الثلاثاء، 18 أغسطس 2026

دور "الخط الأحمر للتوازنات الدولية" في مسار الصراع بين أمريكا وإيران


بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

لم يعد الصراع الأمريكي–الإيراني مجرد مواجهة ثنائية تدور حول البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي لطهران، بل تحول تدريجياً إلى جزء من صراع أوسع على شكل النظام الدولي وحدود النفوذ بين الولايات المتحدة والقوى الصاعدة، وفي مقدمتها روسيا والصين، ومن هذا المنظور، يمكن قراءة التطورات العسكرية والسياسية في الشرق الأوسط باعتبارها امتداداً للصراع على ما يمكن تسميته "الخط الأحمر للتوازنات الدولية"، أي الحدود الجيوسياسية غير المعلنة التي تحاول القوى الكبرى منع خصومها من تجاوزها بما يؤدي إلى اختلال جوهري في ميزان القوى.

وتكتسب إيران أهمية استثنائية في هذا السياق، ليس فقط بسبب موقعها الجغرافي وثرواتها النفطية والغازية وإشرافها على مضيق هرمز، وإنما أيضاً بسبب موقعها كحلقة وصل بين الخليج وآسيا الوسطى والقوقاز، وباعتبارها دولة ذات علاقات استراتيجية متنامية مع روسيا والصين، ولذلك فإن سقوط إيران بالكامل في الفلك الأمريكي، أو انتقالها إلى نظام سياسي موالٍ لواشنطن، لا يمكن النظر إليه من جانب موسكو وبكين باعتباره تحولاً إقليمياً محدوداً، بل باعتباره تطوراً قد يعيد رسم الخريطة الاستراتيجية في أوراسيا والشرق الأوسط، ومن هذا المنطلق يمكن تفكيك الصراع بين الغرب والشرق على النحو الآتي:

أولاً: من الحرب الباردة إلى تشكل خطوط التوازن الدولي

بدأت ملامح الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي بالظهور بصورة واضحة منذ أواخر أربعينيات القرن العشرين، بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، وتبلور نظام دولي ثنائي القطبية قاده المعسكر الغربي الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة والمعسكر الشرقي الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفيتي، بعد أن تأسس حلف شمال الأطلسي «الناتو» عام 1949 بوصفه إطاراً للدفاع الجماعي في مواجهة المخاطر التي اعتبرها الغرب تهديداً لأمنه.

وفي الشرق الأوسط، أخذ التنافس الأمريكي–السوفيتي يتسع تدريجياً مع تراجع النفوذ البريطاني والفرنسي، وشكلت أزمة قناة السويس عام 1956 نقطة تحول مهمة، إذ كشفت محدودية قدرة بريطانيا وفرنسا على فرض إرادتهما منفردتين في المنطقة، في مقابل تصاعد الدور الأمريكي والسوفيتي.

ورغم امتلاك الاتحاد السوفيتي قوة عسكرية هائلة، فإن قدرته الاقتصادية على منافسة الولايات المتحدة على المدى الطويل كانت محدودة نسبياً، خصوصاً نتيجة الدمار الهائل الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، كما تحملت موسكو أعباء اقتصادية وأمنية كبيرة نتيجة وجودها في أوربا الشرقية ومحاولتها تثبيت أنظمة حليفة لها، الأمر الذي جعل الصراع مع الغرب صراعاً عسكرياً واقتصادياً وأيديولوجياً في آن واحد.

وفي الشرق الأوسط، دخل الاتحاد السوفيتي في شراكات استراتيجية مع عدد من الدول العربية، ولا سيما مصر وسورية، في حين دعمت الولايات المتحدة إسرائيل وحلفاءها الإقليميين، ومع حرب حزيران 1967، تعرض النفوذ السوفيتي في المنطقة لضربة سياسية واستراتيجية مهمة، ولا سيما بعد الهزيمة العربية أمام الكيان الاسرائيلي، ثم جاء قرار الرئيس المصري أنور السادات عام 1972 بإبعاد عدد كبير من المستشارين والخبراء العسكريين السوفيت ليؤكد تراجع الحضور السوفيتي في مصر.

ثانياً: انهيار الاتحاد السوفيتي وإعادة تشكيل المجال الجيوسياسي

أدى تفكك الاتحاد السوفيتي عام 1991 إلى انهيار النظام الدولي ثنائي القطبية، وأصبحت الولايات المتحدة القوة العظمى الأكثر نفوذاً في العالم، وخلال عقد التسعينيات، توسع النفوذ الأمريكي والغربي في أوربا والشرق الأوسط، بينما دخلت روسيا الاتحادية مرحلة صعبة اتسمت بأزمة اقتصادية وسياسية عميقة.

وجاء احتلال العراق عام 2003 ليشكل نقطة تحول جديدة في ميزان القوى الإقليمي، فقد أدى إسقاط النظام العراقي وتفكيك مؤسسات الدولة والقوات المسلحة إلى إزالة إحدى القوى العسكرية الرئيسية التي كانت تشكل جزءاً من التوازن الإقليمي، كما تراجع النفوذ الروسي في المنطقة بصورة كبيرة، قبل أن تعود موسكو إلى الشرق الأوسط من البوابة السورية.

ومع التدخل العسكري الروسي في سورية منذ عام 2015، استعادت موسكو جزءاً مهماً من حضورها الاستراتيجي في المنطقة، ولا سيما من خلال قاعدة حميميم والمنشأة البحرية في طرطوس، إلا أن اندلاع الحرب الروسية–الأوكرانية عام 2022 استنزف جانباً كبيراً من الموارد والقدرات الروسية، وجعل الأولوية الاستراتيجية لموسكو منصبة على جبهتها الأوربية.

وفي هذا السياق، جاء سقوط نظام بشار الأسد في كانون الأول 2024 وصعود أحمد الشرع إلى قيادة المرحلة الانتقالية في سورية ليشكلا تحولاً مهماً في موقع روسيا داخل الشرق الأوسط، وتؤكد تقارير أوربية أن انشغال موسكو بالحرب الأوكرانية حدّ من قدرتها على تقديم دعم عسكري واسع للأسد خلال المرحلة الأخيرة من حكمه، قبل أن تعيد روسيا ترتيب علاقتها مع السلطة السورية الجديدة.

ومن منظور "الخط الأحمر للتوازن الدولي"، فإن تراجع النفوذ الروسي في سورية لا يعني بالضرورة خروج موسكو الكامل من المنطقة، لكنه يعني تقلص إحدى أهم حلقات النفوذ التي كانت تربط روسيا بالبحر المتوسط والشرق الأوسط.

ثالثاً: أوكرانيا وإعادة رسم الخط الأحمر في أوربا

شكلت أوكرانيا، منذ عام 2014 ولا سيما بعد عام 2022، إحدى أبرز ساحات الصراع على حدود النفوذ بين روسيا والغرب، إذ ترى موسكو أن توسع حلف الناتو شرقاً واقتراب البنية العسكرية والسياسية الغربية من حدودها يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي، وعليه فقد تحولت الحرب الروسية–الأوكرانية إلى حرب استنزاف طويلة، استنزفت الموارد العسكرية والاقتصادية الروسية والأوربية، وأعادت تقسيم القارة الأوربية إلى فضاءات أمنية متنافسة.

ومن هنا يمكن فهم أهمية أوكرانيا بالنسبة لروسيا باعتبارها جزءاً من "الخط الأحمر" الشمالي للتوازن الدولي، في مقابل اعتبار الشرق الأوسط، وبالأخص إيران والخليج العربي، جزءاً من الجبهة الجنوبية لهذا التوازن.

وعليه، فإن انتقال الضغط الأمريكي والغربي من الجبهة الأوربية إلى الجبهة الإيرانية لا يمكن فصله عن الصراع الأكبر بين القوى الدولية؛ فكلما توسع النفوذ الأمريكي في الشرق الأوسط، ازدادت الضغوط الاستراتيجية على روسيا والصين، خصوصاً إذا ترافق ذلك مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد التنافس في منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

رابعاً: إيران باعتبارها نقطة تقاطع الخط الأحمر

تمثل إيران في الحسابات الجيوسياسية الدولية أكثر من مجرد دولة إقليمية تواجه الولايات المتحدة والكيان الإسرائيلي، فهي تقع في قلب شبكة من الممرات الاستراتيجية التي تربط الخليج بآسيا الوسطى والقوقاز، وتتحكم جغرافياً في الضفة الشمالية لمضيق هرمز، أحد أهم ممرات الطاقة في العالم.

ولهذا فإن الحرب التي بدأت بالضربات الأمريكية والإسرائيلية في شباط 2026 اكتسبت منذ بدايتها بعداً دولياً يتجاوز البرنامج النووي الإيراني، فقد أدت الضربات إلى مقتل المرشد الأعلى علي خامنئي وعدد من كبار القادة الإيرانيين، فيما أعلنت الولايات المتحدة وإسرائيل أن العمليات تستهدف القدرات النووية والعسكرية الإيرانية.

لكن تطورات الحرب أظهرت أن تدمير جزء كبير من البنية النووية والقيادية الإيرانية لم يؤدِ إلى انهيار الدولة الإيرانية أو إسقاط النظام، بل دخل الصراع مرحلة أكثر تعقيداً، اتخذ فيها مضيق هرمز موقعاً مركزياً في المواجهة.

وقد أصبحت إيران تستخدم السيطرة على المضيق كورقة استراتيجية في مواجهة الولايات المتحدة، فيما تحاول واشنطن إعادة فتحه وتأمين حرية الملاحة، وبحلول 18 آب 2026، كانت الأزمة قد تجاوزت حدود المواجهة العسكرية المباشرة إلى التأثير في أسواق الطاقة العالمية؛ إذ ارتفعت أسعار النفط مع تراجع الآمال بالتوصل إلى تسوية جديدة.

وهنا تتضح أهمية "الخط الأحمر"؛ فاحتواء إيران أو إسقاط نظامها بالكامل قد يمنح الولايات المتحدة وإسرائيل مكاسب استراتيجية كبيرة، لكنه في الوقت نفسه قد يؤدي إلى انتقال النفوذ الأمريكي إلى موقع أقرب بكثير إلى المجال الحيوي الروسي والصيني.

خامساً: لماذا يصعب على روسيا والصين تجاهل الحرب الإيرانية؟

من الصعب افتراض أن روسيا والصين ستتعاملان مع الحرب الإيرانية باعتبارها أزمة إقليمية لا تمسهما مباشرة، فإيران أصبحت جزءاً من شبكة علاقات استراتيجية واقتصادية وأمنية أوسع مع موسكو وبكين، كما انضمت إلى مجموعة "بريكس" عام 2024 وتسعى إلى تعزيز علاقاتها المالية والاقتصادية مع القوى غير الغربية.

أما بالنسبة إلى روسيا، فان إيران تمثل جزءاً من عمقها الاستراتيجي الجنوبي، فيما تمثل الصين بالنسبة إلى إيران شريكاً اقتصادياً مهماً ومستهلكاً رئيسياً للطاقة، ومن ثم، فإن سقوط إيران في مجال نفوذ أمريكي مباشر سيعني، من وجهة النظر الروسية والصينية، تغيراً جوهرياً في البيئة الاستراتيجية الممتدة من الخليج إلى آسيا الوسطى.

غير أن ذلك لا يعني بالضرورة أن موسكو وبكين ستدخلان حرباً مباشرة إلى جانب إيران، فالمنطق الاستراتيجي للقوى الكبرى يقوم غالباً على تقديم الدعم السياسي والاقتصادي والاستخباري والعسكري غير المباشر، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة يمكن أن تتطور إلى حرب عالمية.

سادساً: مضيق هرمز كأداة لتثبيت الخط الأحمر

أثبتت تطورات الحرب أن مضيق هرمز أصبح إحدى أهم أدوات التوازن في الصراع، فإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة فيه لا يؤثر على الولايات المتحدة وإيران فقط، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد العالمي بأكمله.

وقد أكدت التطورات الأخيرة أن إيران تربط استمرار إغلاق المضيق بشروط سياسية وأمنية واقتصادية تتعلق بالعقوبات والحصار والمفاوضات، وفي المقابل، تصر الولايات المتحدة على ضرورة إعادة حرية الملاحة، ما جعل المضيق نقطة صراع تفاوضي وعسكري في الوقت نفسه.

وهنا يمكن القول إن إيران استطاعت تحويل موقعها الجغرافي من عامل ضعف محتمل إلى ورقة قوة استراتيجية، فرغم تعرضها لضربات عسكرية واسعة، بقيت قدرتها على التأثير في حركة الطاقة الدولية قائمة، وهو ما جعل استمرار الحرب مكلفاً ليس لإيران وحدها وإنما للقوى الدولية كافة.

سابعاً: الحراك الدبلوماسي الغربي والصيني

في خضم التصعيد، برزت سلسلة من التحركات الدبلوماسية التي تستحق القراءة من منظور إدارة الصراع لا من منظور العلاقات الثنائية فقط، فقد قام الملك تشارلز الثالث بزيارة رسمية إلى الولايات المتحدة خلال الفترة من 27 إلى 30 نيسان 2026، والتقى الرئيس دونالد ترامب في إطار العلاقات البريطانية–الأمريكية، في وقت كانت فيه الحرب على إيران تلقي بظلالها على العلاقات بين واشنطن ولندن.

وبعد ذلك، قام الرئيس ترامب بزيارة الصين بين 13 و15 أيار 2026، والتقى الرئيس شي جين بينغ في بكين، في زيارة تضمنت بحث العلاقات الثنائية والقضايا الدولية الكبر، بعدها بأيام زار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بكين والتقى الرئيس الصيني الذي استقبله بحفاوة.

ولا يمكن الجزم بأن هذه التحركات كانت مخصصة حصراً للملف الإيراني، إلا أن توقيتها يسمح بقراءتها ضمن سياق أوسع يتعلق بإدارة التنافس بين القوى الكبرى ومنع تحوله إلى مواجهة مباشرة.

وتبرز هنا أهمية الدور البريطاني بوصف بريطانيا حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة، لكنه يمتلك في الوقت ذاته خبرة تاريخية واسعة في إدارة توازنات الشرق الأوسط. ومن ثم، يمكن طرح فرضية مفادها أن لندن قد تكون معنية بمنع تحول الحرب إلى احتلال بري شامل لإيران، لأن مثل هذا السيناريو قد يؤدي إلى انهيار إقليمي واسع يصعب التحكم في نتائجه. وهذه القراءة تبقى استنتاجاً تحليلياً وليست حقيقة مثبتة بشأن وجود "خطة بريطانية سرية" لإدارة مستقبل المنطقة.

ثامناً: بين إسقاط النظام واحتواء إيران

تكشف طبيعة الحرب حتى الآن عن مفارقة استراتيجية مهمة؛ فالقوة العسكرية الأمريكية والإسرائيلية استطاعت إلحاق أضرار جسيمة بالقدرات النووية والعسكرية الإيرانية، لكنها لم تحقق بالضرورة هدفاً سياسياً نهائياً يتمثل في إنهاء النظام الإيراني، وفي المقابل، استطاعت إيران، رغم الخسائر الكبيرة، الحفاظ على قدر من القدرة على الرد والتأثير الإقليمي، ولا سيما عبر الصواريخ والتهديد الملاحي لمضيق هرمز.

وقد أدى ذلك إلى انتقال الصراع من سؤال "من سينتصر عسكرياً؟" إلى سؤال أكثر تعقيداً: ما هو الحد الذي تستطيع كل قوة بلوغه قبل أن تصبح تكلفة استمرار الحرب أكبر من فوائدها؟

وهنا يظهر مفهوم "الخط الأحمر للتوازن الدولي"؛ فالولايات المتحدة تستطيع توجيه ضربات عسكرية بعيدة المدى على إيران، لكنها قد تتردد في الانتقال إلى احتلال بري شامل لها إذا كان ذلك سيؤدي إلى حرب طويلة ومكلفة، ويمنح روسيا والصين فرصة لتوسيع تدخلاتهما غير المباشرة، ويهدد الاقتصاد العالمي.

كما أن روسيا، مهما كانت مصالحها في دعم إيران، لا تبدو راغبة في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، خصوصاً وهي تخوض حرباً مستمرة مع أوكرانيا، والصين بدورها تملك مصالح اقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة وأوربا، ما يجعلها أكثر ميلاً إلى إدارة الأزمة بدلاً من تحويلها إلى مواجهة عسكرية شاملة.

تاسعاً: السيناريو الأكثر ترجيحاً

استناداً إلى المعطيات الحالية، يبدو أن السيناريو الأكثر ترجيحاً لا يتمثل في احتلال أمريكي بري لإيران، ولا في انهيار سريع للنظام الإيراني، وإنما في تسوية مرحلية تقوم على توازن الردع والضغط والتفاوض، وقد بدأت بالفعل محاولات دبلوماسية لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، إلا أن الاتفاق المرحلي الذي أُبرم في حزيران 2026 تعثر وانتهت مهلة الستين يوماً من دون التوصل إلى تسوية نهائية.

ومن المرجح أن تتجه المفاوضات المستقبلية إلى صيغة تجمع بين: الحد من القدرات النووية الإيرانية أو إخضاعها لرقابة دولية مشددة، تقليص بعض مظاهر النفوذ الإيراني الإقليمي، إعادة فتح مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة الدولية، تخفيف تدريجي للعقوبات مقابل التزامات إيرانية محددة، إبقاء النظام الإيراني قائماً، مع إدخال تعديلات على سلوكه الإقليمي والدولي، تجنب أي وجود عسكري بري أمريكي واسع داخل إيران، ومنح روسيا والصين مساحة للحفاظ على مصالحهما الاقتصادية والاستراتيجية في إيران.

عاشراً: الاستنتاج الاستراتيجي

إن الصراع الأمريكي–الإيراني في عام 2026 لا يمكن فهمه بصورة كاملة إذا جرى اختزاله في البرنامج النووي الإيراني أو الخلاف حول النفوذ الإقليمي، فالمواجهة ترتبط بصورة أعمق بإعادة تشكيل النظام الدولي وحدود النفوذ بين القوى الكبرى.

وقد تراجعت خلال السنوات الماضية بعض المواقع التي كانت تمثل امتدادات استراتيجية للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط، كما أصبحت الجبهة الأوربية أكثر توتراً نتيجة الحرب الروسية–الأوكرانية، في الوقت الذي يتصاعد فيه التنافس الأمريكي–الصيني في آسيا والمحيط الهادئ.

وفي هذه البيئة، تمثل إيران إحدى أهم نقاط التماس في الجبهة الجنوبية للتوازن الدولي، ولذلك فإن محاولة دفع النفوذ الأمريكي إلى ما بعد إيران قد لا تُقرأ في موسكو وبكين بوصفها مجرد عملية تغيير إقليمي، وإنما بوصفها اقتراباً من حدود المصالح الحيوية للقوى المنافسة للولايات المتحدة.

وعليه، فإن "الخط الأحمر للتوازن الدولي" لا يعني حدوداً جغرافية مرسومة على الخرائط، وإنما يمثل مجموعة من الحدود الاستراتيجية غير المعلنة التي تحددها القوى الكبرى وفقاً لمصالحها الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية.

لذلك من المرجح أن تبقى إيران، خلال المرحلة المقبلة، إحدى أهم ساحات اختبار "الخط الأحمر"، فإذا تمكنت واشنطن من فرض تسوية على طهران دون إسقاط نظامها أو احتلال أراضيها، فقد يكون ذلك مؤشراً على قدرة القوى الكبرى على إعادة ضبط الصراع من خلال التفاوض والردع المتبادل.

أما إذا تجاوزت العمليات العسكرية حدود الاحتواء ووصلت إلى محاولة إسقاط الدولة الإيرانية أو احتلالها، فإن طبيعة الصراع قد تتغير جذرياً، لأن روسيا والصين لن تنظرا بالضرورة إلى ذلك باعتباره شأناً إيرانياً داخلياً، بل قد تعتبرانه تهديداً مباشراً للتوازن الاستراتيجي في أوراسيا والشرق الأوسط.

وفي هذه الحالة، لن تكون المسألة مجرد حرب بين الولايات المتحدة وإيران، وإنما اختباراً حقيقياً لقدرة النظام الدولي على منع التنافس بين القوى الكبرى من التحول إلى مواجهة شاملة.

عليه يمكن القول بأن "الخط الأحمر للتوازنات الدولية" يعمل في الأزمة الإيرانية كآلية غير معلنة لضبط سقف الصراع، فالولايات المتحدة تمتلك التفوق العسكري، وإيران تمتلك القدرة على رفع كلفة الحرب، بينما تمتلك روسيا والصين أدوات سياسية واقتصادية واستراتيجية تمنحهما القدرة على منع انهيار التوازن الإقليمي بصورة كاملة من دون الانخراط بالضرورة في حرب مباشرة.

ولهذا، فإن نهاية الحرب لن تحددها القوة العسكرية وحدها، وإنما ستحددها قدرة الأطراف على التوصل إلى صيغة جديدة لتقاسم النفوذ، تحفظ للولايات المتحدة جزءاً من مكاسبها الأمنية، ولإيران بقاء نظامها ودورها الإقليمي الأساسي، ولروسيا والصين مصالحهما الاستراتيجية، وتمنع في الوقت ذاته انتقال الصراع إلى مستوى يهدد النظام الدولي بأسره.

وبذلك تصبح إيران، ومضيق هرمز تحديداً، ليسا مجرد ساحة للصراع الأمريكي–الإيراني، وإنما إحدى أهم نقاط التوازن التي يمكن عندها أن يتوقف الصراع بين القوى الكبرى أو ينفلت إلى مواجهة دولية أوسع.

لقراءة مزيد من مقالات الكاتب :المنبر الدبلوماسي

الثلاثاء، 7 يوليو 2026

جرائم الابتزاز الجنسي السياسي: قضية جيفري إبستين إنموذجاً

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

منذ زمن بعيد والنظام العالمي قائم على الابتزاز الجنسي والاشاعات التي تمتهنها أجهزة المخابرات الغربية، والإسرائيلية بشكل خاص، وكذلك أجهزة المخابرات الفاعلة في العالم، بهدف الإيقاع بالشخصيات السياسية من الرؤساء والوزراء والشخصيات الفاعلة في المجال السياسي والاقتصادي والثقافي والاجتماعي، بحيث تعدى الامر الى ابتزاز الأشخاص العاديين بهدف توظيفهم لأغراض التجسس والحصول على المعلومات المهمة، بحيث شاعت هذه الثقافة ليمارسها ايضاً ضعفاء النفوس في المجتمعات المحافظة لتحقيق رغبات وغايات شخصية، وبذلك تم ضرب منظومة الاخلاق الاجتماعية من قبل الأنظمة السياسية المحلية والعالمية ذاتها.   

إذ تعتبر المخابرات الغربية وعلى راسها الـ CIA، وجهاز مخابرات الكيان الصهيوني (الموساد) على وجه التحديد، من الدوائر المؤسسة لهذا النهج في عملها المخابراتي الدولي، وبات معروفاً للجميع دهاء اليهود في توريط القادة والمسؤولين الكبار وممن من دونهم بأفلام جنسية، وباتت هذه الاعمال من مسلمات العقود المنصرمة، بهدف ممارسة الابتزاز واجبار الضحايا على الرضوخ لسياساتهم وتنفيذ مطالبهم ومخططاتهم الخبيثة.

وغالباً ما يكون الضحايا إما من أصحاب النوايا الحسنة أو أكثرهم من الطامعين بالمال والمناصب، والجاه والسلطان، ومحبي حياة الترف والرفاهية، الذين يعدون كنقاط استقطاب وجذب من قبل رجالات الامن والمخابرات الاجنبية لابتزازهم وتجنيدهم لهذا الغرض، حيث كان بعضهم صيداً سهلاً، خاصة المصابين بعاهات وامراض نفسية، يتم معالجتها من خلال الاستئناس بأذية الاخرين، وآخرون يجدون متعتهم في إيذاء القاصرات والقاصرين والاطفال من بني البشر.

لذلك يلاحظ بان موضوع الابتزاز الجنسي السياسي، في قضية جيفري إبستين على وجه التحديد، أمسى متعدياً مسالة ارتكاب المخالفات مع الكبار، وانما بممارسة الرذيلة مع صغار القاصرات حتى يكون الجرم أكثر مأساوية وضرراً بالمستهدفين حين ينكشف الامر الى الراي العام.  

وبذلك استطاعت المخابرات الغربية و(الموساد) الصهيوني ان تصنع من المجرمين وشذاذ الفكر والاخلاق والمعدومين اجتماعياً قادة ورؤساء دول ومنظمات دولية، وشخصيات مؤثرة في الساحة الدولية، منقادين من قبل تلك الاجهزة لخدمة المصالح الغربية والصهيونية، وأدوات لتأجيج الصراعات بين الدول وتقويض الاستقرار والسلم المجتمعي.        

ومن هذا المنطلق، باتت الصهيونية العالمية تسيطر على مصادر القرار في الدول الغربية، ومنها أمريكا، والكثير من دول العالم الأخرى، التي ستكشف اسرار قادتها في قضايا لاحقة، ستبدأ من بريطانيا برفع السرية عن الوثائق المتعلقة بسياسيين ودبلوماسيين بريطانيين متورطين بقضية إبستين، والتي ربما ستكون أكثر إلاماً وصداً وتأثيراً في الراي العام لأنها تمس حياة الناس اليومية بشكل مباشر، لكنها ستمر مرور الكرام كسابقاتها من جرائم الابتزاز الجنسي، التي كثيراً ما تكون ادواتها من الطبقات الاجتماعية الفقيرة والمتوسطة، والتي لا تمتلك التأثير الحقيقي على رجالات القضاء وصناع القرار في المطالبة بحقوقها. 

فرغم مأساويتها الإنسانية، لم تعد جرائم الابتزاز الجنسي السياسي تجدي نفعاً او مصدراً حقيقياً للخوف والقلق بالنسبة للكثير من الضحايا والفاعلين في المجال السياسي، خاصة قادة الإدارات الغربية، المنحدر من بيئة الشذوذ الجنسي، وصالات القمار، وحياة المجنون والمضاربات، وكل الرؤساء والمسؤولين المتورطين بقضايا جنسية في دول الشرق والغرب، خشية ان ينفضح أمرهم ويساء لسمعتهم، كما هو الحال في قضية إبستين سيئة الصيت.

ذلك، لان الجرائم البشعة التي يتم تداولها في وسائل التواصل الاجتماعي لغير السياسيين من الاغتصاب والتحرش الجنسي، وافلام المحتوى الهابط، والجرائم الالكترونية، قد غطت على وقع جريمة الابتزاز الجنسي السياسي في نفوس الناس، وأصبح التعامل معها بشكل اعتيادي لا يدعو الى الاستغراب والاحتجاج من قبل الضحية أو الرأي العام.

لذلك جاء قرار رفع السرية عن قضية جيفري إبستين من قبل وزارة العدل الامريكية بأمر من الرئيس دونالد ترامب لفضح كل الملابسات التي تقوم عليها سياسة الابتزاز الجنسي في العالم، ولكي تكشف الاوراق ويخرج الجميع من تحت عباءة الابتزاز والخوف والقلق الى فضاءات عالم جديد تحكمه امريكا بلا خوف او تحكم من قبل الدولة العميقة التي سيطرت على مصادر القرار السياسي لسنين طويلة.  

عليه فإن الشيء القريب الى التصورات البعيدة، أن أمريكا بقيادة ترامب لم تعد تنظر بجدية الى مصالح الاخرين مثل الكيان الاسرائيلي والدول الاوربية كبعد استراتيجي لها، قائم على التحالفات والمنفعة المتبادلة في إدارة العلاقات والتحالفات، والصراعات والازمات الدولية، وإنما افرزت سياسة عالمية جديدة قائمة على الاحادية القطبية الامريكية كأقوى امبراطورية في العالم لها ادواتها القذرة في إدارة الصراع العالمي.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب: المنبر الدبلوماسي     

الثلاثاء، 23 يونيو 2026

الحياة الكذبة: حين يصبح الاستقرار وهماً والمستقبل خيالاً

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

منذ فجر التاريخ والإنسان يسعى إلى حياة أفضل، مدفوعاً بالأمل في تحسين واقعه وتأمين مستقبل أبنائه. وقد ارتبط هذا السعي بفكرة إعمار الأرض وتحقيق السعادة والاستقرار والعيش الكريم، وهي غاية مشتركة بين مختلف الشعوب والحضارات. غير أن قدرة الإنسان على رسم مستقبله لم تكن دائماً رهناً بإرادته وحدها، بل كثيراً ما خضعت لقرارات النخب السياسية والاقتصادية التي أدارت شؤون المجتمعات، فكان أثرها حاسماً في صناعة الازدهار أو إنتاج التراجع والانهيار.

وعلى امتداد التاريخ، شهدت البشرية حروباً وصراعات كبرى أودت بحياة الملايين وأعاقت مسيرة التقدم الإنساني. إلا أن الفارق الجوهري بين المجتمعات لم يكن في تعرضها للأزمات فحسب، بل في قدرتها على بناء مؤسسات قوية قادرة على تجاوزها. فبينما استطاعت دول عديدة تحويل تجاربها المريرة إلى فرص للنهوض، بقيت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط أسيرة دوامة من الأزمات المتكررة التي تجعل المستقبل غامضاً ومفتوحاً على احتمالات عدم الاستقرار.

ومن هنا يمكن وصف واقع كثير من شعوب المنطقة بما يمكن تسميته بـ"الحياة الكذبة"، وهي ليست حياة تقوم على الخداع المباشر بقدر ما تقوم على وهم الاستقرار. ففي هذه البيئة يعيش الفرد وهو غير قادر على الاطمئنان إلى مستقبله أو مستقبل أبنائه، لأن المكاسب التي يحققها المجتمع أو الفرد يمكن أن تتبخر خلال فترة قصيرة نتيجة حرب أو اضطراب سياسي أو انهيار اقتصادي أو تدخل خارجي. وبذلك تصبح الحياة اليومية محكومة بحالة من القلق المستمر، ويتحول التخطيط للمستقبل إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

ولا تعود هذه الظاهرة إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. فضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، وغياب العدالة في توزيع الثروة، وتراجع جودة التعليم، واستمرار النزاعات السياسية والطائفية والعرقية، كلها عوامل تؤدي إلى إضعاف الثقة بين المواطن والدولة. كما أن التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية حول النفوذ والموارد جعلت العديد من دول المنطقة ساحات مفتوحة للتنافس الدولي، الأمر الذي حدّ من قدرتها على بناء مشاريع تنموية مستقلة ومستدامة.

وفي ظل هذه الظروف تتعرض المنظومة الاجتماعية نفسها إلى التآكل التدريجي. فحين يفقد الإنسان ثقته بالمؤسسات والقوانين، يبدأ بالبحث عن بدائل توفر له الحماية أو المنفعة، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو حزبية أو خارجية. وعندما تصبح المصالح الضيقة بديلاً عن المواطنة، تتراجع قيم التضامن الاجتماعي ويضعف الشعور بالانتماء الوطني، لتدخل المجتمعات في دائرة مغلقة من عدم الاستقرار.

وفي المقابل، فإن المجتمعات التي نجحت في تحقيق مستويات عالية من الرفاه والاستقرار لم تصل إلى ذلك عبر الصدفة أو التفوق الثقافي، بل من خلال بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون وتكافؤ الفرص والاستثمار في الإنسان. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، ولا بالشعارات السياسية، وإنما بوجود عقد اجتماعي يشعر فيه المواطن بأن حقوقه مصانة وأن مستقبله مرتبط بنجاح دولته واستقرارها.

إن الخروج من "الحياة الكذبة" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل البنيان. ويشمل ذلك تطوير منظومة التعليم والتربية لترسيخ قيم المواطنة والعقلانية والتسامح، ومحاربة الفساد بوصفه العدو الأول للتنمية، وتنويع الاقتصاد لتقليل الاعتماد على الموارد الريعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تمنح الأفراد شعوراً بالمساواة والانتماء. كما يتطلب بناء مؤسسات سياسية فاعلة تمتلك الإرادة والكفاءة لحماية السيادة الوطنية وإقامة علاقات خارجية متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة واحترام الاستقلال الوطني.

إن أزمة الشرق الأوسط ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسات خاطئة يمكن معالجتها بالإرادة والإصلاح. وعندما تنجح الدولة في بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتوفر الأمن والعدالة والفرص الاقتصادية، تتحول الحياة من حالة انتظار دائم للأزمات إلى حالة من الاطمئنان والتخطيط للمستقبل. عندها فقط تنتقل شعوب المنطقة من "الحياة الكذبة" إلى حياة حقيقية قوامها الاستقرار والثقة والتنمية، وتصبح قادرة على صناعة مستقبل يليق بإمكاناتها البشرية والحضارية الكبيرة.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: الحياة الكذبة: حين يصبح الاستقرار ومهماً والمستقبل خيالاً

الأربعاء، 17 يونيو 2026

خطة عمل للإصلاح الاقتصادي ضمن البرنامج الحكومي العراقي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يمكن ان تقوم خطة العمل للإصلاح الاقتصادي في العراق على ستة محاور رئيسية مترابطة مع بعضها، بحيث تجمع بين مكافحة الفساد، وتعظيم الإيرادات، وتنويع الاقتصاد، وتحفيز الإنتاج الوطني، وخلق فرص العمل.

أولاً: الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد

يُعد الفساد أحد أهم معوقات التنمية الاقتصادية، لذلك ينبغي اعتماد سياسة "المعالجة الهرمية للفساد"، من خلال:

1.    تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية.

2.    إخضاع كبار المسؤولين والدرجات الخاصة لنظام الإفصاح المالي والرقابة الدورية.

3.    أتمتة الإجراءات الحكومية والتحول الرقمي للحد من الاحتكاك المباشر وتقليل فرص الفساد.

4.    تفعيل مبدأ الثواب والعقاب وربط الترقية الوظيفية بمؤشرات الأداء والنزاهة.

5.    مراجعة العقود الحكومية الكبرى وتدقيقها وفق معايير الشفافية والحوكمة.

ثانياً: تعظيم موارد الدولة وحصر الإيرادات العامة

يهدف هذا المحور إلى تعزيز قدرة الدولة المالية وتقليل هدر المال العام، وذلك عبر:

1.    حصر جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية وإيداعها مباشرة في الخزينة العامة.

2.    تطوير النظام الضريبي والجمركي وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة.

3.    مكافحة التهرب الضريبي والجمركي باستخدام الأنظمة الإلكترونية الحديثة.

4.    إعادة تقييم أصول الدولة واستثمارها اقتصادياً.

5.    إنشاء قاعدة بيانات مالية موحدة لجميع الإيرادات الحكومية.

ثالثاً: التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي

يتطلب الإصلاح الاقتصادي الحقيقي تقليل الاعتماد على النفط باعتباره مورداً أحادي المصدر، من خلال:

1.    إعداد استراتيجية وطنية للتنويع الاقتصادي تمتد لعشر سنوات.

2.    إعطاء الأولوية لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية.

3.    تشجيع الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

4.    دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وربطها بسلاسل الإنتاج الوطنية.

5.    تطوير البنى التحتية الداعمة للإنتاج والاستثمار.

رابعاً: إعادة إحياء القطاع المختلط

يمثل القطاع المختلط أداة مهمة لتحقيق التوازن بين دور الدولة وآليات السوق، وذلك عبر:

1.    تأسيس شركات إنتاجية مختلطة تمتلك الدولة فيها نسبة (51%) والقطاع الخاص (49%). مع تفعيل نظام الحوافز وطرح الاسهم للعاملين.

2.    توجيه هذه الشركات نحو الصناعات الاستراتيجية والسلع الأساسية.

3.    استثمار الطاقات المعطلة للمصانع الحكومية وإعادة تأهيلها بالشراكة مع القطاع الخاص.

4.    توفير بيئة قانونية وإدارية جاذبة للاستثمار الوطني.

5.    ضمان الرقابة الحكومية على التوجهات الاستراتيجية والإنتاجية للمشروعات.

خامساً: التشغيل والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية

يركز هذا المحور على التنمية البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاجية فاعلة من خلال:

1.    ربط مخرجات التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل.

2.    استيعاب الخريجين وأصحاب المهارات الفنية في المشاريع الإنتاجية الجديدة.

3.    إنشاء مراكز للابتكار والبحث والتطوير داخل المؤسسات الصناعية.

4.    تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للمشروعات التي تعتمد التكنولوجيا الحديثة.

5.    دعم برامج الجودة والمواصفات القياسية لرفع تنافسية المنتج العراقي محلياً ودولياً.

سادساً: ضبط الاستيراد وحماية المنتج الوطني

لضمان نجاح التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي ينبغي:

1.    تنظيم الاستيراد وفق الحاجة الفعلية للسوق.

2.    تشديد الرقابة على التحويلات المالية الخارجية المرتبطة بالاستيراد.

3.    مكافحة عمليات غسل الأموال والتلاعب بالفواتير التجارية.

4.    تطبيق سياسة حماية ذكية للمنتج الوطني دون الإضرار بالمنافسة المشروعة.

5.    إعطاء الأفضلية للمنتجات الوطنية في المشتريات الحكومية.


لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: المنبر الدبلوماسي

 

الجمعة، 12 يونيو 2026

قراءة استشرافية في مستقبل العلاقات الاوربية - الامريكية

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُبنى التحالفات الاستراتيجية بين الدول الكبرى عادةً على أسس راسخة من الثقة المتبادلة، والالتزام بالمعاهدات والاعراف الدولية، وتوافق المصالح بعيدة المدى. إلا أن التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، لاسيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، أثارت تساؤلات داخل الأوساط الأوربية بشأن مدى استمرارية الالتزام الأمريكي التقليدي بأمن أوروبا ومصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة المتبادلة بين ضفتي الأطلسي.

وفي هذا السياق، برزت داخل أوربا دعوات متزايدة لتعزيز مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، بما يتيح للقارة الأوربية امتلاك قدر أكبر من القدرة على التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. ومن هنا بدأ الحديث عن ضرورة انتقال أوربا من صورة "القارة العجوز" إلى فاعل دولي أكثر قوة وتأثيراً في النظام الدولي المتشكل حديثاً.

ولا يعني هذا التوجه بالضرورة حدوث قطيعة أو عداء بين أوربا والولايات المتحدة الامريكية، إذ مازالت المصالح المشتركة والمؤسسات العابرة للأطلسي، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشكل ركائز مهمة للعلاقة بين الجانبين. غير أن المؤشرات الحالية تدل على سعي أوربي متزايد لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أساس قدر أكبر من التوازن والاستقلالية.

وتواجه أوربا في هذا المسار تحديات اقتصادية كبيرة تحد من سرعة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية. فقد أدت الحرب الروسية – الأوكرانية إلى تداعيات اقتصادية واسعة، من بينها تراجع الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية منخفضة الكلفة، والانتقال إلى بدائل أكثر كلفة، فضلاً عن تأثر الاستثمارات الأوربية في روسيا والأسواق المرتبطة بها. كما أن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض مناطق الشرق الأوسط وأجزاء من العالم النامي أسهمت في تقليص فرص التوسع الاستثماري الأوربي في تلك الأسواق.

وفي المقابل، اتجهت العديد من الدول الأوربية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الصين، انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية وتجارية بحتة، الامر الذي أوجد تباينات في بعض الملفات الاقتصادية بين أوربا والولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع بكين.

وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أن العلاقات الأوربية – الأمريكية تتجه نحو مرحلة جديدة تختلف عن الصيغة التي سادت خلال العقود الماضية. فحتى مع تغير النهج السياسي للإدارات الأمريكية في المستقبل، من المرجح أن يستمر التوجه الأوربي نحو تعزيز قدراته الذاتية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب من الاوربيين اعتماد استثمارات ضخمة، وإصلاحات هيكلية طويلة الأمد، وإعادة بناء القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية الأوربية، وهي عملية قد تستغرق سنوات عديدة بعد عقود طويلة من الاعتماد النسبي على المظلة الأمنية الأمريكية والتمتع بفترات ممتدة من الاستقرار والرخاء الاقتصادي لبلدان القارة الاوربية.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي:صحيفة معارج الفكر 

 

 

الجمعة، 5 يونيو 2026

الأُمــية الوظيفية - التحدي الخفي في بناء الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي يمتلك فيها الفرد القدرة الشكلية على القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى القدرة الحقيقية على فهم النصوص واستيعاب مضامينها وتحليلها بصورة عميقة، فضلاً عن محدودية قدرته على إنتاج نصوص متماسكة فكرياً ولغوياً. وتُعد هذه الظاهرة من التحديات المعاصرة التي لا تقتصر على مجتمع أو دولة بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية والثقافية.

ولعل ما يثير الدهشة أن الأمية الوظيفية قد تنتشر بين أشخاص يحملون شهادات علمية أو يتمتعون بقدرة ظاهرة على القراءة والكتابة، إلا أنهم يعجزون عن استيعاب المعاني الكامنة وراء النصوص، أو توظيف المعرفة في التحليل والاستنتاج واتخاذ المواقف السليمة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف الوعي، وقصور الإدراك، وتراجع الدافعية نحو التعلم المستمر، فضلاً عن الاتكالية والكسل الفكري اللذين يؤديان إلى انكماش القدرات الذهنية وتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

إن القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسليم من الناحيتين اللغوية والفكرية ليست مهارة متساوية لدى جميع الأفراد، بل تتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة والخبرة والبيئة المحيطة. ومن هنا تصبح الأمية الوظيفية عائقاً بنيوياً يحد من فاعلية الإنسان في أداء أدواره الاجتماعية والمهنية، وقد تنعكس آثارها سلباً على ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه، الأمر الذي قد يفضي إلى مشكلات نفسية وشعور بالعجز أو الإحباط.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الظاهرة ينبغي ألا يقود إلى تصنيف البشر بين أذكياء بالفطرة وضعفاء بالفطرة، فالفروق الإنسانية أكثر تعقيداً من هذا التصور المبسط. فالإنسان يمتلك طاقات وقدرات كامنة يمكن أن تزدهر أو تتراجع تبعاً للظروف التي يعيشها. فحين تتوافر بيئة سليمة قائمة على العدالة والاحترام والتحفيز، تتفتح ملكات الإبداع والفهم والتحليل لدى الفرد، ويصبح أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء. أما عندما يتعرض للتهميش أو القهر أو الحرمان من الحقوق والفرص لفترات طويلة، فقد تتراجع قدراته الذهنية والنفسية، ويصبح أقل قابلية للتفاعل الإيجابي مع المعرفة والحياة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمية الوظيفية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي قضية اجتماعية وثقافية ونفسية ترتبط بجودة البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالتربية السليمة، والتعليم النوعي، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن مسؤولية مواجهة الأمية الوظيفية تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، فضلاً عن مسؤولية الفرد تجاه تطوير ذاته وتنمية قدراته. فبناء مجتمع متماسك ومزدهر لا يتحقق بمجرد نشر التعليم الشكلي، بل يتطلب ترسيخ ثقافة الفهم العميق، واحترام العقل، وتنمية مهارات التحليل والاستنتاج والإبداع.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مكافحة الأمية الوظيفية تمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأنها تسهم في إطلاق طاقاته الكامنة وتحويلها إلى قوة إيجابية تدفعه نحو تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء إنسان واعٍ وقادر على الفهم والتفكير هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.