دراسة بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي
كيف
تصنع البيئات المستبدين، ولماذا تقدّسهم الشعوب أحياناً، وكيف يمكن كسر دائرة
الطغيان وبناء مجتمعات حرة وعادلة؟
يعرف
الطغيان إبداءً؛ بانه ظاهرة اجتماعية عابرة للحدود، تحدث عندما يعمل الفرد او الجماعة على
استغلال السلطة سواء كانت - سياسية او فكرية او عقائدية او قومية أو اجتماعية - بالشكل
الذي يتجاوز الحدود الاخلاقية والقانونية والمبادئ الانسانية، ويحول السلطة من
وسيلة لخدمة المجتمع الى اداة للإخضاع وفرض الارادات بالقوة؛ إذ لم يكن الطغيان
ظاهرة مقتصرة على شعب دون آخر، أو على دولة من دول العالم الثالث والدول النامية
على حدِ سواء، بل هو ظاهرة إنسانية وسياسية عرفتها مختلف المجتمعات، بما فيها دول
العالم الأول والثاني، وإن اختلفت أشكالها وأدواتها ودرجاتها باختلاف الظروف
التاريخية والثقافية والاقتصادية والمؤسساتية.
فالطغيان
لا يرتبط بالضرورة بالفقر أو الغنى، ولا بالتعليم أو الجهل وحدهما، ولا بنظام
سياسي بعينه، وإنما ينشأ عندما تجتمع نزعة الاستحواذ على السلطة مع غياب الرقابة
والمساءلة، وضعف المؤسسات، وتراجع الوعي المجتمعي، واستعداد بعض الأفراد والجماعات
لتقديم مصالحهم الخاصة على حقوق الآخرين ومصالح المجتمع.
إن
أخطر ما في الطغيان أنه لا يبدأ دائماً بانقلاب عسكري أو بقمع دموي معلن، بل قد
يبدأ بوعد جميل، أو خطاب عاطفي، أو شعار وطني أو ديني أو قومي، أو شخصية تقدم
نفسها باعتبارها المنقذ الوحيد من الفوضى والأزمات. ومع مرور الوقت، يتحول الوعد
إلى امتياز، والامتياز إلى احتكار، والاحتكار إلى استبداد، ثم يصبح الحاكم الذي
وصل إلى السلطة باسم الشعب أو الوطن أو الدين فوق النقد والمساءلة، ويُطلب من
الناس أن يطيعوه لا لأنه عادل، بل لأنه أصبح، في نظر أتباعه، رمزاً لا يجوز المساس
به.
ومن
هنا تبرز أسئلة جوهرية تتجاوز حدود السياسة إلى عمق الطبيعة الإنسانية
والاجتماعية: كيف تصنع البيئات المختلفة الطغاة؟ ولماذا يمنح بعض الناس ثقتهم
المطلقة لمن يسلبهم حرياتهم؟ وكيف تتحول السلطة إلى أداة للثراء الشخصي والانتقام
والإقصاء؟ ولماذا يستمر بعض الطغاة في الحكم على الرغم من فشلهم وفسادهم؟ وكيف
يسقطون؟ والأهم من ذلك كله: كيف تستطيع الشعوب أن تحمي نفسها من إعادة إنتاج
الاستبداد، حتى بعد سقوط المستبدين وتغير الأنظمة؟
إن
الإجابة عن هذه الأسئلة تتطلب شجاعة فكرية وإنصافاً أخلاقياً، بعيداً عن التبرير
للطغاة، أو تحميل الشعوب وحدها مسؤولية ما تعانيه، أو اختزال كل الأزمات في
مؤامرات خارجية. فالحقيقة أن الطغيان غالباً ما يكون نتيجة تفاعل معقد بين
الاستعدادات الفردية، والبيئات الاجتماعية، والمصالح الاقتصادية، والثقافة
السياسية، وضعف المؤسسات، والتدخلات الخارجية. ولتفكيك وفهم هذه العوامل لا بد من
البدء بالخطوة الأولى نحو معالجة الظاهرة من جذورها:
أولاً:
طغاة السلطة والبيئات التي تصنعهم
في
دول العالم الثالث والدول النامية، وكذلك في دول العالم الأول والثاني، في الوقت
الحاضر، قد يصل بعض قادة الأنظمة إلى السلطة من بيئات اجتماعية واقتصادية مهمشة أو
مضطربة، أو عبر شبكات غير شفافة من المصالح والنفوذ، مستفيدين من الأزمات
والانقسامات والصراعات، أو من ضعف مؤسسات الدولة وتراجع ثقة المواطنين بها. وقد
يسعى بعضهم، بعد الوصول إلى مراكز القرار، إلى تفكيك البنى السياسية والاقتصادية
والثقافية والأمنية التي يمكن أن تحد من نفوذهم، وإلى إضعاف المؤسسات المستقلة،
وتهميش الكفاءات الوطنية، وإحلال الولاء الشخصي محل الكفاءة والقانون.
وقد
تتداخل في بعض الحالات المصالح الخارجية مع الصراعات الداخلية، فتجد القوى
الأجنبية في بعض الشخصيات السياسية أو العسكرية أدوات مناسبة لتحقيق مصالحها،
بينما يجد هؤلاء في الدعم الخارجي وسيلة لتثبيت مواقعهم، حتى لو جاء ذلك على حساب
استقلال القرار الوطني ومصالح المواطنين. ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي التأكيد أن
الفقر أو التهميش أو النشأة في بيئة مضطربة لا تجعل الإنسان طاغية بالضرورة؛
فكثيرون ممن نشأوا في ظروف قاسية أصبحوا مناضلين من أجل العدالة والحرية، كما أن
الطغيان قد يصدر عن أشخاص نشأوا في بيئات ميسورة ومتعلمة.
إن
العامل الحاسم ليس الأصل الاجتماعي وحده، بل طبيعة الشخصية، ونوعية القيم التي
تحكمها، والوسائل التي تستخدمها للوصول إلى السلطة، والقيود المؤسسية والأخلاقية
التي تواجهها بعد الوصول إليها. فعندما تجتمع النزعة النرجسية، واحتقار الآخرين،
والرغبة في الانتقام، والجشع، وانعدام الضوابط القانونية، يصبح المنصب العام وسيلة
للإثراء والهيمنة بدلاً من أن يكون تكليفاً لخدمة المجتمع.
وحين
يظفر هؤلاء بالسلطة، يتحول التمسك بها إلى هاجس دائم، لا رغبة في مواصلة خدمة
المواطنين، بل خوفاً من فقدان المال والجاه والنفوذ، أو من المحاسبة على
الانتهاكات والفساد. وهنا تبدأ رحلة القمع والتهميش، والاستحواذ على الموارد
العامة، وإضعاف القضاء، وتقييد الإعلام، وتضييق المجال أمام القوى الوطنية الحرة.
وقد يصل الأمر إلى توظيف أجهزة الدولة ضد المواطنين، بدلاً من حمايتهم، وإلى تحويل
الوظائف العامة إلى مكافآت للأتباع وأدوات لمعاقبة المعارضين.
ثانياً:
حين يتحول الامتياز الاجتماعي إلى شعور بالتفوق والاستحقاق
ومن
طغاة السلطة أيضاً ممن نشأوا في أسر ميسورة أو في بيئات اجتماعية توفر لهم مقومات
العيش والجاه والمال والتعليم والعلاقات المؤثرة، لكنهم يحملون نزعة إلى التفوق
على الآخرين، ويعتقدون أن مكانتهم الاجتماعية أو ثروتهم أو نفوذ أسرهم تمنحهم
حقوقاً استثنائية لا يتمتع بها سائر المواطنين.
وفي
مثل هذه الحالات، تتحول السلطة إلى امتداد للامتياز الاجتماعي، ويصبح الحاكم
مقتنعاً، صراحة أو ضمناً، بأنه أحق بالقرار والثروة والنفوذ من غيره. وتبدأ رحلة
التسلط حين يرى نفسه فوق القانون، ويمنح المقربين منه امتيازات لا تتاح للمواطنين
العاديين، ويستخدم مؤسسات الدولة لضمان استمرار نفوذه ومصالح عائلته أو شبكته
السياسية والاقتصادية.
وهنا
لا يكون الطغيان نتيجة الحرمان بالضرورة، بل قد يكون نتيجة الإفراط في الامتياز،
حين يقترن بانعدام المسؤولية الأخلاقية وغياب الرقابة. فالثروة وحدها لا تصنع
الطغيان، كما أن الفقر وحده لا يصنع الفضيلة؛ وإنما تكمن المشكلة في ثقافة
الاستحقاق غير المحدود، وفي الاعتقاد بأن بعض البشر خُلقوا ليحكموا، بينما خُلق
الآخرون ليطيعوا.
وعندما
تستقر هذه العقلية في مؤسسات الدولة، يصبح الوصول إلى المنصب العام طريقاً
للاستحواذ على المال والنفوذ، وتتحول الوظيفة الحكومية إلى ملكية خاصة، ويصبح
تداول السلطة تهديداً للمصالح المتراكمة. وقد تستمر شبكات الفساد حتى بعد تغير
الحكومات والأنظمة، لأن جذور المشكلة لم تعد محصورة في شخص الحاكم، بل أصبحت ممتدة
في منظومة من المصالح والعلاقات التي تستفيد من بقاء الوضع القائم.
ثالثاً:
طغاة الشعارات المقدسة واحتكار الحقيقة
أما
النوع الآخر من الطغاة، فهم الذين يستندون إلى ما يصفونه بنضالهم القومي أو الديني
أو العرقي أو الثوري، ويعتبرون أن تاريخهم أو تضحياتهم السابقة يمنحهم حقاً دائماً
في قيادة الآخرين. وقد يكون بعض هذا النضال حقيقياً ومشروعاً، غير أن المشكلة تبدأ
عندما تتحول التضحيات الماضية إلى صك مفتوح لاحتكار السلطة، أو عندما يُستخدم
الانتماء الديني أو القومي أو العرقي كوسيلة لإسكات النقد وإقصاء المختلفين.
فليس
كل من ناضل من أجل قضية عادلة يصبح مستبداً، وليس كل من رفع شعاراً دينياً أو
وطنياً يسعى إلى الطغيان؛ لكن الخطر يكمن في تحويل القضية العامة إلى ملكية شخصية،
وتحويل تاريخ النضال إلى امتياز سياسي دائم، بحيث يصبح الاعتراض على القائد، في
نظر أتباعه، خيانة للوطن أو للدين أو للجماعة.
وفي
هذه الحالة، يتحول الطغيان إلى ما يشبه السلطة المقدسة التي لا يجوز المساس بها،
وتُعاد صياغة التاريخ بما يخدم الحاكم أو الحزب أو الجماعة، ويُمنح الموالون حق
الوصول إلى المناصب والموارد على أساس الولاء، لا على أساس الكفاءة والاستحقاق.
وقد تنتقل السلطة، فعلياً أو عبر شبكات النفوذ، إلى أفراد من العائلة أو الحزب أو
الجماعة، فتتحول الدولة من مؤسسة عامة إلى غنيمة يتقاسمها المتنفذون.
وتزداد
خطورة هذه الظاهرة حين يُخلط بين احترام الدين واحترام رجال الدين، أو بين حب
الوطن وطاعة الحاكم، أو بين التضامن مع جماعة اجتماعية وتسليم قيادتها لشخص واحد.
فالإيمان لا يبرر الظلم، والوطنية لا تعني تعطيل العقل، والتاريخ النضالي لا يمنح
أحداً حصانة من المساءلة.
إن
من أخطر أشكال الطغيان أن يُقنع الإنسان الآخرين بأن الدفاع عنه هو دفاع عن
مقدساتهم وهويتهم ووجودهم، حتى يصبحوا مستعدين للتضحية بحقوقهم وحرياتهم، بل
وبمصالح أبنائهم وأحفادهم، من أجل بقاء شخص أو جماعة في السلطة.
رابعاً:
كيف تصنع الشعوب الطغاة، ولماذا تقدّسهم رغم استعبادهم؟
إن
الحديث عن دور الشعوب في صناعة الطغاة لا يعني تبرئة المستبدين، ولا مساواة الضحية
بالجلاد، ولا تجاهل القمع والخوف والإكراه. فهناك شعوب تعيش في ظل أنظمة لا تسمح
لها باختيار حقيقي، وتستخدم ضدها الاعتقالات والتهديدات والعنف والتلاعب
بالانتخابات والمعلومات. ولذلك، فإن مسؤولية الحاكم الذي يمتلك أدوات القمع لا
تتساوى مع مسؤولية المواطن الذي يعيش تحت التهديد.
ومع
ذلك، فإن فهم أسباب قبول بعض المجتمعات بالطغيان أو الدفاع عنه يساعد على منع
تكراره. فبعض الطغاة لا يستطيعون الاستمرار بالقوة وحدها، بل يحتاجون إلى شبكات من
المصالح، وإلى خطاب يبرر سلطتهم، وإلى فئات ترى في بقائهم ضماناً لمكاسبها، أو
تخشى أن يؤدي سقوطهم إلى الفوضى أو الانتقام أو فقدان الأمن.
وقد
تبدأ صناعة الطاغية عندما يفقد المجتمع ثقته بقدرته على إدارة شؤونه بصورة مستقلة،
فيبحث عن قائد قوي يتولى حل جميع مشكلاته، ويضع آماله في شخص واحد بدلاً من بناء
مؤسسات قادرة على العمل والمحاسبة. وعندما يزداد الخوف من الفوضى أو الحرب أو
الانهيار الاقتصادي، قد يقبل بعض الناس بتقليص حرياتهم مقابل وعود بالأمن
والاستقرار، ثم يكتشفون لاحقاً أن الاستثناء المؤقت أصبح قاعدة دائمة.
ومن
العوامل التي تسهم في تقديس الطغاة أيضاً ثقافة الطاعة العمياء، والتنشئة التي لا
تشجع على السؤال والنقد، والتعليم القائم على التلقين، والتاريخ الذي يصنع من
الحكام أبطالاً لا يخطئون. ففي مثل هذه البيئات، قد يُنظر إلى النقد باعتباره قلة
احترام، وإلى الاختلاف باعتباره تهديداً، وإلى المطالبة بالحقوق باعتبارها تمرداً
على النظام الاجتماعي أو السياسي.
وقد
يستغل الطاغية حاجة الناس إلى الانتماء والاعتراف والكرامة، فيقدم نفسه حامياً
لهويتهم في مواجهة عدو خارجي أو داخلي. وكلما اشتد الاستقطاب، أصبح بعض أتباعه
أكثر استعداداً للدفاع عنه حتى في مواجهة الأدلة الواضحة على الفساد أو الظلم، لأن
الاعتراف بخطئه قد يبدو لهم اعترافاً بخطئهم هم، أو تهديداً لهويتهم ومكانتهم داخل
الجماعة.
وهناك
أيضاً من يقدسون الحاكم بدافع المصلحة المباشرة؛ إذ يحصلون على وظيفة أو عقد أو
امتياز أو حماية مقابل الولاء، فيتحول الدفاع عن السلطة إلى وسيلة للحفاظ على
المكاسب. وفي المقابل، قد يصمت آخرون لأنهم يخشون فقدان مصدر رزقهم أو تعرض أسرهم
للأذى. وبين أصحاب المصالح والخائفين والمقتنعين فعلاً بخطاب الحاكم، تتشكل بيئة
تسمح للطغيان بالاستمرار.
إن
أخطر ما يمكن أن يحدث للمجتمع هو أن ينتقل من الخضوع القسري إلى تبرير الخضوع، ومن
الخوف من الحاكم إلى الدفاع عنه، ومن الصمت لحماية النفس إلى إدانة كل من يطالب
بالحرية والعدالة. وعندها يصبح الطاغية أقوى من أجهزته الأمنية، لأنه يجد من يدافع
عنه في المجتمع نفسه.
غير
أن الشعوب ليست كتلة واحدة، ولا يجوز تحميلها ذنب الاستبداد بصورة جماعية. فداخل
كل مجتمع توجد مقاومة مدنية وفكرية وأخلاقية، وتوجد أصوات حرة تدفع ثمناً باهظاً
من أجل الحقيقة والعدالة. والمطلوب ليس إدانة الشعوب، بل مساعدتها على فهم الآليات
التي تجعلها عرضة للخداع والخوف والاستغلال، وتمكينها من بناء وعي ومؤسسات تقلل
فرص إعادة إنتاج الطغيان.
خامساً:
كيف يحافظ الطغاة على سلطتهم؟
لا
يحافظ الطغاة على سلطتهم بأداة واحدة، بل عبر منظومة متكاملة من السيطرة السياسية
والاقتصادية والأمنية والإعلامية والاجتماعية. وكلما ضعفت إحدى هذه الأدوات،
حاولوا تعويضها بأخرى، حتى يصبح بقاء النظام مرتبطاً بمنظومة مصالح ومخاوف يصعب
تفكيكها دون إصلاح مؤسسي ومجتمعي عميق.
أول
هذه الأدوات احتكار القرار وإضعاف المؤسسات. فالحاكم المستبد لا يرغب في وجود
برلمان مستقل، أو قضاء قادر على إصدار أحكام ضده، أو أجهزة رقابية تستطيع كشف
الفساد، أو إعلام يكشف الحقائق دون خوف. ولذلك، يسعى إلى إخضاع المؤسسات للقوى
الموالية له، وتغيير القوانين أو الالتفاف عليها، وإفراغ الدستور من مضمونه، مع
الإبقاء أحياناً على مظاهر شكلية للديمقراطية.
وثانيها
السيطرة على الموارد الاقتصادية. فالطاغية الذي يحتكر توزيع الثروة يستطيع مكافأة
الموالين ومعاقبة المعارضين، ويحوّل العقود العامة والوظائف والتراخيص والمساعدات
إلى أدوات للولاء السياسي. وفي الدول التي تعتمد على الموارد الطبيعية أو
الإيرادات الريعية، قد يؤدي ضعف الرقابة على عائدات الدولة إلى نشوء شبكات من
المصالح تجعل بقاء السلطة مصلحة مباشرة لفئات واسعة من المستفيدين.
وثالثها
استخدام الخوف. فالاعتقالات التعسفية والتهديد والتشهير والعنف، حين تُستخدم
لإسكات المعارضين، لا تستهدف الأفراد وحدهم، بل تبعث برسالة إلى المجتمع بأكمله
مفادها أن المطالبة بالحقوق قد تكون مكلفة. وقد يكون الخوف كافياً لدفع المواطنين إلى
الصمت حتى عندما يكونون غير مقتنعين بسياسات السلطة.
ورابعها
احتكار المعلومات وتوجيه الرأي العام. إذ يسعى بعض الحكام إلى السيطرة على
الإعلام، وتشويه سمعة الخصوم، وتضخيم الإنجازات، وإخفاء الإخفاقات، ونشر معلومات
مضللة، أو استخدام المنصات الرقمية لتغذية الانقسامات وإغراق المجتمع بالشائعات.
وحين يعجز المواطن عن التمييز بين الحقيقة والدعاية، يصبح اتخاذ القرار السياسي
الواعي أكثر صعوبة.
وخامسها
تفكيك المجتمع إلى جماعات متناحرة. فقد يستفيد الطاغية من الانقسامات الطائفية أو
القومية أو العرقية أو المناطقية أو الحزبية، ويقدم نفسه باعتباره الضامن الوحيد
لأمن جماعته، حتى لو كان هو نفسه يغذي الخوف والصراع. وكلما انشغل الناس بالخلافات
فيما بينهم، تراجعت قدرتهم على مراقبة السلطة ومحاسبتها.
وسادسها
صناعة صورة القائد الذي لا يُستغنى عنه. فيُصوَّر الحاكم على أنه الوحيد القادر
على حماية البلاد، أو تحقيق التنمية، أو منع الحرب، أو الدفاع عن الهوية. وقد
تتحول المناسبات الرسمية والخطابات والمناهج التعليمية إلى وسائل لتكريس هذه
الصورة، حتى يبدو تداول السلطة خطراً على الدولة نفسها.
وسابعها
استغلال الانتخابات والمؤسسات الشكلية لإضفاء الشرعية على الحكم. فقد توجد صناديق
اقتراع وأحزاب وبرلمانات، لكن المنافسة الحقيقية تكون مقيدة، والإعلام غير متكافئ،
والموارد العامة مسخرة لفريق معين، والخصوم معرضين للتهديد أو الإقصاء. وهكذا
تتحول الديمقراطية من وسيلة لاختيار الحكام ومحاسبتهم إلى واجهة لتجديد سلطتهم.
إن
اجتماع هذه الأدوات يجعل الطغيان منظومة تتجاوز شخص الحاكم، ويجعل التخلص منه أصعب
من مجرد استبدال شخص بآخر. لذلك فإن مقاومة الطغيان تتطلب تفكيك الآليات التي
تحميه، وليس الاكتفاء بتغيير الوجوه.
سادساً:
دور الانتهازيين والنخب في حماية الطغيان
لا
تكتمل منظومة الاستبداد من دون مساهمة بعض المنتفعين الذين يمنحونها غطاءً
اجتماعياً أو أخلاقياً أو دينياً أو إعلامياً. وقد يكون هؤلاء سياسيين أو رجال
أعمال أو إعلاميين أو مسؤولين أو شخصيات دينية أو أكاديمية أو اجتماعية، يستخدمون
مكانتهم لإقناع الناس بأن السلطة القائمة لا يجوز الاعتراض عليها.
وفي
المجال الديني، يكمن الخطر عندما يستغل بعض رجال الدين ثقة الناس بهم لتبرير الظلم،
أو لتصوير الحاكم باعتباره ممثلاً للإرادة الإلهية، أو لإضفاء الشرعية الدينية على
الفساد والإقصاء والعنف، أو لتحريم النقد والمساءلة. لكن الإنصاف يقتضي عدم تعميم
هذا الحكم على رجال الدين والمؤسسات الدينية؛ فبينهم من دافعوا عن المظلومين،
ورفضوا استغلال الدين، وتحملوا الأذى في سبيل العدالة.
المعيار
الأخلاقي هنا واضح: لا ينبغي أن تتحول المكانة الدينية إلى حصانة سياسية، ولا أن
يصبح الخطاب الديني وسيلة لتخويف الناس من المطالبة بحقوقهم. فكرامة الإنسان
والعدل ومقاومة الظلم قيم ينبغي أن تكون فوق المصالح الشخصية، كما أن رجال الدين
أنفسهم، مثل سائر أصحاب النفوذ، يجب أن يخضعوا للمساءلة القانونية والأخلاقية حين
يتجاوزون حدود مسؤولياتهم.
أما
الانتهازيون السياسيون، فيظهرون عادة عندما تتحول الدولة إلى مجال لتوزيع المكاسب.
فهم يغيرون مواقفهم وفقاً لموازين القوة، ويتقربون من الحاكم ما دام قوياً،
ويبررون أخطاءه ما داموا مستفيدين، ثم قد ينقلبون عليه عندما تضعف سلطته، لا
دفاعاً عن المبادئ بالضرورة، بل سعياً إلى موقع جديد في منظومة الحكم.
ويؤدي
بعض رجال الأعمال دوراً مشابهاً حين يبنون ثرواتهم على الاحتكار والعقود المشبوهة والعلاقات
غير الشفافة مع المسؤولين، بينما يسهم بعض الإعلاميين والمثقفين في تزييف الوعي من
خلال تحويل الدعاية إلى حقيقة، وتقديم الولاء باعتباره وطنية، والفساد باعتباره
ضرورة سياسية، والمعارضة السلمية باعتبارها تهديداً للاستقرار.
ولهذا
فإن محاربة الطغيان لا تعني محاسبة الحاكم وحده، بل تتطلب أيضاً بناء معايير واضحة
للمسؤولية العامة، والشفافية في تمويل الأحزاب والإعلام، ومكافحة تضارب المصالح،
ومنع استغلال الدين أو الهوية أو المال العام لتحقيق مكاسب سياسية خاصة على حساب
الدولة والشعب.
سابعاً:
الطغيان والتبعية الخارجية ونهب الثروات
لم
يكن كثير من طغاة السلطة بمنأى عن القوى الخارجية التي قد تدعمهم أو تتعامل معهم
أو تستفيد من استمرارهم، خصوصاً عندما تتقاطع مصالح تلك القوى مع مصالح شبكات
الحكم المحلية. فقد تلجأ بعض الدول إلى دعم سلطات استبدادية لأنها تضمن لها
امتيازات اقتصادية أو أمنية أو سياسية، أو لأنها ترى فيها وسيلة لحماية مصالحها
الإقليمية، حتى عندما يتعارض هذا الدعم مع مبادئ الديمقراطية وحقوق الإنسان التي
تعلنها.
وقد
تتعرض الدول الغنية بالموارد الطبيعية لضغوط خارجية، أو لعلاقات اقتصادية غير
متكافئة، أو لشبكات فساد عابرة للحدود، تؤدي إلى تبديد الثروات وإضعاف القدرات
الوطنية. وقد تسهم العقود غير الشفافة، وتهريب الأموال، وغسل العائدات غير
المشروعة، والاحتكارات، في حرمان المجتمعات من الموارد التي كان يمكن توظيفها في
التعليم والصحة والصناعة والبنية التحتية والتنمية البشرية.
وفي
بعض الحالات، قد تستفيد أطراف خارجية من بقاء دول ضعيفة المؤسسات، تعتمد على
الاستيراد، وتفتقر إلى التنوع الإنتاجي، وتواجه صعوبات في بناء اقتصاد تنافسي. غير
أن الإنصاف يقتضي عدم تحويل هذه الملاحظة إلى نظرية تفسر جميع الأزمات بمخطط خارجي
واحد؛ فليست كل علاقة اقتصادية استغلالاً، وليست كل دولة أجنبية معادية لمصالح
الشعوب، كما أن بعض الإخفاقات تنشأ من خيارات داخلية خاطئة وسوء إدارة وفساد
مستشرٍ.
إن
المسؤولية قد تكون مشتركة، لكنها ليست متطابقة في جميع الحالات. فالقوى الخارجية
تتحمل مسؤولية أخلاقية وسياسية عندما تدعم القمع أو تستفيد عن علم من الفساد
والانتهاكات، بينما تتحمل النخب الحاكمة مسؤولية مباشرة عندما تفرط بالموارد
العامة أو تقايض استقلال القرار الوطني بمكاسب شخصية.
والحل
لا يكون بالانغلاق عن العالم أو رفض التعاون الدولي، بل ببناء علاقات متوازنة
قائمة على المصالح المتبادلة، وتطوير الإنتاج الوطني، وتنويع الاقتصاد، وتعزيز
الرقابة على العقود العامة، واستعادة الأموال المهربة بالوسائل القانونية، وتوفير
بيئة تنافسية تحمي المستثمر النزيه وتمنع احتكار السوق.
فالدولة
القوية ليست الدولة التي تعادي الجميع، بل الدولة التي تمتلك مؤسسات كفوءة،
واقتصاداً منتجاً، وقراراً مستقلاً، ومجتمعاً قادراً على محاسبة حكامه.
ثامناً:
كيف يدمر الطغيان الدولة والمجتمع؟
حين
تتحول السلطة إلى وسيلة للهيمنة والإثراء، تتراجع فرص بناء دولة قائمة على الإنتاج
والتنمية والعدالة. وتصبح الأولوية لحماية شبكات المصالح، لا لتطوير الاقتصاد أو
تحسين الخدمات أو الاستثمار في الإنسان. وقد يؤدي ذلك إلى تعطيل الصناعة والزراعة،
وإضعاف التعليم والبحث العلمي، وتراجع جودة الإدارة العامة، وازدياد الاعتماد على
الاستيراد، حتى في القطاعات التي يمكن للدولة أن تطور فيها قدرات إنتاجية محلية.
وفي
الاقتصاد الريعي، قد تتفاقم المشكلة عندما تعتمد الدولة على إيرادات محدودة
المصدر، وتوزعها دون رقابة فعالة أو رؤية تنموية مستدامة. فبدلاً من أن تتحول
الثروة إلى استثمار في الإنسان والبنية التحتية والتكنولوجيا، تصبح وسيلة لشراء
الولاءات وتمويل شبكات النفوذ، بينما يتحمل المواطن تبعات البطالة وتراجع الخدمات
وضعف الفرص.
أما
على المستوى الاجتماعي، فإن الطغيان يزرع الشك بين المواطنين، ويضعف الثقة
بالقانون، ويشجع على الانتهازية، ويجعل بعض الناس يعتقدون أن النجاح لا يتحقق
بالكفاءة والعمل، بل بالقرب من أصحاب النفوذ. وقد تتراجع قيمة الصدق والنزاهة في
الحياة العامة عندما يرى المجتمع أن الفاسدين يزدادون ثراءً، بينما يعاقب أصحاب
الرأي المستقل أو الكفاءة المهنية على استقلالهم.
وعلى
المستوى الثقافي، يؤدي الخوف من النقد إلى إضعاف الإبداع والفكر الحر، وتتحول
المؤسسات التعليمية والثقافية إلى أدوات للتلقين، بدلاً من أن تكون فضاءات للمعرفة
والتفكير المستقل. أما على المستوى الأمني، فإن إخضاع المؤسسات الأمنية للولاء
الشخصي أو الحزبي يضعف مهنيتها، ويقوض ثقة المواطنين بها، ويجعلها عرضة للاستغلال
السياسي.
وهكذا،
لا يقتصر ضرر الطغيان على السنوات التي يحكم فيها المستبد، بل يمتد إلى الأجيال
التي ترث مؤسسات ضعيفة، واقتصاداً مختلاً، وثقافة سياسية مشوهة، وعلاقات اجتماعية
مثقلة بالخوف وعدم الثقة. ولذلك فإن سقوط الطاغية، مهما كانت أهميته، لا يكفي وحده
لإنهاء آثار الطغيان.
تاسعاً:
لماذا يتأخر سقوط الطغاة، وكيف يسقطون؟
قد
يبدو الطاغية قوياً إلى درجة توحي بأنه باقٍ إلى الأبد، خصوصاً عندما يحيط نفسه
بأجهزة أمنية موالية، وشبكات اقتصادية مستفيدة، وإعلام يضخم قوته، ومؤسسات تفتقر
إلى الاستقلال. غير أن القوة الظاهرة لا تعني بالضرورة الاستقرار الحقيقي، فقد
تكون السلطة التي تبدو متماسكة شديدة الهشاشة بسبب فقدانها الثقة العامة واعتمادها
المفرط على الإكراه.
وغالباً
ما تتراكم أسباب سقوط الطغاة عبر الزمن. فقد تبدأ بفشل اقتصادي يضعف قدرة النظام
على توزيع المنافع، أو بانقسام داخل النخبة الحاكمة، أو بتراجع ولاء المؤسسات التي
يعتمد عليها، أو بظهور فضائح فساد تكشف التناقض بين الشعارات والممارسات، أو
باتساع حركة اجتماعية تطالب بالحقوق والكرامة والمساءلة.
وقد
تسهم الأزمات الخارجية والحروب والعزلة الدولية في إضعاف بعض الأنظمة، كما قد تؤدي
التحولات داخل المجتمع، وظهور أجيال أكثر اتصالاً بالمعلومات، واتساع استقلال
النقابات والجامعات والمؤسسات المدنية، إلى تقويض احتكار السلطة للمعرفة والتنظيم.
لكن هذه العوامل لا تؤدي دائماً إلى سقوط النظام، ولا يمكن التنبؤ بنتائجها بدقة.
وفي
حالات كثيرة، يصبح الطاغية أسير المنظومة التي صنعها بنفسه. فهو يخشى الانفتاح
لأنه قد يكشف الفساد، ويخشى الإصلاح لأنه قد يهدد مصالح المقربين، ويخشى تداول
السلطة لأنه قد يعرضه للمساءلة. ومع مرور الوقت، تضيق خياراته، ويزداد اعتماده على
القمع، فيتعمق الشرخ بين السلطة والمجتمع.
وقد
يسقط الطاغية عبر انتقال دستوري أو انتخابات حقيقية، أو احتجاجات سلمية واسعة، أو
انقسام داخل النخبة، أو انقلاب، أو ثورة، أو هزيمة عسكرية، أو انهيار داخلي. لكن
سقوط الحاكم لا يعني بالضرورة انتصار الحرية؛ فقد يؤدي انهيار النظام إلى الفوضى
أو الصراع الأهلي، وقد يحل مستبد جديد محل المستبد القديم إذا لم توجد مؤسسات
قادرة على إدارة الانتقال.
ومن
هنا تبرز أهمية أن تكون غاية الشعوب ليست إسقاط شخص فحسب، بل إقامة نظام يحول دون عودة
الاستبداد، ويضمن انتقال السلطة سلمياً، ويخضع الجميع للقانون، ويحمي حقوق
المواطنين بصرف النظر عن انتماءاتهم.
إن
النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بخروج الطاغية من القصر، بل بقدرة المجتمع على منع
نشوء قصر جديد يُدار بالطريقة ذاتها.
عاشراً:
الحل يبدأ بمغادرة سياسة القطيع واستعادة العقل النقدي
من
هذا المنطلق، يصبح من الضروري أن تغادر الشعوب ما يمكن تسميته "سياسة
القطيع"، أي حالة الانقياد الجماعي التي يتنازل فيها الفرد عن مسؤوليته في
التفكير والتحقق، ويكتفي بترديد ما تقوله الجماعة أو الزعيم أو الحزب أو المرجعية
التي ينتمي إليها. ففي هذه الحالة، قد يرى البصير الحقيقة لكنه يصمت خوفاً من
الجماعة، وقد يفقد اليائس ثقته بإمكانية التغيير، بينما يتحول المتعصب إلى مدافع
عن سلطة تضر بمصالحه ومصالح أبنائه.
لكن
الخروج من هذه الحالة لا يتحقق بمجرد مطالبة الناس بأن يكونوا شجعاناً؛ فالشجاعة
الفردية وحدها لا تكفي في بيئة تعاقب النقد وتكافئ الولاء. المطلوب هو بناء شروط
اجتماعية ومؤسساتية تجعل التفكير المستقل ممكناً، وتقلل كلفة الاعتراض السلمي،
وتحمي الصحفيين والباحثين والمعلمين والنشطاء والمواطنين الذين يكشفون الفساد أو يدافعون
عن الحقوق.
وأول
هذه الشروط إصلاح التعليم، بحيث لا يقتصر على حفظ المعلومات، بل يعلّم الطلاب
كيفية التحقق من الأدلة، ومقارنة الروايات، والتمييز بين الرأي والحقيقة، واحترام
الاختلاف، ومراجعة المواقف عند ظهور معلومات جديدة. فالمجتمع الذي يتعلم التفكير النقدي
يصبح أقل عرضة لتقديس الأشخاص وتصديق الوعود غير الواقعية.
وثانيها
نشر الثقافة الدستورية والقانونية، حتى يعرف المواطن أن حقوقه ليست هبة من الحاكم،
وأن الوظيفة العامة ليست ملكاً شخصياً، وأن حرية التعبير والتنظيم والمشاركة
السياسية حقوق يجب أن تحميها مؤسسات مستقلة.
وثالثها
تعزيز الإعلام المستقل ومحو الأمية الإعلامية والرقمية، وتعليم الناس كيفية التحقق
من الأخبار والصور والتصريحات، وعدم تداول الشائعات أو المعلومات غير الموثوقة،
ولا سيما عندما تُستخدم لإثارة الكراهية أو تبرير القمع.
ورابعها
تشجيع ثقافة الاختلاف. فالمجتمع الحر ليس مجتمعاً يتفق جميع أفراده على رأي واحد،
بل مجتمع يستطيع أفراده الاختلاف دون تخوين أو تهديد أو عنف. وكلما أصبح النقد
مقبولاً، تراجعت قدرة الطاغية على احتكار الحقيقة.
وخامسها
رفض الشخصنة في السياسة. فلا ينبغي أن يُبنى مستقبل الدولة على عبقرية قائد مفترض
أو فضيلة حزب بعينه، بل على مؤسسات واضحة الصلاحيات، وقواعد قابلة للتطبيق،
وقيادات يمكن استبدالها دون أن تنهار الدولة.
إن
المجتمع الذي يسأل عن الأدلة، ويحاسب ممثليه، ويرفض منح أي شخص حصانة مطلقة، هو
مجتمع يضع أساساً حقيقياً لمقاومة الطغيان.
حادي
عشر: الحلول العملية لمنع صناعة الطغاة من جديد
إن
منع الطغيان لا يتحقق بالنوايا الحسنة وحدها، ولا بمجرد تغيير الدساتير أو إجراء
الانتخابات، بل يحتاج إلى منظومة متكاملة من الضمانات السياسية والاقتصادية
والاجتماعية والثقافية، يمكن تلخيص أهمها في المحاور الآتية:
1.
بناء مؤسسات مستقلة لا تخضع للأشخاص
يجب
أن يكون القضاء مستقلاً، وأن تتمتع الهيئات الرقابية بصلاحيات فعلية، وأن تخضع
الأجهزة الأمنية للقانون والرقابة المدنية، وأن تكون المؤسسات التشريعية قادرة على
مساءلة الحكومة. كما ينبغي ضمان تداول السلطة وفق قواعد دستورية واضحة، ومنع
احتكار القرار من قبل فرد أو حزب أو جماعة.
2.
ضمان انتخابات حرة وتنافسية
لا
تكفي الانتخابات الشكلية لمنع الاستبداد. المطلوب وجود منافسة عادلة، وإعلام
متوازن، ورقابة مستقلة، وشفافية في تمويل الحملات، وحماية حق المواطنين في
الاختيار دون ترهيب أو شراء للأصوات أو استغلال للموارد العامة.
3.
حماية حرية التعبير والتنظيم والتجمع السلمي
لا
يمكن للمجتمع اكتشاف أخطائه أو تصحيحها إذا كان النقد جريمة أو إذا كان المواطن
يخشى التعبير عن رأيه. ولذلك ينبغي حماية الصحفيين والباحثين والنقابات ومنظمات
المجتمع المدني، وضمان حق المواطنين في الاحتجاج السلمي والمطالبة بالإصلاح ضمن
إطار القانون.
4.
مكافحة الفساد وتضارب المصالح
يجب
نشر العقود العامة والموازنات والإنفاق الحكومي وفق معايير الشفافية، ومساءلة
المسؤولين عن استغلال المنصب، وتطبيق قواعد واضحة للإفصاح عن المصالح والأصول حيث
يقتضي القانون، ومنع توظيف المال العام في شراء الولاءات أو تمويل الدعاية
الحزبية.
5.
إصلاح الاقتصاد وتقليص التبعية
إن
المواطن الذي يعتمد في معيشته على رضا مسؤول متنفذ يكون أكثر عرضة للابتزاز
السياسي. ولهذا ينبغي توسيع فرص العمل، وتشجيع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتطوير
الزراعة والصناعة والتكنولوجيا، وتحسين التعليم المهني، وتنويع مصادر الدخل، وبناء
شبكات حماية اجتماعية قائمة على الحقوق لا على الولاء.
6.
تعزيز استقلال المؤسسات الدينية والثقافية عن الاستغلال السياسي
ينبغي
حماية حرية الدين والمعتقد، وضمان حق المؤسسات الدينية في ممارسة دورها المشروع،
مع رفض توظيف المقدسات لتبرير الفساد أو العنف أو إقصاء المواطنين. كما ينبغي دعم
المؤسسات الثقافية والأكاديمية التي تعزز التفكير النقدي والتسامح واحترام الكرامة
الإنسانية.
7.
ترسيخ المواطنة والمساواة أمام القانون
يجب
ألا تتقدم الهوية الطائفية أو العرقية أو القومية أو الحزبية على حقوق المواطنة
الأساسية. فالدولة العادلة لا تميز بين مواطنيها في الحقوق والواجبات، ولا تجعل من
الانتماء السياسي والديني شرطاً للحصول على العمل أو الخدمات أو الحماية
القانونية.
8.
بناء ثقافة سياسية تقوم على المساءلة لا التقديس
ينبغي
أن يتعلم المواطنون أن احترام المسؤول لا يعني إعفاءه من النقد، وأن الاعتراف
بإنجازاته لا يبرر تجاوزاته، وأن التصويت له لا يعني منحه تفويضاً غير محدود.
فالسياسي موظف عام مؤتمن على مصالح الناس، وليس قائداً معصوماً من الخطأ.
9.
تنظيم انتقال السلطة والعدالة بعد الاستبداد
عند
سقوط نظام مستبد، يجب تجنب الانتقام الجماعي والعقاب على أساس الانتماء، واعتماد
المساءلة الفردية القائمة على الأدلة والإجراءات القانونية العادلة. كما ينبغي
إصلاح المؤسسات المتورطة في الانتهاكات، وحفظ حقوق الضحايا، ومنع الإفلات من
العقاب، مع حماية الدولة من الانهيار والفوضى.
10.
دعم التعاون الدولي المسؤول
على
الدول والمنظمات الدولية أن تتعامل بجدية مع قضايا الفساد العابر للحدود، وتهريب
الأموال، وتمويل الانتهاكات، وأن تدعم المؤسسات المستقلة والتعليم والتنمية وحقوق
الإنسان. كما ينبغي ألا تتحول المصالح التجارية أو الأمنية إلى مبرر لتجاهل معاناة
الشعوب أو شرعنة القمع.
11.
تشجيع المشاركة المدنية اليومية
إن
الديمقراطية لا تُبنى يوم الانتخابات وحده، بل من خلال مشاركة المواطنين في
النقابات والجمعيات المهنية والمبادرات المحلية ومجالس المجتمع، ومتابعة أداء
ممثليهم، والمطالبة بالمعلومات، والمساهمة في حل المشكلات العامة. فالمجتمع المنظم
أكثر قدرة على مقاومة الاستبداد من مجتمع يتكون من أفراد معزولين ينتظرون الحلول
من الحاكم.
12.
حماية استقلال الفرد وكرامته
ينبغي
تعزيز قدرة الإنسان على اتخاذ قراراته بحرية، والحصول على المعلومات، وممارسة
مهنته دون ابتزاز، والعيش بكرامة دون الاعتماد على الحماية الشخصية من المتنفذين.
فكلما اتسعت مساحة الاستقلال الاقتصادي والاجتماعي للفرد، تراجعت قدرة السلطة على
إخضاعه عبر الحاجة والخوف.
ثاني
عشر: العدالة لا الانتقام، والإصلاح لا إعادة إنتاج الاستبداد
إن
المجتمعات التي تتخلص من الطغيان تواجه اختباراً أخلاقياً وسياسياً صعباً: هل تبني
دولة تحمي الجميع، أم تستبدل جماعة حاكمة بأخرى؟ وهل تحاسب المسؤولين عن
الانتهاكات وفق القانون، أم تسمح بالانتقام الجماعي الذي يعيد إنتاج الظلم بأسماء
جديدة؟
إن
العدالة لا تعني التساهل مع الجرائم، كما أن رفض الانتقام لا يعني الإفلات من
العقاب. فالمطلوب هو محاسبة عادلة وشفافة تستند إلى الأدلة، وتضمن حقوق المتهمين
والضحايا، وتمنع استخدام القضاء لتصفية الخصوم السياسيين.
كما
أن إصلاح مؤسسات الدولة يجب ألا يتحول إلى عملية إقصاء جماعي لمجرد الانتماء إلى
حزب أو طائفة أو منطقة، بل ينبغي أن يستهدف المسؤولية الفردية، والفساد المثبت،
والانتهاكات التي يحددها القانون. فالإقصاء الشامل قد يدفع قطاعات من المجتمع إلى
الشعور بالتهديد، ويهيئ الظروف لنشوء صراعات جديدة.
والأهم
أن تبقى المؤسسات أكبر من الأشخاص، وأن تُصان حقوق المعارضة، وأن يتمكن المواطن من
محاسبة الحاكم الجديد بالوسائل نفسها التي طالب بها لمحاسبة الحاكم السابق.
فالدولة التي تسمح للمنتصر بتجاوز القانون لا تكون قد انتصرت على الطغيان، بل تكون
قد غيّرت المستفيدين منه.
ثالث
عشر: المسؤولية الأخلاقية للإنسان في مواجهة الطغيان
إن
مواجهة الطغيان ليست مسؤولية السياسيين وحدهم، ولا مهمة المثقفين أو النخب أو
المؤسسات الدولية فقط، بل هي مسؤولية إنسانية مشتركة تبدأ من طريقة تفكير الفرد
وسلوكه اليومي. فالإنسان الذي يرفض الظلم عندما يقع عليه، ثم يبرره عندما يقع على
خصمه، يسهم من حيث لا يدري في إضعاف المعيار الأخلاقي الذي يحمي الجميع.
والإنسان
الذي يرفض الفساد من الآخرين، لكنه يقبله عندما يستفيد منه، يساهم في استمرار
المنظومة التي يشكو منها. والذي يدافع عن حرية التعبير لجماعته، ثم يطالب بإسكات
المختلفين معها، لا يبني مجتمعاً حراً، بل يمهد لاستبداد جديد.
ولهذا
ينبغي أن يكون المعيار واحداً، بصرف النظر عن هوية الفاعل أو انتمائه: الظلم مرفوض
سواء ارتكبه حاكم أو معارض، والفساد مرفوض سواء صدر عن حزب نحبه أو حزب نعارضه،
وحرية الإنسان لا تتوقف على مدى اتفاقنا معه.
كما
يجب رفض خطاب الكراهية والتحريض والعنف، والتمييز بين النقد السياسي المشروع
والتشهير القائم على الأكاذيب، وبين المساءلة القانونية والانتقام الشخصي. فالغاية
ليست إنتاج خصوم جدد، بل بناء مجتمع يستطيع حل خلافاته بالوسائل السلمية
والقانونية.
إن
العدالة الحقيقية تبدأ عندما نرفض أن يكون لأحد حق في ظلم الآخرين لمجرد أنه ينتمي
إلى جماعتنا، أو يشاركنا عقيدتنا، أو يرفع شعارنا، أو يعادي خصومنا.
ختاماً:
لا تسقط صناعة الطغاة إلا حين تتغير شروط صناعتهم
لقد
أثبت التاريخ، في مجتمعات مختلفة، أن الطغيان قد ينشأ في بيئات فقيرة أو غنية، وفي
دول نامية أو متقدمة، وتحت شعارات قومية أو دينية أو ثورية أو أمنية أو حتى
ديمقراطية. وقد يصل المستبد إلى السلطة عبر القوة، أو عبر استغلال الأزمات، أو من
خلال مؤسسات انتخابية تتعرض للتفريغ والتلاعب، ثم يسعى إلى تحويل سلطته المؤقتة
إلى امتياز دائم.
كما
أثبتت التجارب الإنسانية أن الطغاة لا يستمرون بالقمع وحده، بل يستفيدون أحياناً
من الخوف والمصالح والانقسامات والتضليل وتقديس الشخصيات. وقد يجدون من يدافع عنهم
حتى عندما تتعارض سياساتهم مع مصالح المجتمع، لأن الولاء للجماعة أو الخوف من
البديل أو الاعتماد الاقتصادي قد يتغلب على التفكير النقدي.
لكن
من غير المنصف أن نحمّل الشعوب وحدها مسؤولية صناعة الطغاة، أو أن نتجاهل ما تتعرض
له من إكراه وتضليل وعنف، كما أنه من غير الواقعي أن نرجع كل طغيان إلى مؤامرات
خارجية. فالمشكلة تنشأ غالباً من تفاعل عوامل داخلية وخارجية، وتتطلب معالجتها
إصلاحاً يتناول الفرد والمجتمع والدولة والعلاقات الدولية معاً.
إن
الحل لا يكمن في انتظار حاكم صالح إلى الأبد، ولا في استبدال طاغية بآخر، ولا في
تقديس حزب أو زعيم أو جماعة، بل في بناء دولة لا يستطيع أي شخص احتكارها، ومؤسسات
لا تتوقف على إرادة فرد، وقضاء لا يخضع للنفوذ، واقتصاد لا يتحول إلى غنيمة،
وإعلام لا يخاف الحقيقة، وتعليم يحرر العقل، ومجتمع يحترم الاختلاف ويحاسب ممثليه.
وعلى
الشعوب أن تدرك أن الحرية ليست فوضى، وأن المساءلة ليست خيانة، وأن الاختلاف ليس
عداءً، وأن احترام الرموز لا يعني منحها حصانة مطلقة. كما أن الاستقرار الحقيقي لا
يتحقق بإسكات المواطنين، بل بإقامة العدل وتوفير الفرص وضمان الحقوق وبناء الثقة
بين المجتمع ومؤسساته.
وعلى
النخب السياسية والدينية والثقافية والاقتصادية أن تدرك أن مكانتها لا تمنحها حق
الوصاية على الناس، وأن أي سلطة لا تخضع للمساءلة معرضة للانحراف، مهما كانت
الشعارات التي ترفعها أو الإنجازات التي تحققها.
أما
المجتمع الدولي، فعليه أن يتجاوز ازدواجية المعايير، وألا يجعل المصالح الآنية
مبرراً لدعم القمع أو التغاضي عن الفساد، وأن يدعم استقلال الدول وتنميتها وحقوق
شعوبها دون أن يحول التعاون الدولي إلى أداة للهيمنة أو الإملاء.
إن
أعظم انتصار تحققه الشعوب ليس مجرد إسقاط طاغية، بل الوصول إلى مرحلة لا يعود فيها
المجتمع بحاجة إلى طاغية كي يشعر بالأمن، ولا إلى زعيم مقدس كي يثق بنفسه، ولا إلى
وصي كي يفكر، ولا إلى حزب كي يحدد له من هو المواطن الصالح ومن هو العدو.
فالشعوب
التي تتعلم أن تسأل وتتحقق وتشارك وتحاسب، والتي ترفض الظلم حتى عندما يصدر عن
حلفائها، تصبح أكثر قدرة على حماية حريتها وكرامتها ومستقبل أجيالها.
إن
الطغاة لا يصنعهم الأشرار وحدهم، بل تساعد على صناعتهم أيضاً المؤسسات الضعيفة،
والثقافة التي تقدس القوة، والمصالح التي تبرر الفساد، والخوف الذي يعزل الناس
بعضهم عن بعض. ولا تنتهي صناعة الطغاة بمجرد سقوطهم، بل تنتهي حين يصبح العدل أقوى
من الولاء، والقانون أقوى من النفوذ، والحقيقة أقوى من الدعاية، والمواطن أقوى
بحقوقه ومؤسساته من أي حاكم يسعى إلى الاستبداد.
عندها
فقط، تنتقل الشعوب من انتظار المنقذ إلى صناعة مستقبلها، ومن عبادة الأشخاص إلى
احترام الإنسان، ومن الخضوع للأمر الواقع إلى المشاركة الواعية في بناء دولة تحمي
الجميع، وتمنح كل فرد حقه في الحرية والكرامة والعدالة.
فليس
المطلوب أن تتخلص البشرية من كل اختلاف أو صراع، بل أن تتعلم كيف تمنع اختلافاتها
من التحول إلى أدوات للاستعباد، وكيف تجعل السلطة مسؤولية مؤقتة، لا امتيازاً
أبدياً؛ وخدمة عامة، لا غنيمة خاصة؛ وأمانة يحاسب عليها صاحبها، لا قداسة تحميه من
الحساب.
وهذه
هي البداية الحقيقية لعالم أكثر إنسانية وعدلاً:
عالم لا يُقاس فيه عظم القائد بمدى خوف الناس منه، بل بمدى احترامه لحقوقهم، ولا
تُقاس فيه قوة الدولة بقدرتها على إسكات مواطنيها، بل بقدرتها على حمايتهم
وتمكينهم ومحاسبة من يتجاوز عليهم، أياً كان موقعه أو اسمه أو شعاره.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق