بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي
يُعرف الباحثون في
النظم السياسية والتخطيط الاستراتيجي "الاستراتيجية" بجنبتها السياسية،
على انها علم قائم بحد ذاته يسمى "علم التخطيط"، وتعني مجموعة السياسات
والطرق والوسائل والأساليب والمناهج المنظمة، التي يتم اتباعها من قبل النظام
السياسي للدولة، والسير وفقا لها، لبلوغ الاهداف والغايات المراد تحقيقها ضمن فترة
زمنية محددة، وبأقل جهد مبذول، وفقا للموارد المالية والبشرية المتاحة. وتكون
الاستراتيجيات على عدة انواع من أهمها؛ الاستراتيجية السياسية، والإستراتيجية
الاقتصادية، والإستراتيجية الحربية، والإستراتيجية التوجيهية، والإستراتيجية الإدارية،
والإستراتيجية الاجتماعية والأمنية وغيرها، فهناك الإستراتيجية قريبة ومتوسطة الأمد،
والإستراتيجية بعيدة الامد. وغالبا ما تعتمد دول العالم الاول والثاني على مراكز
الابحاث الاستراتيجية المختصة في التخطيط الاستراتيجي لضمان نجاح استراتيجياتها في
تحقيق الغايات بعيدا عن الاجتهادات الشخصية.
وبناء على ما تقدم، لم
تكن هناك سياسة دولية مبصرة واستراتيجيات متحققة في العالم الإسلامي منذ افول نجم
الامبراطورية الاسلامية، وتحولها الى دويلات ومماليك وإمارات مستضعفة، منقسمة على
نفسها، وغير متفقة مع ذاتها، خاصة بعد حرب فلسطين عام ١٩٤٨، ودخول منطقة الشرق
الاوسط في صراع عربي- اسرائيلي- غربي مستمر، فقد غابت لدى قادة الدول العربية والإسلامية
الرؤية الاستراتيجية في التخطيط العلمي بإدارة الصراع في ماضيه وحاضره ومستقبله، بسبب
التشتت الفكري والتبعية السياسية، وانعدام الرؤية السياسية الحقيقية نتيجة الاصابة
بالعمى السياسي الاستراتيجي، بعد الهزائم المتكررة التي لحقت بهم على مر التاريخ،
والذي ولد لديهم الاحباط النفسي واليأس من تحقيق الأهداف، الذي غيب دورهم التاريخي
في البناء الحضاري الإنساني، وأمسوا مقتنعين بان سياسة التبعية والانبطاح والخنوع والإذلال، السبيل الوحيد لبقاءهم وديمومة أنظمتهم، التي تعاني من صراعات داخلية وتهديدات
خارجية، عطلت التنمية الاقتصادية والبشرية فيها، وأضحت عبارة عن محميات مصادرة
القرار السياسي، تحت وطأة ووصاية الدول العظمى مدفوعة الثمن، رغم مواردها
الاقتصادية والبشرية الهائلة، التي لم يتم استغلالها بشكل أمثل.
حيث يعزو الباحثون بروز
ظاهرة العمى السياسي الإستراتيجي، وتجذرها في جسد الشرق الاوسط الإسلامي، الى عدم
امتلاك الانظمة السياسية المتعاقبة لبلدان الشرق الاوسط لرؤى سياسية استراتيجية
فاعلة في تنفيذ السياسات وإدارة الأزمات، والاعتماد "فقط" على
الاجتهادات الشخصية ذات المستويات المتباينة، لان السياسة في واقع الحال تعد فن من
فنون التصرف الحذق، الذي يتطلب رجال خرجوا من رحم معاناة الشعوب، مهنيين أكفاء،
مفعمين بالروح الوطنية وحب الشعب، والاندفاع العالي للبناء، حُيدت في داخلهم
"حب الذات" و"الانا"، بعيدين عن الانتماءات والولاءات
الخارجية، الذين باستطاعتهم العزف بحرفية على اوتار الموت، والرقص على السنة
اللهب، فلا يدركهم الموت ولا تحرقهم النيران.
وهذه ربما ستكون مهمة "الجيل الجديد"
من قادة الشرق الأوسط، الذين يتحدثون عن العمى السياسي الاستراتيجي وهم مصابون به بالوراثة،
فتراهم يتحالفون مع الد اعداءهم ضد بعضهم البعض، كما نرى اليوم بعض القادة
المسلمين، الذين باتوا يمارسون العهر السياسي بشكل مفضوح وواضح للعيان، لا يهمهم
تدمير البلدان وخرابها وتهجير الشعوب، حيث يتجسد العمى السياسي الاستراتيجي لديهم
في انهيار منظومة الدول الاسلامية بالتعاقب، وضياع حقوق الشعب الفلسطيني حين كانت
الحلول متاحة ولم تستغل بشكل إيجابي، اضافة الى استباحة الدول الاسلامية لبعضها
البعض، وقتل وتهجير شعوبها، ليبقى الجميع
في المحصلة النهائية يهرول باتجاه سياسة التطبيع مع الكيان الصهيوني أملاً في
النجاة.
ان العمى السياسي الاستراتيجي لدول الشرق
الاوسط يتجسد ايضا بعدم الاهتمام بالفئات الاجتماعية العمرية المختلفة، وإهمال
القطاعات الاقتصادية والخدمية والعلمية والبحث العلمي والتكنولوجي، والاعتماد بشكل
كامل على دول العالم الاول والثاني في ادارة شؤونها، وتوريد الإنتاج السلعي الاستهلاكي
لها، والذي يعد نتيجة حتمية لغياب الوعي السياسي والاقتصادي والفكر الاستراتيجي
الهادف في تحديد الاولويات في التكامل الاقتصادي بين الدول العربية من جهة، ودول محيطها
الاقليمي في الشرق الاوسط من جهة اخرى، يضاف الى ذلك العمل على اذكاء الصراعات
والحروب بين الدول العربية والإسلامية لصالح دول أخرى، والذي يمهد الى انهيار
منظومة الدولة وتشريد شعبها، فتدمير بيروت بمواد شديدة الانفجار، والتمدد التركي في سورية وليبيا والعراق بدافع
اطماعها التاريخية، وقصفها للابرياء وقتلهم، ما هو الا نتيجة للعمى الاستراتيجي، وكذلك لإصابة النظام التركي بجنون
العظمة وتخبطه، الذي اعماه سياسيا واستراتيجيا من رؤية الحقائق على الأرض، والنتائج
الوخيمة التي تنتظره، والتي ستكلفه انهيار منظومة الدولة التركية برمتها مستقبلا،
الذي ستدفع ثمنه الاجيال القادمة ومنطقة الشرق الاوسط بشكل عام.
ان اشتعال المنطقة
العربية من جهاتها الشرقية والغربية، بسبب تهديدات وتدخلات
جيرانها المستمرة، جعل الدول العربية تتسابق للتحالف مع "إسرائيل" -
التي تعد في واقع الحال الد اعداء الامة العربية والإسلامية لاغتصابها حقوق الشعب
الفلسطيني بمباركة غربية - بهدف تامين الحماية لها في مواجهة الالة الحربية
التركية وعنجهية قادتها الجدد. حيث يعد ايضا التمدد الايراني الديني المسلح في
المنطقة العربية مصدرا من مصادر القلق وتأجيجا للصراعات والصدامات بين الدول الإسلامية،
التي لا تخدم المصلحة العامة للإسلام والمسلمين والدول الإسلامية بأية حال من الأحوال،
والذي لا يعده الباحثون منجزا سياسيا او فكرا يساهم في التخطيط السياسي الاستراتيجي الصحيح
لمستقبل افضل في منطقة الشرق الاوسط. لذلك فان تفضيل دمار البلدان، وموت الشعوب
وتهجيرها، وتعطيل الانتاج المحلي، على الاتفاق والصلح والسلام والتنمية البشرية
والتكامل الاقتصادي، يعد بمثابة الجري وراء سراب الوهم السياسي والفكري مدعاة
للسخرية، ونوع من انواع العمى السياسي الاستراتيجي في الشرق الاوسط الذي تمارسه الانظمة
الاسلامية في الوقت الحاضر "في حال لم تكن مأجورة ومدفوعة الثمن".
لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي:مجلة معارج الفكر
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق