقة باعتبارها منظومة مشتركة. لذلك يمكن إنشاء 'مجلس
مكة للطاقة" من مهامه الاهتمام بالنفط والغاز، الطاقة الشمسية،
الهيدروجين الأخضر، الربط الكهربائي، أمن المنشآت النفطية، حماية خطوط الأنابيب،
تأمين الممرات البحرية. بحيث تتحول الطاقة من سبب للتنافس إلى أداة للتكامل.
الثالث
عشر- الأمن الغذائي والمائي: المستقبل لن يكون صراعاً على النفط فقط، بل يمكن أن يصبح الماء
والغذاء من أخطر مصادر النزاع. لذلك ينبغي إنشاء "صندوق الأمن الغذائي
الإقليمي" لتمويل الزراعة والاستثمار في الأراضي والمخازن الاستراتيجية
وسلاسل الإمداد، وكذلك "المجلس الإقليمي للمياه" لمعالجة قضايا
الأنهار المشتركة والمياه الجوفية والتحلية وإعادة تدوير المياه والتكنولوجيا
الزراعية.
وهنا يمكن أن تصبح دول
الخليج صاحبة التمويل، وتركيا والعراق وسورية وغيرها صاحبة الموارد المائية
والزراعية، بينما توفر دول أخرى الخبرات والأسواق.
الرابع
عشر- التصنيع العسكري المشترك: بدلاً من أن تنفق دول المنطقة عشرات المليارات بصورة منفردة على
شراء الأسلحة، يمكن إنشاء "مجمع مكة للصناعات الدفاعية" يقوم على
توزيع الأدوار على النحو الاتي: السعودية؛ التمويل والاستثمار والأسواق. تركيا؛
التكنولوجيا والصناعات الدفاعية والطائرات المسيّرة. باكستان؛ الخبرات
العسكرية والصناعات الجوية والدفاعية والطاقة النووية للأغراض السلمية. اما الدول
العربية الأخرى؛ الأسواق والقوى البشرية والمواقع الصناعية.
ويشمل التعاون: الطائرات المسيّرة،
الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية، الأقمار الصناعية، الذكاء الاصطناعي، الأمن
السيبراني، الاتصالات العسكرية، والصناعات البحرية. وهكذا تتحول المنطقة من أكبر
مستورد للسلاح إلى مركز إقليمي لإنتاج التكنولوجيا الدفاعية.
الخامس
عشر- التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي: من الأخطاء الاستراتيجية اختزال التحالف في
الدبابات والصواريخ، فالحروب المقبلة ستحددها بدرجة متزايدة: البيانات، الذكاء
الاصطناعي، الأقمار الصناعية، الأمن السيبراني، الطائرات الذاتية، الحرب
الإلكترونية، التفوق المعلوماتي.
لذلك يجب تأسيس "جامعة
مكة للتكنولوجيا والأمن الإقليمي" تجمع الجامعات ومراكز الأبحاث في الدول
الأعضاء، وتخصص برامجها في الذكاء الاصطناعي، الطاقة، المياه، الأمن السيبراني،
الصناعات الدفاعية، الطب، الزراعة الحديثة، الفضاء.
السادس
عشر- إنشاء "بنك الشرق الأوسط للتنمية": حتى يصبح الاتحاد المقترح واقعاً اقتصادياً،
يحتاج إلى مؤسسة مالية مشتركة. كذلك يمكن تأسيس "بنك الشرق الأوسط للتنمية
والاستثمار" برأسمال تشارك فيه الدول وفق قدراتها الاقتصادية، وتكون
أولوياته: السكك الحديدية، الموانئ، الطاقة، المياه، المدن الصناعية والمدن
الصديقة للبيئة، الزراعة ومكافحة التصحر، التكنولوجيا الحديثة، إعادة الإعمار.
وهنا تتحول الأموال الخليجية من استثمارات منفردة إلى قوة تنموية إقليمية
منظمة.
السابع
عشر- القضية الفلسطينية: لا يمكن لأي نظام أمني شرق أوسطي أن يدعي النجاح مع استمرار
القضية الفلسطينية دون حل عادل. لكن التعامل معها يجب أن يكون جزءاً من منظومة
سياسية إقليمية وليس سبباً لتحويل التحالف إلى أداة عسكرية لإذكاء الصراع العربي -
الاسرائيلي الغير مضمون النتائج. ويتمثل الهدف في: دعم القضية الفلسطينية وإقامة
دولة فلسطينية مستقلة، وقف التصعيد، حماية المدنيين، دعم إعادة إعمار غزة.، الدفع
باتجاه عملية سياسية جادة، ضمان الأمن لجميع شعوب المنطقة على الأمد البعيد،
واحترام القانون الدولي. فالسلام الإقليمي الحقيقي لن يتحقق بتجميد القضية
الفلسطينية، وإنما بمعالجتها.
الثامن
عشر- العلاقات مع القوى الدولية: من أهم شروط نجاح المشروع ألا يتحول إلى تحالف معادٍ للولايات
المتحدة أو روسيا أو الصين أو أوربا، فالشرق الأوسط لا يحتاج إلى الانتقال من
التبعية للغرب إلى التبعية للشرق، بل يحتاج إلى "الاستقلال
الاستراتيجي المرن"، أي التعاون مع الجميع، والتحالف مع المصالح، وعدم
الارتهان لأحد. وهذا يسمح للدول الأعضاء بالحفاظ على علاقاتها القائمة مع
الولايات المتحدة وأوربا والصين وروسيا والهند وغيرها، مع امتلاك قدرة إقليمية
أكبر على اتخاذ القرار.
التاسع
عشر- الهيكل المؤسسي المقترح: يمكن أن يتكون الاتحاد مستقبلاً من: ١) قمة رؤساء الدول؛
أعلى سلطة سياسية. ٢) مجلس وزراء الخارجية؛ إدارة الملفات السياسية. ٣) مجلس
الدفاع والأمن؛ إدارة التهديدات الأمنية. ٤) مجلس الاقتصاد والاستثمار؛
التكامل الاقتصادي. ٥) مجلس الطاقة والمياه والغذاء؛ الأمن الاستراتيجي. ٦)
المحكمة الإقليمية؛ حل النزاعات بين الدول الأعضاء. ٧) البرلمان
الاستشاري؛ تمثيل الشعوب والدول. ٨) الأمانة العامة؛ الجهاز التنفيذي. ٩)
مركز الإنذار المبكر؛ رصد الأزمات. ١٠) صندوق التنمية؛ تمويل
المشاريع المشتركة.
العشرون-
"عقيدة مكة" الجديدة: يمكن صياغة عقيدة سياسية للاتحاد تقوم على عشرة مبادئ: ١) عدم
الاعتداء. ٢) احترام سيادة الدول. ٣) عدم التدخل في الشؤون الداخلية. ٤) حل
النزاعات بالوسائل السلمية. ٥) الدفاع الجماعي ضد العدوان الخارجي. ٦) مكافحة
الإرهاب والتطرف. ٧) حماية حرية الملاحة والطاقة والتجارة. ٨) التكامل الاقتصادي.
٩) الأمن المائي والغذائي. ١٠) استقلال القرار الإقليمي. وتكون القاعدة الذهبية: "لا
نتحالف ضد دولة؛ بل نتحالف من أجل أمن المنطقة".
الحادي
والعشرون- المخاطر التي يمكن أن تواجه المشروع: رغم أهمية الفكرة، فإن الطريق لن يكون سهلاً
ومفروشاً بالورد، ومن أبرز التحديات:
1.
اختلاف الرؤى السياسية: فالدول ليست متطابقة
في توجهاتها الخارجية.
2.
تضارب التحالفات
القائمة: بعض الدول مرتبطة بالولايات المتحدة، وتركيا عضو في حلف الناتو،
وباكستان لديها علاقات استراتيجية مع الصين وغيرها.
3.
الخلافات العربية –
العربية: وهي من أهم أسباب ضعف أي مشروع إقليمي سابق.
4.
الخلافات العربية – الإيرانية: وقد تتحول إلى عائق
رئيسي إذا لم تتم إدارتها سياسياً.
5.
التخوف من الهيمنة: قد تخشى بعض الدول من
أن تتحول القوة الاقتصادية أو العسكرية لدولة معينة إلى هيمنة سياسية.
6.
المذهبية او الطائفية: أي ربط للمشروع
بالانقسام المذهبي او الطائفي المسمى السني- الشيعي سيؤدي إلى إجهاضه.
7.
التدخلات الخارجية: ستحاول بعض القوى
الدولية التعامل مع المشروع وفق مصالحها، وقد تسعى إلى احتوائه أو تفكيكه إذا رأت
أنه يهدد نفوذها.
الثاني
والعشرون- الحل يكمن في "المعادلة المتوازنة": يمكن التغلب على هذه
التحديات من خلال اعتماد قاعدة "لا مركز واحد للقوة"، بل: السعودية
+ تركيا + مصر + العراق + باكستان + دول الخليج + بقية الدول المؤهلة = توازن
إقليمي. أي أن المشروع لا ينبغي أن يكون سعودياً أو تركياً أو باكستانياً
أو عربياً فقط، وإنما شرق أوسطياً متعدد المراكز.
الثالث
والعشرون- خارطة الطريق المقترحة: يمكن تنفيذ المشروع خلال عشر سنوات على النحو الآتي:
2026–2027 تثبيت
اتفاقية مكة وإنشاء المؤسسات العسكرية والأمنية المشتركة. 2027–2028 توسيع العضوية
وإطلاق مجلس المصالحة الإقليمي. 2028–2030 إطلاق منطقة التجارة والاستثمار وصندوق
التنمية. 2030–2032 تأسيس سوق إقليمية للطاقة والربط الكهربائي والنقل. 2032–2034
إنشاء منظومة الدفاع الجوي والإنذار المبكر والتصنيع العسكري المشترك. 2034–2036
الانتقال إلى صيغة "الاتحاد الشرق أوسطي" أو "منظمة الشرق الأوسط
للأمن والتنمية". وهذا التدرج مهم جداً، لأن محاولة إنشاء اتحاد كامل في سنة
أو سنتين ستؤدي غالباً إلى فشله.
الرابع
والعشرون- "الرؤية الاستشرافية" شرق أوسط خالي من الحروب الداخلية: إذا نجحت هذه الرؤية،
فإن الشرق الأوسط بعد عشر سنوات يمكن أن يكون مختلفاً جذرياً عن الشرق الأوسط
الحالي، ويكون منطقة لا توجد فيها حروب عربية- عربية، لا توجد فيها حروب طائفية،
او جماعات مسلحة، تكون فيها الحدود مصدراً للتعاون لا للصراع، ترتبط فيها الأسواق
بشبكات التجارة والطاقة، تمتلك منظومة دفاع جماعي، تنتج جزءاً كبيراً من
احتياجاتها العسكرية، تمتلك منظومة مشتركة لمكافحة الإرهاب، تتعاون في المياه
والغذاء والطاقة، وتمتلك صوتاً موحداً أو منسقاً في المنظمات الدولية.
وفي هذه الحالة لن تكون
قوة الاتحاد في عدد الجنود فقط، وإنما في حجم المصالح التي تجمع أعضاءه.
الخامس
والعشرون- خلاصة العمل التحول من "اتفاقية دفاع" إلى "عقد إقليمي
جديد":
إن "اتفاقية مكة للدفاع المشترك" يمكن أن تكون إما اتفاقاً
أمنياً محدوداً بين ثلاث دول، أو بداية تحول تاريخي في النظام الإقليمي.
والفارق بين الاحتمالين
يكمن في الرؤية السياسية التي ستوضع بعد التوقيع، فإذا بقيت الاتفاقية محصورة في
التعاون العسكري، فإن تأثيرها سيبقى محدوداً، رغم أهميتها، أما إذا جرى تحويلها
إلى مشروع متكامل يقوم على الأمن والاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والمياه والغذاء
والمصالحة السياسية، فإنها يمكن أن تصبح نواة لنظام شرق أوسطي جديد.
ولذلك فإن المطلوب ليس
إنشاء "ناتو شرق أوسطي" جديد بالمعنى التقليدي، وإنما إنشاء
نموذج أكثر تطوراً يمكن تسميته "نظام مكة للأمن والتنمية والسلام
الإقليمي"، نظام لا يقوم على البحث عن عدو، وإنما على البحث عن مصلحة
مشتركة. وكذلك لا يقوم على إقصاء إيران، وإنما على دفعها إلى تغيير سلوكها
الإقليمي وفق قواعد واضحة.
ومن ناحية اخرى؛ لا
يقوم على مواجهة الولايات المتحدة أو أوربا أو الصين أو روسيا، وإنما على بناء
قدرة المنطقة على التعامل مع جميع القوى من موقع الندية والمصلحة.
ولا يقوم على الهيمنة
السعودية أو التركية أو الباكستانية، وإنما على توازن إقليمي متعدد المراكز.
ولا يهدف إلى إلغاء سيادة الدول، وإنما إلى جعل التعاون بينها أكثر فائدة من
الصراع.
إن الشرق الأوسط لا
يحتاج إلى حرب جديدة كي يوحده الخوف، وإنما يحتاج إلى مشروع سياسي واقتصادي وأمني
يجعل السلام نفسه مصلحة استراتيجية مشتركة. ومن هنا يمكن أن تكون "اتفاقية
مكة" هي الخطوة الأولى في مشروع أكبر: من مكة يبدأ الدفاع المشترك، ومنه يبدأ
الأمن المشترك، ومن الأمن يبدأ الاقتصاد المشترك، ومن الاقتصاد تبدأ المصالح
المشتركة، ومن المصالح المشتركة يبدأ تصفير المشاكل، ومن تصفير المشاكل يولد
الاتحاد.
وعندها فقط يمكن للشرق
الأوسط أن ينتقل من كونه ساحة تتصارع فيها القوى الدولية والإقليمية إلى كونه
قوة إقليمية فاعلة تصنع أمنها، وتحمي مصالحها، وتشارك في صناعة النظام الدولي
بدلاً من أن تكون موضوعاً دائماً لصراعاته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق