الأحد، 30 أغسطس 2020

ماذا يريد الغرب من العرب؟

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي 

عمدت الولايات المتحدة الامريكية ودول القارة الباردة على اتباع اسلوب الصراع المستدام في منطقة الشرق الأوسط، ولم تدع للدول العربية فرصة لالتقاط انفاسها، وإعادة ترتيب اوراقها السياسية منذ الحروب الصليبية، حيث بنت القوى الغربية قوتها على خلافات وانقسامات الموقف العربي، والتراجع السياسي والاقتصادي والعلمي، والفكري والثقافي، والتخلف المجتمعي، وغياب الرؤية في التخطيط الاستراتيجي لأنظمة الدول العربية، وأصبحت شروطها ومطالباتها تزداد مع مرور الزمن بعد تقسيم الوطن العربي الى دويلات مستضعفة، واغتصاب فلسطين على طريقة اغتصاب الامريكان البيض لـ"امريكا" من شعبها الأصلي، بعد معارك دامية وإبادة جماعية مؤلمة للسود استمرت لسنين طويلة، والتي ما تزال اثارها السلبية تضرب في جسد المجتمع الامريكي، وبركان يتوقع المراقبون انفجاره في اية لحظة.

لذلك صار لزاما علينا ان نفكر قليلا بما يريد الاعداء منا انسجاما مع المعطيات الحالية، حيث ترى الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية - حسب قراءتنا المتواضعة للأحداث المتسارعة - بان سياستها في الشرق الاوسط قد نضجت، وحان وقت اقتطاف ثمارها، حين توفرت الفرصة المناسبة الان لإملاء شروطها بقناعة على الانظمة العربية، لرسم خارطة "الشرق الاوسط الجديد"، الذي خططت له منذ امد بعيد، والتي "ربما" تكون من اهم نقاطها:

1- ان يكون تحالف الدول العربية - "وعن قناعة" - فقط مع امريكا بشكل خاص والدول الاوروبية على وجه العموم، ويرتبط قرارها السياسي بمنظومة القرار السياسي الغربي، بحيث لا يسمح ان يكون للقوى الغربية و"اسرائيل" منافس حقيقي محلي او اجنبي في منطقة الشرق الأوسط، وعدم السماح مطلقا ببروز قوة في المنطقة تسبب ازعاجات لها وتضر بمصالحها الاستراتيجية في الحاضر والمستقبل.

2. ان تكون امريكا ودول الغرب مشرفة على مصادر الطاقة في المنطقة العربية، ولها الحق في التنقيب والاستخراج والتصدير، بحيث تكون لها "حصة النصف" في استخراج البترول وتصديره، وعلى ان تودع الاموال في المصارف الامريكية حسب التجربة الخليجية، اما ما يتبقى من عائدات البترول في الدول المنتجة فتوظف لاستثمارات الشركات الغربية دون منافس لتنفيذ المشاريع الخدمية والبنى التحتية، وما زاد عنه يوظف لدفع رواتب موظفي القطاع العام والنفقات الاخرى.

3. ان تقوم الدول العربية بعملية التطبيع "بارادتها" مع الكيان الصهيوني الغاصب للأراضي الفلسطينية، تمهيدا لإنهاء الصراع العربي- الاسرائيلي والقضية الفلسطينية برمتها، على ان يكون التطبيع بإجماع الدول العربية ومباركة أمريكية، تصادر على اساسه حقوق الشعب الفلسطيني لعام 1967، كما صودرت حقوق الامريكان السود من قبل، تماشيا مع سياسة الامر الواقع، فاما ان يقبل الفلسطينيون بالعيش مع الاسرائيليين ضمن نظام كونفدرالي، اذا ما قبل الاسرائيليون بذلك، او يتم استحداث دولة لهم لا تهدد الامن القومي الاسرائيلي كمشروع "مملكة الجبل الأصفر" ضمن صفقة القرن الامريكية ... فعملية التطبيع بدات مع مصر بالإكراه، مرورا بالأردن والإمارات، وغدا مع سلطنة عُمان والبحرين والسودان والمغرب، لتشمل بقية الدول العربية شاءت ام ابت.

حيث تأتي زيارة وزير الخارجية الامريكي مايك بومبيو الى الشرق الاوسط و"اسرائيل" في ٢٤-٨-٢٠٢٠، وتغيير وجهته الى السودان، لبدء جولة من مباحثات التطبيع مع الحكومة السودانية، مقابل مساعدة السودان في الافلات من قيود الفصل السابع وحصولها على مساعدات دولية بأمس الحاجة اليها لمعالجة الوضع الاقتصادي المنهار، تأكيدا للأخبار المتداولة عن قيام الولايات المتحدة في التحضير لعقد "قمة سلام" في الشرق الأوسط، بعد ضمان مشاركة اكبر عدد من الدول العربية والإسلامية التي تؤيد او مستعدة للتطبيع مع "اسرائيل" بمباركة امريكية.

4. ان يتم فصل الدين عن الدولة "نهائيا" في الشرق الاوسط، حسب التجربة الغربية في القرون المنصرمة، لاكمال مراحل تطور "حضارة التكنولوجيا" في السيطرة على العالم والشرق الاوسط على وجه التحديد، حيث أصبحت الطرق معبدة الان لتحقيق هذا الحلم، بسبب ما تقدمه مؤسسات التقنيات الالكترونية للشباب العربي من خدمات لا يمكن الاستغناء عنها مطلقاً، يقابله غضب الشارع العربي على المؤسسة السياسية والدينية، لغياب استراتيجيات المواجهة وإتباع ثقافة متخلفة وانهزامية، يصاحب ذلك تراجع في جميع المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والفكرية والعلمية، ناهيك عن فقدان الامن المجتمعي، واستشراء الفساد، وتكميم الافواه، وكبت الحريات، وانتهاك حقوق الانسان المستمر، التي مهدت لهجرة الشعوب العربية بحثا عن حياة افضل في الدول الاوروبية وأمريكا.

5. ان يتم تعطيل المشاريع الانتاجية في الدول العربية، وتحولها الى سوق استهلاكية للبضاعة الغربية بنوعيها "المدني" و"العسكرية"، ولا يسمح لها بالانتاج السلعي الا في حال نُقلت وسائل الانتاج من مصادرها الغربية الى دول العالم العربي بصيغة استثمارات في القطاع الخاص بعد خصخصة القطاع العام بشكل كامل، لكي تتمكن الدول الغربية من التحكم باقتصاديات الدول العربية بشكل عام.

6. ان تكون هناك اتفاقيات للتعاون الامني بين الولايات المتحدة الامريكية والدول العربية، متحدة كانت ام منفردة، وبمشاركة اوروبية واسرائيلية، والذي يتطلب وجود قواعد عسكرية امريكية في المناطق التي تراها امريكا استراتيجية بالنسبة لتواجدها العسكري في الشرق الاوسط، حيث أوجدت الولايات المتحدة الامريكية انموذجا لذلك التواجد في الشرق الأدنى، يتمثل بتجربة دول الخليج العربي المستقرة نسبيا على "راس رمح"، الامر الذي يتطلب اتباعها من قبل دول المنطقة.

حيث تعد المطالب الغربية- الامريكية، سالفة الذكر، قابلة للتفاوض مع الاطراف العربية في الوقت الحاضر، لاكمال مراحل المخطط المرسوم لـ "شرق اوسط جديد" في المستقبل القريب، وعليه فكلما تاخر العرب في التنفيذ - الذي يجب ان يكون بضمانات دولية - سيرتفع سقف المطالب طردياً، ويتم التضييق عليها وتشديد الازمات والحروب والمشاكل الداخلية والخارجية، لكي تدب الفوضى وعدم الاستقرار في جسد الشرق العربي، وتكثر الصراعات على السلطة، والانقلابات على الحكم، ويصبح القتل والتهجير اكثر شراسة وضرواة عن ما كان عليه في السابق، حتى تفقد الدول العربية ارادتها بشكل نهائي، اذا لم تكن قد اخذت احتياطاتها، وشرعت منذ زمن بعيد ببناء استراتيجيات مواجهة حقيقية تستند على تطور تكنولوجي يوازي او اقل بقليل من تقدم دول الغرب وامريكا، نابع من رحم الامة وليس مستوردا او معاد تدويره. لذلك فان العرب اليوم يقفون على مفترق طرق، واماهم خيارين لا ثالث لهما، فإما التطبيع عن قناعة نتيجة لما جنت أيديهم، او الرفض والذهاب الى الجحيم، او ان يختاروا الاثنين معاً.

ولقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي:مجلة معارج الفكر

ليست هناك تعليقات: