بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي
يقول الله تعالى
في محكم آياته: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الكهف
46)، حيث جعل الله الابناء ثروة مكملة لثروة المال لكي تكتمل زينة حياة الانسان وتستمر،
وبذلك تستمر حياة البشرية وتتكاثر عن طريق الانجاب كسرٍ من أسرار الديمومة الإلهية
في توارث البشر، حيث يتوازى المال والبنون في كفتي الميزان الإلهي، وبذلك
باتت غريزة الانسان لا تُشبعْ أو تستقر الا من خلال الزواج وإنجاب الأطفال وتكوين
الثروة والاسرة كحاجة ملحة لديمومة الحياة، ولتكون الاسرة وفق هذا المفهوم الخلية
الأصغر المكونة للمجتمع الكبير الذي يضم في طبقاته أسر متفاوتة من حيث المال
والثقافة والعلم والجاه والمكانة الاجتماعية.
ومن هذا المنطلق،
بدأ الوالدان يتحملان العبء الأكبر لبناء الاسرة من ناحية توفير العيش الرغيد
للعائلة والاهتمام بتربية أبناءهم من عدة نواحي؛ منها الأخلاقية والعلمية
والثقافية والوطنية، الامر الذي خلق مجتمعات عالمية يتنافس فيها أبناء المجتمع
الواحد على صدارة المشهد الثقافي والعلمي، رغم ان المستوى الثقافي والعلمي
للوالدين لم يكن في ذلك الحين بذلك المستوى الذي نراه اليوم بالنسبة لمجتمعات
الشرق الادنى، لكن من ساعدهم على ذلك طاعة ابناءهم، والاخلاق العالية التي كانوا يتحلون
بها، واحترامهم لوالديهم ولبعضهم البعض، وطموحهم الكبير ورغبتهم الجامحة في تسلق
سلم العلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة، بعد ان تم اتخاذ الاب أو الأخ او المعلم او
أبن المنطقة الناجح قدوة في تحقيق الهدف.
لم تكن تربية
الأبناء صعبة من ناحية ضبط السيطرة على الاسرة بالنسبة للوالدين قبل الالفية
الثانية رغم بساطة الحياة التي كانت تعيشها العائلة، وكانت متوازنة بين حرص
الوالدين على تربية ابناءهم تربية صحيحة صالحة، وبين استجابة الأبناء واحترامهم
لآراء اباءهم ووجهات نظرهم، والحرص على تحقيق امانيهم وآمالهم، والعمل على تعويضهم
عما بذلوه من مال وجهد كبير في التربية والتعليم من خلال رد الجميل للوالدين وعدم
انكار فضلهم، أو عقوق حقوقهم، ومساعدتهم في مواجهة تحديات الحياة التي أوصى بها الله
تعالى حين قال: وَقَضَىٰ رَبُّكَ
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الاسراء 23).
تأمر الآية
الكريمة الأبناء بحسن المعاملة وبر الوالدين في كافة مراحل الحياة، وتنهي عن قول
"أُف" أو نهرهم، وتأمر بالقول الكريم والأسلوب السمح، وتُبرز مكانتهم
بعد عبادة الله مباشرة، وتؤكد أن البر لا ينقطع حتى بعد وفاتهما، مشددةً على الشكر
لهما كما الشكر لله عز وجل، حيث تربط الآية الكريمة عبادة الله بالإحسان للوالدين،
مما يرفع من مكانة الأبناء.
وتحدد الآية
الكريمة ايضاً كيفية الإحسان للوالدين عند بلوغهما سن الكبر، وهو أشد مراحل الحاجة
للرعاية، فتأمر بالقول اللين والكلام الطيب بدلاً من التأفف أو النهر، إذ يشمل
الإحسان للوالدين طوال حياتهم وبعد وفاتهم، عبر الدعاء لهما وصلة الرحم، ويُعد من
أعظم الأعمال الصالحة، كما انه يجب التحدث معهما بلطف واحترام، وتجنب رفع الصوت
عليهما أو قول ما يضجرهما، إضافة الى تلبية احتياجاتهما، والسعي الدائم اليهما،
فهذا له أجر عظيم عند الله.
لذلك نرى في
الزمن الماضي، المسمى بـ"زمن الأخلاق الفاضلة"، كان الابناء يتسابقون
على خدمة واحترام آباءهم وأمهاتهم حد القداسة حتى لو بدر منهما ما يعكر المزاج
ويكدر الخاطر، ويحاولون جاهدين ان يكونوا بمستوى المسؤولية، بارين بوالديهم امام
الله تعالى والناس، يأخذون بنصائحهم وتوجيهاتهم السديدة في الحياة، وبذلك استطاع
الوالدان ان يبنوا أُسراً عظيمة، وان ينتجوا جيلاً من العلماء والمثقفين، والوطنين
الافذاذ، الذين تركوا بصمة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وكانوا فخراً لبلدهم
وعوائلهم.
لكنه في هذا
"الزمن الاغبر"، زمن التطور التكنولوجي والعالم الافتراضي الصاخب، تغيرت
الكثير من مفاهيم التربية، وانحدرت الاخلاق وسط الفوضى الاجتماعية والثقافية
العارمة التي اجتاحت المعمورة من أقصاها الى اقصاها، حيث فقدان أغلب الابناء للتربية
الصحيحة، والشخص القدوة، وبوصلة الاحترام والتقدير لوالديهم، ولكبير العائلة،
والأستاذ المعلم في المؤسسات التربوية، وانعدمت الاخلاق، وقل الصدق والثقة بين
الناس، واصبح الولدُ نقيضاً لأبيه، ونداً له في الحياة الاجتماعية الى درجة
التطاول عليه في الكلام والاعتداء بالضرب في بعض الأحيان، وضعفت المودة وصلة الرحم
والقرابة بين أبناء الاسرة الواحدة وتشتت شملها، واصبحت الانانية والمصالح الشخصية
للأبناء هي التي تتكلم عن كيفية إدارة دفة الحياة ومصالح الاسرة والمجتمع بشكل عام.
ووفقاً لذلك،
باتت الفوضى تعم في المجتمع بعد ان مرضت الاسرة، ليسدل الستار على المبادئ والقيم،
والعادات والتقاليد العائلية التي اعتاد عليها الآباء والاجداد، لندخل في نفق
الانحدار والانحلال والتمرد الاخلاقي العائلي بسبب ظهور أجيال فوضى العالم
الافتراضي غير المنضبطين قانونياً واخلاقياً ودينياً وتربوياً، تتحكم بهم نزوات
الأنا والتمرد، ونكران الجميل، والصيرورة على حساب الآخر، التي تتعالى كثيراً على
رغبات الوالدين، اللذان أفنوا حياتهم لكي يكون ابنهم "فلان" وابنتهم "فلانه"
في مستوى اجتماعي يليق بسمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية المرموقة.
لذلك فان الله
تعالى لم يخفِ ذلك في الآية الكريمة حين قال: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ
الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ
ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف 46)، إذ تُبيّن الآية بأن الأموال
والأولاد زينة ومتاع مؤقت في هذه الدنيا، بينما الأعمال الصالحة الدائمة خير وأبقى
عند الله ثواباً وأملاً، خاصة حين اصبح الوالدان - في الوقت الحاضر - يخشون شر
ابناءهم، وما يجلبونه لهم من مشاكل لا تتفق مع الاخلاق والاعراف الاجتماعية، وكذلك
المشاكل الاسرية التي تعدت حدود الاخلاق، والتجاوز على الوالدين من قبل الابن او
البنت بكلمات نابية، وربما بالضرب في بعض الأحيان او القذف بهم في الشارع او دار
العجزة، وكأنهم لم يلدوهم صغاراً حتى اشتد عودهم وصاروا رجالاً ونساءً.
وعليه حذر الله تعالى
الآباء من الأزواج والأبناء في سورة التغابن بقوله: "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا
لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن
14)، وكأن ما نراه في العصر الحالي يتطابق مع روح القرآن الكريم، اذ تحث الآية
الكريمة على الحذر من انحراف الأبناء في الحياة الاجتماعية وتمردهم
على والديهم، مع التأكيد على أن
العلاقة الأسرية يجب أن تكون مبنية على المودة والرحمة مع إعطاء الأولوية لرضا
الله.
لذلك فان الله سبحانه
وتعالى حين امر بقتل الغلام المشار اليه في سورة الكهف كان سببه انه كان عاقاً
لوالديه، كما يعق بعض الأبناء اليوم آبائهم وامهاتهم بقسوة، واراد ان يخلصهم من
شره وارهاقه لهم: "هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَأُنَبِّئُكَ
بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا" (الكهف: 78)...
"وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن
يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن
يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81).
ان الانحدار
الاخلاقي في الوقت الحاضر جعل من بعض الأبناء لا يفكرون ملياً بصحة وسعادة اباءهم،
وانما بمصالحهم الشخصية ونزواتهم ورغبات الميراث فقط، ومحاولة التخلص من
مسؤولياتهم أمام الله والناس تجاه الوالدين والاسرة، فأما ان يتركوهم يعانون شظف
العيش وتدهور الحالة الصحية، او ان يذهبوا بهم الى دار العجزة ليجدوا الراحة
الابدية بعيداً عن آهات عائلة الابن التي تريد ان تعيش حياتها بعيداً عن معاناة
الاباء والاجداد المسنين، الذين باتوا يشدون امتعة الرحيل الى بارئهم املاً بدعاء
او ثواب قد يأتهم من الابناء لدى العزيز الكريم.
لذلك فان الجميع –
الإباء، والمؤسسات التربوية والدينية، ومنظمات المجتمع المدني - مطالب، في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، بالتحرك
وابداء الراي والمشورة والموعظة الحسنة لوضع البرامج التربوية الخاصة بتربية
الأبناء، بهدف اصلاح ذات البين لمن أراد اليه سبيلا، لان الذي يعق والديه بالتأكيد
سيعق وطنه، وسيعقه ابناءه كمسلمة حياة في المستقبل، وان اصلاح شؤون الاسرة يعد
اصلاحاً لشؤون المجتمع برمته.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق