الأربعاء، 14 يناير 2026

جدلية تربية الأبناء وعقوق الوالدين


بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يقول الله تعالى في محكم آياته: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الكهف 46)، حيث جعل الله الابناء ثروة مكملة لثروة المال لكي تكتمل زينة حياة الانسان وتستمر، وبذلك تستمر حياة البشرية وتتكاثر عن طريق الانجاب كسرٍ من أسرار الديمومة الإلهية في توارث البشر، حيث يتوازى المال والبنون في كفتي الميزان الإلهي، وبذلك باتت غريزة الانسان لا تُشبعْ أو تستقر الا من خلال الزواج وإنجاب الأطفال وتكوين الثروة والاسرة كحاجة ملحة لديمومة الحياة، ولتكون الاسرة وفق هذا المفهوم الخلية الأصغر المكونة للمجتمع الكبير الذي يضم في طبقاته أسر متفاوتة من حيث المال والثقافة والعلم والجاه والمكانة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، بدأ الوالدان يتحملان العبء الأكبر لبناء الاسرة من ناحية توفير العيش الرغيد للعائلة والاهتمام بتربية أبناءهم من عدة نواحي؛ منها الأخلاقية والعلمية والثقافية والوطنية، الامر الذي خلق مجتمعات عالمية يتنافس فيها أبناء المجتمع الواحد على صدارة المشهد الثقافي والعلمي، رغم ان المستوى الثقافي والعلمي للوالدين لم يكن في ذلك الحين بذلك المستوى الذي نراه اليوم بالنسبة لمجتمعات الشرق الادنى، لكن من ساعدهم على ذلك طاعة ابناءهم، والاخلاق العالية التي كانوا يتحلون بها، واحترامهم لوالديهم ولبعضهم البعض، وطموحهم الكبير ورغبتهم الجامحة في تسلق سلم العلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة، بعد ان تم اتخاذ الاب أو الأخ او المعلم او أبن المنطقة الناجح قدوة في تحقيق الهدف.             

لم تكن تربية الأبناء صعبة من ناحية ضبط السيطرة على الاسرة بالنسبة للوالدين قبل الالفية الثانية رغم بساطة الحياة التي كانت تعيشها العائلة، وكانت متوازنة بين حرص الوالدين على تربية ابناءهم تربية صحيحة صالحة، وبين استجابة الأبناء واحترامهم لآراء اباءهم ووجهات نظرهم، والحرص على تحقيق امانيهم وآمالهم، والعمل على تعويضهم عما بذلوه من مال وجهد كبير في التربية والتعليم من خلال رد الجميل للوالدين وعدم انكار فضلهم، أو عقوق حقوقهم، ومساعدتهم في مواجهة تحديات الحياة التي أوصى بها الله تعالى حين قال: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الاسراء 23).

 تأمر الآية الكريمة الأبناء بحسن المعاملة وبر الوالدين في كافة مراحل الحياة، وتنهي عن قول "أُف" أو نهرهم، وتأمر بالقول الكريم والأسلوب السمح، وتُبرز مكانتهم بعد عبادة الله مباشرة، وتؤكد أن البر لا ينقطع حتى بعد وفاتهما، مشددةً على الشكر لهما كما الشكر لله عز وجل، حيث تربط الآية الكريمة عبادة الله بالإحسان للوالدين، مما يرفع من مكانة الأبناء.

وتحدد الآية الكريمة ايضاً كيفية الإحسان للوالدين عند بلوغهما سن الكبر، وهو أشد مراحل الحاجة للرعاية، فتأمر بالقول اللين والكلام الطيب بدلاً من التأفف أو النهر، إذ يشمل الإحسان للوالدين طوال حياتهم وبعد وفاتهم، عبر الدعاء لهما وصلة الرحم، ويُعد من أعظم الأعمال الصالحة، كما انه يجب التحدث معهما بلطف واحترام، وتجنب رفع الصوت عليهما أو قول ما يضجرهما، إضافة الى تلبية احتياجاتهما، والسعي الدائم اليهما، فهذا له أجر عظيم عند الله.  

لذلك نرى في الزمن الماضي، المسمى بـ"زمن الأخلاق الفاضلة"، كان الابناء يتسابقون على خدمة واحترام آباءهم وأمهاتهم حد القداسة حتى لو بدر منهما ما يعكر المزاج ويكدر الخاطر، ويحاولون جاهدين ان يكونوا بمستوى المسؤولية، بارين بوالديهم امام الله تعالى والناس، يأخذون بنصائحهم وتوجيهاتهم السديدة في الحياة، وبذلك استطاع الوالدان ان يبنوا أُسراً عظيمة، وان ينتجوا جيلاً من العلماء والمثقفين، والوطنين الافذاذ، الذين تركوا بصمة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وكانوا فخراً لبلدهم وعوائلهم.

لكنه في هذا "الزمن الاغبر"، زمن التطور التكنولوجي والعالم الافتراضي الصاخب، تغيرت الكثير من مفاهيم التربية، وانحدرت الاخلاق وسط الفوضى الاجتماعية والثقافية العارمة التي اجتاحت المعمورة من أقصاها الى اقصاها، حيث فقدان أغلب الابناء للتربية الصحيحة، والشخص القدوة، وبوصلة الاحترام والتقدير لوالديهم، ولكبير العائلة، والأستاذ المعلم في المؤسسات التربوية، وانعدمت الاخلاق، وقل الصدق والثقة بين الناس، واصبح الولدُ نقيضاً لأبيه، ونداً له في الحياة الاجتماعية الى درجة التطاول عليه في الكلام والاعتداء بالضرب في بعض الأحيان، وضعفت المودة وصلة الرحم والقرابة بين أبناء الاسرة الواحدة وتشتت شملها، واصبحت الانانية والمصالح الشخصية للأبناء هي التي تتكلم عن كيفية إدارة دفة الحياة ومصالح الاسرة والمجتمع بشكل عام.    

ووفقاً لذلك، باتت الفوضى تعم في المجتمع بعد ان مرضت الاسرة، ليسدل الستار على المبادئ والقيم، والعادات والتقاليد العائلية التي اعتاد عليها الآباء والاجداد، لندخل في نفق الانحدار والانحلال والتمرد الاخلاقي العائلي بسبب ظهور أجيال فوضى العالم الافتراضي غير المنضبطين قانونياً واخلاقياً ودينياً وتربوياً، تتحكم بهم نزوات الأنا والتمرد، ونكران الجميل، والصيرورة على حساب الآخر، التي تتعالى كثيراً على رغبات الوالدين، اللذان أفنوا حياتهم لكي يكون ابنهم "فلان" وابنتهم "فلانه" في مستوى اجتماعي يليق بسمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية المرموقة. 

لذلك فان الله تعالى لم يخفِ ذلك في الآية الكريمة حين قال: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف 46)، إذ تُبيّن الآية بأن الأموال والأولاد زينة ومتاع مؤقت في هذه الدنيا، بينما الأعمال الصالحة الدائمة خير وأبقى عند الله ثواباً وأملاً، خاصة حين اصبح الوالدان - في الوقت الحاضر - يخشون شر ابناءهم، وما يجلبونه لهم من مشاكل لا تتفق مع الاخلاق والاعراف الاجتماعية، وكذلك المشاكل الاسرية التي تعدت حدود الاخلاق، والتجاوز على الوالدين من قبل الابن او البنت بكلمات نابية، وربما بالضرب في بعض الأحيان او القذف بهم في الشارع او دار العجزة، وكأنهم لم يلدوهم صغاراً حتى اشتد عودهم وصاروا رجالاً ونساءً.  

وعليه حذر الله تعالى الآباء من الأزواج والأبناء في سورة التغابن بقوله: "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن 14)، وكأن ما نراه في العصر الحالي يتطابق مع روح القرآن الكريم، اذ تحث الآية الكريمة على الحذر من انحراف الأبناء في الحياة الاجتماعية وتمردهم على والديهم، مع التأكيد على أن العلاقة الأسرية يجب أن تكون مبنية على المودة والرحمة مع إعطاء الأولوية لرضا الله.

لذلك فان الله سبحانه وتعالى حين امر بقتل الغلام المشار اليه في سورة الكهف كان سببه انه كان عاقاً لوالديه، كما يعق بعض الأبناء اليوم آبائهم وامهاتهم بقسوة، واراد ان يخلصهم من شره وارهاقه لهم: "هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا" (الكهف: 78)... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81).

ان الانحدار الاخلاقي في الوقت الحاضر جعل من بعض الأبناء لا يفكرون ملياً بصحة وسعادة اباءهم، وانما بمصالحهم الشخصية ونزواتهم ورغبات الميراث فقط، ومحاولة التخلص من مسؤولياتهم أمام الله والناس تجاه الوالدين والاسرة، فأما ان يتركوهم يعانون شظف العيش وتدهور الحالة الصحية، او ان يذهبوا بهم الى دار العجزة ليجدوا الراحة الابدية بعيداً عن آهات عائلة الابن التي تريد ان تعيش حياتها بعيداً عن معاناة الاباء والاجداد المسنين، الذين باتوا يشدون امتعة الرحيل الى بارئهم املاً بدعاء او ثواب قد يأتهم من الابناء لدى العزيز الكريم. 

لذلك فان الجميع – الإباء، والمؤسسات التربوية والدينية، ومنظمات المجتمع المدني -  مطالب، في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، بالتحرك وابداء الراي والمشورة والموعظة الحسنة لوضع البرامج التربوية الخاصة بتربية الأبناء، بهدف اصلاح ذات البين لمن أراد اليه سبيلا، لان الذي يعق والديه بالتأكيد سيعق وطنه، وسيعقه ابناءه كمسلمة حياة في المستقبل، وان اصلاح شؤون الاسرة يعد اصلاحاً لشؤون المجتمع برمته.   

الخميس، 28 ديسمبر 2023

العلاقة الجدلية بين الدولة والنظام السياسي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

اختلف الفقهاء في التوصل الى تعريف جامع لمفهوم الدولة، لكن التعريف الاقرب للدولة؛ بانها تلك الرقعة الجغرافية التي تحيط بها حدود معترف بها بموجب القانون الدولي، يقطنها مجموعة من الافراد (الشعب) بغض النظر عن قومياتهم وانتماءاتهم الدينية، تحكمها القوانين والانظمة والمؤسساتية في العمل، والتي تمنحها الشخصية القانونية المعنوية العليا، ويكون الفرد فيها (الشعب)، الذي يكتسب الشخصية القانونية منذ الولادة، مصدراً للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام الديمقراطي، وهو من يختار افراد النظام السياسي ويعطي الصفة (القانونية المعنوية) لهم لادارة الدولة.

أما النظام، فيعرف بمجموعة الافراد الذين حصلوا على تفويض شعبي في اطار القانون لادارة الدولة سياسياً واقتصادياً وثقافياً ومجتمعياً واكتسبوا الحق القانوني في تمثيل الدولة اقليماً ودولياً من خلال المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية استناداً لدستور وقوانين البلاد والرؤى التي يمتلكونها، وبموجب خطة عمل لفترة محددة من السنين، والتي يجب ألا تتعارض ومصلحة الدولة والشعب، يصان فيها المال العام وتحفظ الحقوق وتحدد الواجبات في اطار القانون، وتصان فيها ايضا وتحفظ الحريات ويحترم حق التعبير عن الرأي الهادف للفرد والجماعة.

وهنا، يكون العمل تكاملياً بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي المنتخب ديمقراطياً للنهوض بالواقع الجمعي للمجتمع، حيث تكون الرقابة في تنفيذ المشاريع والمحافظة على المال العام مسؤولية الجميع سواء كان الشعب او النظام في اطار القوانين النافذة وكذلك العرف الاجتماعي من باب الحرص من قبل الشعب على سيادة القانون وعدم تبذير الموارد.

لكنه، يستطيع النظام ان يشحن الدولة/ الشعب لمصلحته قومياً، كما فعل الرئيس الامريكي ترامب في تسلقه سلم الدولة للوصول الى كرسي النظام السياسي، وكذلك يستطيع النظام في بعض الاحيان ان يستفز مشاعر الناس عرقياً وطائفياً ودينياً ومذهبيا لتحقيق مصالح فئوية وشخصية ضيقة على حساب مصلحة الدولة والشعب، ولكن حين تستشعر الدولة بتعارض ما يقوم به النظام السياسي مع مصلحتها العامة يخرج الشعب الممثل الحقيقي للدولة للاعتراض على تصرفات النظام للحد منها وايقاف التمادي والاستمرار بالحاق الضر بمقدرات الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية وتشويه سمعتها على المستوى المحلي والاقليمي والدولي سواء كان ذلك بقصد او بغير قصد.

وحين يعجز النظام عن ادارة الدولة بالشكل الصحيح ويتنصل عن التزاماته ووعوده في تصحيح مسيرة العملية السياسية، يبدا الصراع بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي الذي امتلك الصفة القانونية والمعنوية للسلطة من الدولة، صاحبة الشخصية القانونية المعنوية العليا، وكذلك الاستحوذ على المال العام والسلاح والانصار، لكنه خرج عن ارادة الجماهير.

وحين يبدا الصراع والتصادم ويتم تبادل الاتهامات بين الشعب والنظام السياسي بالتخوين والتخريب والقتل، ويسمح لبعض الاطراف الخارجية بالتدخل في الشأن الداخلي للدولة لتدارك الموقف، حينها يفقد النظام السياسي شرعيته وشخصيته القانونية المعنوية باعتبار ان الشعب هو مصدر السلطات.

ولتفادي تفاقم الازمة وتطورها الى ما لا يحمد عقباه تعلن الحكومة استقالتها كما حدث في بلدان عديدة ذات الانظمة الديمقراطية وتتحول الى حكومة تصريف اعمال يومية، وتحل المؤسسة التشريعية وتتم الدعوة الى انتخابات مبكرة لانتخاب نظام سياسي جديد من قبل الشعب لإدارة الدولة.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي: مجلة معارج الفكر

السبت، 4 نوفمبر 2023

الإنقياد الغربي للسياسة "الإسرائيلية"... أسبابه وتداعياته

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

إن الوقائع التاريخية تؤكد، وبما لا يقبل الشك، بأن للغرب تاريخ دموي، ينتج نفسه على مر الزمن، بعيد كل البعد عن الإنسانية وحقوق الإنسان التي يدعونها، إذ يبدأ في الحروب الصليبية ضد الشرق المسلم، مروراً بحرب الثلاثين عاماً الأوربية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وصناعة إرهاب القاعدة وداعش، ناهيك عن قيادة الحروب وإذكاء الصراعات في آسيا الوسطى، وأفريقيا، وتدمير العراق واليمن وليبيا وسورية والسودان، وإشعال الحرب ودعمها في أوكرانيا بعد تغيير النظام السياسي فيها، يضاف الى ذلك محارق اليهود في أوربا بسبب العداء التأريخي بين اليهودية والمسيحية حسب الموروث الغربي، حيث انتهت محاربة اليهود في أوربا بالمحرقة ابان الحرب العالمية الثانية والعمل على تهجيرهم الى فلسطين، ودعم كيانهم المسخ، وذلك لعدة أسباب من أهما:

أولاً- السبب الديني: إن النبوءات المسيحية تؤكد بأن السيد المسيح سيظهر في آخر الزمان ويقتص من قتلته اليهود، حيث سيتم القضاء عليهم بعد جمعهم في فلسطين، ليس حباً بهم وإنما انتقاماً منهم، وبذلك ينتصر للمسيحية، حينها تملء الأرض عدلاً وقسطا بعد أن امتلأت جوراً وظلماً، وهذا هو مبدأ حركات التبشير المسيحية منذ قرونٌ مضت، لذا فإن جمع اليهود ليوم القصاص في فلسطين أضحى واجباً دينياً مقدساً لكل نظام ديني وسياسي غربي.

ثانيا - السبب السياسي: إن العداء الغربي - الشرقي الأزلي يحتم على الغرب إيجاد مناطق توتر في الشرق الأوسط لجعل المنطقة العربية في صراع وعدم إستقرار دائم، حتى لا يفكر العرب مرة أخرى في عبور الأطلسي كما فعلوا في سالف الزمن، ولذلك كان لقرار إعطاء اليهود وعد بلفور في فلسطين عام 1917، وإهدائهم ما لا يملكون، وتعاهدهم على دعم هذا الكيان بكل ما أوتوا من قوة، ليكون منطقة توتر في قلب الأمة العربية، هدفاً سياسياً تمت دراسته بإمعان في مؤتمر الغرب عام ١٩٠٩.

ثالثا- الجانب الاقتصادي: إن أغلب الساسة الغربيين يؤمنون حد الثمالة بأن هناك خطأ الهي حدث عند تكوين الكرة الأرضية، حين أُوجدتْ مصادر الطاقة في الشرق والصناعة في الغرب، فالأجدر، حسب تصورهم، أن تكون الطاقة والصناعة في القارة الباردة، وعليه لابد من إيجاد أسواق مستدامة لتصريف البضاعة الأوربية الأغلى (السلاح) في سوق الدول العربية الغنية بالنفط، أي العمل على تدوير موارد الطاقة الى الغرب، وبذلك لا يسمح للدول العربية بتبني مشاريع صناعية تنموية منتجة تنافس الصناعة الأوربية، ولهذا السبب لابد من تدمير الصناعات الناشئة في الشرق العربي من خلال صناعة الحروب والأزمات والتوترات المحلية والإقليمية، وكما يرى المرء جلياً ويسمع.

لذلك يعد "الكيان الإسرائيلي" القاعدة الغربية المتقدمة لتدمير الشرق الأوسط، والتوسع على حساب بلدانه المستضعفة، بعد أن تم تزويد هذا الكيان بالمال والسلاح النووي والغواصات النووية منذ مطلع الستينات من القرن الماضي من قبل فرنسا والمانيا، الى جانب الدعم السياسي الدولي من قبل صناع السياسة الغربية كبريطانيا وأمريكا والدول الغربية الأخرى، لذلك يعد الدعم الغربي المعلن لليهود بمثابة "عداء معلن للعرب"… "الحليف العدو".

ومن الأسباب والتداعيات أيضاً هيمنة القوى الإقتصادية اليهودية الصهيونية من خلال نفوذ الشركات متعددة الجنسيات على اللوبي الإقتصادي الغربي، والتحكم بصناعة القرار السياسي للأنظمة السياسية الغربية حسب أهوائهم، والتي تمثل القوى الخفية لصناعة السياسة الغربية العالمية الداعمة للكيان الصهيوني.

وبهذه الطريقة أضحى اليهود الصهاينة يتحكمون بمصير الساسة الغرب بعد مصادرة قرارهم السياسي وشخصيتهم القانونية والمعنوية، بحيث بات اليهود يعينون الرؤساء الموالين لهم بنسبة ٩٩,٩، بعد أن يتم اعدادهم سلفاً كقادة للأحزاب أو كشخصيات إقتصادية أو سياسية بارزة ، إذ يلاحظ المرء حالياً بأن الأغلب الأعم من الرؤساء والساسة الغربيين يعملون على عكس إرادة ومصالح شعوبهم، كما هو الحال في الحرب الأوكرانية التي تسببت بأزمة أقتصادية خانقة لأوربا، وكذلك التردد بالإستثمار في المنطقة العربية الغنية بالموارد، إرضاءً للوبي الإسرائيلي العالمي، الذي بات يتحكم بمصير شعوب القارة العجوز والعالم أجمع، وينتهك حقوق الانسان في فلسطين أمام مرأى ومسمع الجميع وبدعم غربي، ويمزق تقارير الأمم المتحدة على منصتها في أكبر إنتهاك صارخ لميثاق المنظمة الدولية "العجوز"، وعدم إحترامها من قبل المندوب "الصهيوني".

وبناء على ما تقدم، يجب على الدول العربية والإسلامية أن تعي وتعرف أعداءها، وتبلور إستراتيجيات الدفاع والأمن المشترك، والإستقرار والتنمية المستدامة، بحيث لا تسلم نفسها رهينةً لدى النظام الغربي - الصهيوني ليتم نحرها حيثما يشاء عدوها. 

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الآتي: مجلة معارج الفكر

الجمعة، 20 أكتوبر 2023

صناعة أجيال الفوضى في الشرق الأوسط

بقلم:  الدكتور زاحم محمد الشهيلي

أخذ العداء الغربي المعلن لمنطقة الشرق الأوسط أوجه مختلفة في التدمير والتخلف الفكري والعقائدي، سواءً من خلال سلب الإرادات وحقوق الشعوب في العيش بسلام، واغتصاب الأوطان، كما هو الحال مع الشعب العربي الفلسطيني، أو خلق صراعات مستدامة في عدد كبير من بلدان المنطقة لا ينطفأ تنورها، أو بالتدمير المباشر بإستخدام الآلة العسكرية، أو خلق الصراعات والحروب الداخلية القومية والطائفية، وكذلك العقائدية مثل (القاعدة) و(داعش) الإرهابية، والتي مورس فيها ابشع انواع القتل والحرمان والظلم والتشريد والقهر الاجتماعي، التي امتدت لسنين عجاف أرهقت الأجيال المتعاقبة وأفرزت أجيالاً معاقة فكرياً واجتماعياً.

إن خلق الظروف الإجتماعية غير الآمنة والقاهرة، المتمثلة بالخوف، والرعب، والحرمان، وفقدان الأمن الاجتماعي والتشريد، أدت بالنتيجة الى إدامة الفوضى الخلاقة في أغلب مجتمعات الشرق الأوسط، تجاوزت في كثير من الأحيان عقوداً من الزمن، أدت الى صناعة أجيالاً متعاقبة لا تعترف بماهية الدولة، ولا تعرف ما هي مقوماتها ومكوناتها، وتجهل النظام العام والالتزام بالقانون الذي يقوم الأخلاق العامة للفرد والجماعة، لإنها ببساطة لن تتربى على ثقافة إحترام القوانين والإلتزام بها، ولا تعير أهمية للمحافظة على المال العام والممتلكات العامة وتعدها مباحةً، إذ إنها تفتقر في ذات الوقت الى ثقافة التحضر، وباتت تؤمن بثقافة القبيلة والعشيرة والجماعات المسلحة بإعتبارها واقع حال إجتماعي ومصدر قوة للفرد والجماعة بعد غياب سلطة الدولة التي تمت مصادرتها واستباحتها وتدمير مؤسساتها الأمنية والقضائية والإدارية.

كما إن ترعرع الأجيال المتعاقبة في ظروف صعبة منذ نعومة أظافرها في عالم أقل ما نطلق عليه تسمية "عالم الغاب"، الذي ينتهك فيه القانون، ويأكل فيه القوي الضعيف، وتستباح فيه الحُرمات، وتتسيد فيه لغة السلاح على كل اللغات دون رادع، وينشط فيه التناحر السياسي والعرقي والقومي والطائفي لمصالح شخصية وفئوية، الى جانب تفشي الفساد، الذي عمق من جراحات الفوضى في جسد الكثير من دول الشرق الأوسط، كل ذلك أدى في نهاية المطاف الى صناعة أجيال الفوضى في الشرق الأوسط، التي يعول عليها قيادة الدول حين تبدأ الإزاحة الجيلية المرجوة.

وبناء على ما تقدم، فإن على دول الشرق الأوسط العربي والإسلامي أن تهتم ببناء الأجيال بناءً صحيحاً، لأن هؤلاء هم الذين سيحددون مستقبل الأمة وصورتها الحضارية، سواء كانت صالحة أم طالحة، جميلة أم مشوهة، ومدى تحضرها وتقدمها العلمي والثقافي الذي تطمح اليه الشعوب والحكومات الحية في العالم.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الآتي: مجلة معارج الفكر