الثلاثاء، 27 يناير 2026

المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف

 بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تصنف المجتمعات البشرية من قبل المختصين في النظم السياسية والاقتصادية على انها مجتمعات "مستوطنات بشرية"، "مجتمعات هشة"، مجتمعات متخلفة"، "مجتمعات نامية"، و"مجتمعات متطورة"، التي تسمى ايضاً "مجتمعات العالم الاول".

ان البناء المؤسسي الصحيح للإنسان من قبل السلطة في دول العالم الاول، والذي يعد عملية استراتيجية لتطوير القدرات البشرية، أفرز مجتمعات ذات شأن، محصنة من الاختراق ومتطورة من النواحي العلمية والحضارية والفكرية، قائمة على مبادئ احترام الوقت والقانون، والتعايش السلمي، والايمان بالمنافسة العادلة، وزيادة الانتاج وتحسين نوعيته، وهذا الامر لم يأت اعتباطاً وانما نتاج لعدة عوامل من أهمها؛ الاستغلال الامثل للثروات والموارد الاقتصادية المتاحة، والاستثمار في راس المال البشري، واستخدام التكنولوجيا في قطاعات الحياة الاجتماعية، مما ادى الى تحقيق تقدماً شاملاً في مجالات البنى التحتية والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والاقتصاد والعدالة القضائية، إضافة الى توفير فرص العمل بعد اقامة المشاريع الإنتاجية الضخمة، والاهتمام بالعلم والكفاءات العلمية والثقافية، والتركيز على المؤسسات التربوية وبرامج الاندماج ووحدة اللغة لتنمية الروح الوطنية والانتماء الوطني.

الامر الذي أنتج مجتمعات صحية، انجبت حكومات قوية خالية من الفساد والمحسوبية، انتجت دولاً قوية انخفضت فيها الاصوات وقل الكلام، وارتفعت وتيرة العمل والإنتاج، واختفت الى حدٍ كبير المظاهر العشائرية والقبلية والقومية والعرقية والدينية، بعد ان تحققت العدالة الاجتماعية، وأصبح القانون القاسم المشترك بين ابناء المجتمع الواحد، بحيث أمست هذا المجتمعات والدول ملاذاً آمناً للنازحين والمهاجرين من المجتمعات الهشة والدول الفاشلة الى دول العالم الاول.   

أما في المجتمعات الهشة والدول الفاشلة، فيعاني الانسان من الاهمال وعدم الاهتمام من قبل السلطة، وتعيش المجتمعات بشكل عام حياة الفقر المدقع والبطالة، وانعدام الامن والامان، وضعف التماسك الاجتماعي والتفكك الاسري، وعدم المساواة بين المكونات الاجتماعية، وانتشار العدمية والايمان بالخرافة، وغياب التسامح والقبول بالتعددية، واستشراء الفساد، واستبداد السلطة، وكثرة الاضطرابات والصراعات الداخلية والكوارث الطبيعية والإنسانية نتيجة ضعف المؤسسات الحكومية، وعدم قدرة الدولة على الإصلاح واجراء التغييرات لتحقيق تطلعات أبناء المجتمع، خاصة في دول الشرق الاوسط وأفريقيا وامريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي وغيرها، ذات الموارد الاقتصادية والبشرية الكبيرة غير المستغلة، والتي غالباً ما تكون مخترقة والولاء فيها للأجنبي وللمجموعة والقبيلة والطائفة والقومية والعرقية اكثر من الولاء للوطن. 

كما يكون بناء الانسان في المجتمعات الهشة عشوائياً، قائم على اساس ادامة الفقر وتبديد الثروة والموارد الاقتصادية، وإهمال التربية والتعليم وتركها لجهود رب الاسرة، وذلك لعدم وجود مؤسسات تربوية حقيقية تحتضن الفرد وترتقي به من الروضة الى الابتدائية ومنها الى الإعدادية والجامعة، ضمن برامج علمية وتربوية مدروسة، الامر الذي خلق مجتمعات معاقة فكرياً وثقافياً وانسانياً، تعاني من الفقر المدقع والجوع، وانعدام الناتج المحلي والنتاج الفكري والعلمي، الذي يعطيها الأهلية القانونية والمعنوية في كيفية التعامل مع الظواهر الاجتماعية والازمات والتحديات المحيطة بها، وعرضة للتأثر بالمحيط الخارجي للدولة وبالروحانيات كبيئة جاذبة، تساعد على خلق مجتمعات هشة غير قادرة على انتاج اجيال قيادية لديها القدرة على تقديم ما هو إيجابي وافضل عند تسلم السلطة، باعتبارها نتاج للحرمان وارهاصات الخوف والفقر والتناقضات التاريخية السلبية التي زرعت ونمت في شخصية الانسان المتصدي للعملية السياسية في هذا المجتمع الهش او تلك الدولة الفاشلة. 

في المجتمعات الهشة، ترتفع الاصوات ويكثر الكلام والخمول معاً، ويقل العمل وينعدم الانتاج، وتزداد البطالة المقنعة، ويتم الاعتماد على الاستيراد بشكل كبير بعد ان يجبر الانسان على فقدان الثقة بنفسة كمنتج، حيث ينتظر القائمون على السلطة من الدول المتقدمة، التي تتربص بهم، تقديم العون والمساعدات المادية والمعنوية لإعادة هيكلة وبناء دولهم، وكأنه واجب حتمي عليها، من حيث لا يعلم السذج من القوم، بانه "لكل حادث حديث"، و"لكل شيء ثمن"، لذلك فان المجتمعات الهشة لا تنتج قيادات حقيقية تلبي حاجات الشعب والوطن الذي غالياً ما يكون منقوص السيادة، وانما تنتج دولاً فاشلة.  

ان عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية وغياب السلطات الرقابية الامنية والقضائية، التي تعمل على المحاسبة ومعالجة السلبيات وتنمية الايجابيات لتحقيق الازدهار والرفاه الاجتماعي، وتحجم الى حدٍ ما مصالح الطبقة المهيمنة على السلطة والمال والجاه، خلق مجتمعات عالمية هشة مصنفة أممياً كـ"مستوطنات بشرية" و"مجتمعات فقيرة"، متخلفة فكريا ومتأخرة حضارياً ومتشددة قومياً وعقائدياً ضمن منظومة دول فاشلة، اصبحت باباً من ابواب الفساد المحلي والدولي، تعد في آن واحد مدعاة للتعاطف، والسخرية، والرأفة، وعدم الاحترام من قبل الدول والمجتمعات الرائدة في العالم. 

ان معالجة الهشاشة وتحصين الدولة والمجتمع من الاختراقات لا يأتي باستخدام الحديد والنار، وسياسة التجويع والتخويف والقهر الاجتماعي، كوسيلة للاستقرار والتطور والرفاه الاجتماعي، وانما بتحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على آفة الفساد، والاستخدام الامثل للموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة وتوظيفها بشكل صحيح ضمن سياسة استراتيجية وبرامج عمل تهدف الى تحقيق الازدهار الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، وبذلك لا تستطيع الهشاشة ان تنتج نفسها على مر الزمن وتصبح واقع حال وثقافة مجتمعية لا يمكن المساس بها بسبب ان "الانسان الهش" اصبح رافضاً لتغيير نمط حياته التي اعتاد عليها، وإن تَغيَّر جدلاً، فسيكون فوضوياً.

لذلك فان مجموعة المستفيدين من هشاشة المجتمع وتخلفه تحاول دائما كبح فرامل "الوعي المجتمعي" لدى الانسان، الذي يهدد مصالح الطبقة المستفيدة، سياسية كانت ام اقتصادية ام ثقافية أو دينية، بحيث اصبحت المجتمعات الهشة تنتج انظمة هشة همها توظيف القوانين لحماية وديمومة مصالحها، مما أثر سلباً على صعود الشخصيات العلمية والثقافية الوطنية التي يمكن ان يكون لها دور ايجابي لو تسلقت سلم السلطة.  

في الوقت الحاضر، اصبحت "المجتمعات الهشة" و"الدول الفاشلة" مستهدفة أكثر من اي وقت مضى من قبل القوى الكبرى في انتهاك سيادتها والهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وتدمير مواردها البشرية، بحجة اصلاح ذات البين، واستثمار الثروات بشكل صحيح، وبذلك تدفع المجتمعات الهشة في الدول الفاشلة ثمن تخلفها الفكري والثقافي والحضاري الذي لو استثمر بشكل صحيح لكانت المعادلة تختلف تماماً عما تكون عليه كواقع حال بات من الصعب تغييره، وفي النهاية تبقى المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف والفقر والحرمان. 

لقراءة المزيد من المقالات انقر على الرابط الاتي:المنبر الدبلوماسي الدكتور زاحم محمد الشهيلي


الخميس، 15 يناير 2026

القوات المسلحة المصرية - دور المؤسسة العسكرية المصرية في الحياة السياسية وحفظ الامن 1952-2013 أسابه وتداعياته

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعدُ المُؤسَّسة العسكريَّة في أيَّةِ دولةٍ ذات سيادةٍ من المكونــاتِ الأساســيَّةِ لنظــامِها السياسي، كونَها تشكلُ رمزاً لقوةِ الدولةِ والسُلطةِ السياسيَّةِ، وقد قادَ الإعتمادُ على هذا الرمزِ بشكلٍ أساسيٍّ في ممارسةِ السُلطةِ في أغلبِ بلدانِ العالمِ الثالثِ ومنها جمهوريَّة مصر العربيَّة إلى تدخلِ المؤسَّسة العسكريَّة المتكررِ في الحياةِ السياسيَّةِ المدنيَّةِ وهيمنتِها على عمليَّةِ صُنعِ القرار السياسي في الظروف الإستثنائية للحفاظ على الأمن القومي للدولة والشعب، الأمر الذي أَثارَ إهتمامَ الباحثينَ والمختصينَ في النُظمِ السياسيَّةِ والشأنِ العسكري للبحثِ في هذا الموضوعِ.

وقد أخذَ دورُ المُؤسَّسة العسكريَّة في المنطقةِ العربيَّةِ يتضِحُ من خلالِ دعمها لثوراتِ الشعوبِ العربيَّة أَو التصديَّ لها، الأمر الذي طرحَ تساؤلات عدة حولَ طبيعةِ علاقةِ المُؤسَّسة العسكريَّة بالحِراكِ السياسي المَدني واختلاف دورها في الدول العربيةِ التي شَهدتْ ثورات شعبية مطالبةً بالإصلاح السياسي والإقتصادي، والأسباب التي دفعتْ المُؤسَّسة العسكريَّة إلى تغيير موقفِها من داعمٍ لبقاءِ الأنظمةِ الدكتاتوريَّةِ في السُلطة لإرتباط القادة بها وعدم تجاوزِ العسكرِ لمهامِهم في حمايَّةِ الأمن القومي للدولةِ إلى أَن تكونَ عاملاً مؤثراً في التدخلِ بالشؤونِ السياسيَّةِ وداعماً للشعوبِ الثائرةِ في تحقيقِ مطالبِها.

أَمَّا بالنسبة للمُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّةِ فإنَّ دورَها وطبيعةَ علاقتَها بالسُلطةِ السياسيَّةِ قد أَخذَ جانباً مختلفاً عن بقيَّةِ المؤسساتِ العسكريَّةِ في المنطقةِ العربيَّةِ والإقليميَّةِ بسبب إرتباطِها وهيمنتِها على السُلطةِ السياسيَّةِ منذُ قيام ثورة 1952 على يدِ مجموعةٍ من الضباطِ الثائرين، بحيثُ وِلِدَ جميعُ الرؤساءِ الذين حكموا مصر منذُ ذلك الحينِ وحتى قيام أحداث 25 كانون الثاني / يناير 2011 من رحِمِ المُؤسَّسة العسكريَّة، لكِنها بقيَّتْ وفيةً للجماهيرِ حينَ استدعتْ الحاجةُ لها لِسَدِ الفراغَ الذي خلفهُ إنسحابُ قوى الأمنِ والشرطةِ إبانَ أحداث 25 يناير عام 2011 حينَ وضعَ الجيشُ مسافةً بينهُ وبينَ السُلطةِ السياسيَّةِ، وحرصَ على حمايَّةِ الجماهيرِ الثائرةِ وإقناعَ الرئيسَ (محمد حسني مبارك) بالتنحيَّ عن الحُكمِ في لحظةِ احتدام الأزمة، ومالَ في نهايَّةِ المطافِ تجاه الشعبِ ومطالبهِ المشروعةِ.

وعليهِ يُمكُنُ القولُ أَنَّ المُؤسَّسةَ العسكريَّةَ المصريَّةَ لَعِبتْ دوراً بارزاً ومحورياً في الحياةِ السياسيَّةِ في تلك الفترةِ بعد إندلاعِ أحداث 25 يناير 2011، التي تصاعدتْ فيها الإحتجاجاتُ الشعبيَّةُ المناوئةُ للحُكمِ في مصر، وتعالتْ الأصواتُ المطالبةُ برحيلِ الرئيس الأسبق (حسني مبارك)، الذي أُجبِرَ على التخليَّ عن السُلطةِ في 11 شباط / فبراير 2011، وتكليف "المجلس العسكري" برئاسة المشير (محمد طنطاوي) لإدارة شؤون السُلطة في مصر، وأعقبَ ذلك قيام ثورة 30 حزيران / يونيو 2013 التي انتهتْ بعزلِ الرئيس السابق (محمد مرسي) من السُلطةِ في 3 تموز / يوليو 2013، والذي يعد من أهم التطورات البارزة في الحياةِ السياسيَّةِ المصريَّةِ من حيثِ توفيرِ الظروفِ المناسبةِ لعودةِ المُؤسَّسةِ العسكريَّةِ المصريَّةِ الى المسرحِ السياسي.

لذلك يقودنا البحث في دور المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة في الحياة السياسيَّة المَدَنيَّة الى حتميَّة التطرُّق إلى تاريخ نشأتها، والظروف التي أدَّت إلى صيرورتها، والتحدِّيات التي أحاطت بولادتها محليّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً، والتي أدَّت – بالنتيجة - إلى نشأتها بالصورة التي ألفناها اليوم، وهيَّأت لها الأرضيَّة المُناسِبة للهيمنة على رأس السُلطة، ومُؤسَّسات صنع القرار السياسيّ، والاقتصاديّ، ورسم سياسة الدولة الداخليّة، وعلاقاتها الخارجيّة الإقليميَّة، والدوليَّة، من خلال تناول دور المُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّة في صنع القرارات السياسية، وموقفها من قضايا الأمن القـومي المصـري، والإلتزامـات والمعاهدات الدولية والإقليميَّة، وعلاقتها بالسُلطة السياسيَّة بعد وصولِ الإخوان المسلمين الى سدَّةِ الحُكم، وذلك من خلال عرض الفصول، والمباحث، والمطالب؛ للوُقُوف على هذه الظروف، والتحدِّيات، والمُلابَسات التي مكَّنت المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة من الهيمنة على الحياة السياسيَّة المدنيَّة للبلاد بداعي حفظ الامن القومي؛ لتُصبِح "واقع حال"، وثقافة مُجتمَعيَّة يَراها بعض المحللّين السياسيين والنُقاد مُنافِية للنُظُم الدستوريَّة، والديمقراطيَّة العالميَّة، والتداول السلميِّ للسُلطة. 

الأربعاء، 14 يناير 2026

الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تناولت الدراسية البحثية "الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة" الجوانب القانونية التي تحدد علاقة الدول الاطراف بمكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولات الملحقة بها، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات (1961، 1971، 1988)، والتي تتضمن التزامات الأطراف القانونية في مجال التعاون وتقديم المشورة والمساعدة الفنية والقضائية والمعلوماتية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود بكافة اشكالها.

تطرقت الدراسة الى البرامج التي يقوم بتنفيذها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC على المستوى الدولي، فضلاً عن برامج الأمم المتحدة لمراقبة الحاويات البحرية، وتبادل المعلومات، التي تهدف الى الحد من الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وكذلك استعراض استراتيجية مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة 2021-2025 على المستوى الدولي، وإمكانية استفادة الدول الاطراف من تلك البرامج والاستراتيجيات من ناحية الدعم والاستشارات القانونية والفنية وإقامة الدورات التدريبية الخاصة بتأهيل الكوادر المتخصصة بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة والإجراءات المتصلة بها، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، والإرهاب في اطار التدابير المتخذة من قبل الامم المتحدة ومكتبها المعني بالمخدرات والجريمة الـUNODC.

تناولت الدراسة ايضاً مستوى التعاون والتمثيل والبرامج وآليات العمل المشتركة بين العراق، ومكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC، كنموذج للتعاون الدولي من خلال مكتبه في بغداد، فضلاً عن استعراض جهات صنع القرار، وترأس العراق لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية للمدة 2022-2024، وخطة عمل ممثلية العراق الدائمة لدى المنظمات الدولية في فيينا 2022-2023.

وأُختتمت الدراسة البحثية في المقترحات والتوصيات التي تهدف الى تعزيز التعاون الفعال بين الدول الاطراف والامم المتحدة، وإمكانية الاستفادة من الجهد الدولي في مكافحة الجريمة الوطنية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والمتعلقة بجرائم المخدرات، والفساد، وغسل الأموال، والاتجار بالبشر، والإرهاب، والعمل على استتباب الأمن وحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، واعادة هيكلة المؤسسات الامنية والقضائية المحلية العاملة في هذا المجال، وتوفير فرص الاستشارة والتأهيل والتدريب الفعال لها.



جدلية تربية الأبناء وعقوق الوالدين


بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يقول الله تعالى في محكم آياته: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الكهف 46)، حيث جعل الله الابناء ثروة مكملة لثروة المال لكي تكتمل زينة حياة الانسان وتستمر، وبذلك تستمر حياة البشرية وتتكاثر عن طريق الانجاب كسرٍ من أسرار الديمومة الإلهية في توارث البشر، حيث يتوازى المال والبنون في كفتي الميزان الإلهي، وبذلك باتت غريزة الانسان لا تُشبعْ أو تستقر الا من خلال الزواج وإنجاب الأطفال وتكوين الثروة والاسرة كحاجة ملحة لديمومة الحياة، ولتكون الاسرة وفق هذا المفهوم الخلية الأصغر المكونة للمجتمع الكبير الذي يضم في طبقاته أسر متفاوتة من حيث المال والثقافة والعلم والجاه والمكانة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، بدأ الوالدان يتحملان العبء الأكبر لبناء الاسرة من ناحية توفير العيش الرغيد للعائلة والاهتمام بتربية أبناءهم من عدة نواحي؛ منها الأخلاقية والعلمية والثقافية والوطنية، الامر الذي خلق مجتمعات عالمية يتنافس فيها أبناء المجتمع الواحد على صدارة المشهد الثقافي والعلمي، رغم ان المستوى الثقافي والعلمي للوالدين لم يكن في ذلك الحين بذلك المستوى الذي نراه اليوم بالنسبة لمجتمعات الشرق الادنى، لكن من ساعدهم على ذلك طاعة ابناءهم، والاخلاق العالية التي كانوا يتحلون بها، واحترامهم لوالديهم ولبعضهم البعض، وطموحهم الكبير ورغبتهم الجامحة في تسلق سلم العلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة، بعد ان تم اتخاذ الاب أو الأخ او المعلم او أبن المنطقة الناجح قدوة في تحقيق الهدف.             

لم تكن تربية الأبناء صعبة من ناحية ضبط السيطرة على الاسرة بالنسبة للوالدين قبل الالفية الثانية رغم بساطة الحياة التي كانت تعيشها العائلة، وكانت متوازنة بين حرص الوالدين على تربية ابناءهم تربية صحيحة صالحة، وبين استجابة الأبناء واحترامهم لآراء اباءهم ووجهات نظرهم، والحرص على تحقيق امانيهم وآمالهم، والعمل على تعويضهم عما بذلوه من مال وجهد كبير في التربية والتعليم من خلال رد الجميل للوالدين وعدم انكار فضلهم، أو عقوق حقوقهم، ومساعدتهم في مواجهة تحديات الحياة التي أوصى بها الله تعالى حين قال: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الاسراء 23).

 تأمر الآية الكريمة الأبناء بحسن المعاملة وبر الوالدين في كافة مراحل الحياة، وتنهي عن قول "أُف" أو نهرهم، وتأمر بالقول الكريم والأسلوب السمح، وتُبرز مكانتهم بعد عبادة الله مباشرة، وتؤكد أن البر لا ينقطع حتى بعد وفاتهما، مشددةً على الشكر لهما كما الشكر لله عز وجل، حيث تربط الآية الكريمة عبادة الله بالإحسان للوالدين، مما يرفع من مكانة الأبناء.

وتحدد الآية الكريمة ايضاً كيفية الإحسان للوالدين عند بلوغهما سن الكبر، وهو أشد مراحل الحاجة للرعاية، فتأمر بالقول اللين والكلام الطيب بدلاً من التأفف أو النهر، إذ يشمل الإحسان للوالدين طوال حياتهم وبعد وفاتهم، عبر الدعاء لهما وصلة الرحم، ويُعد من أعظم الأعمال الصالحة، كما انه يجب التحدث معهما بلطف واحترام، وتجنب رفع الصوت عليهما أو قول ما يضجرهما، إضافة الى تلبية احتياجاتهما، والسعي الدائم اليهما، فهذا له أجر عظيم عند الله.  

لذلك نرى في الزمن الماضي، المسمى بـ"زمن الأخلاق الفاضلة"، كان الابناء يتسابقون على خدمة واحترام آباءهم وأمهاتهم حد القداسة حتى لو بدر منهما ما يعكر المزاج ويكدر الخاطر، ويحاولون جاهدين ان يكونوا بمستوى المسؤولية، بارين بوالديهم امام الله تعالى والناس، يأخذون بنصائحهم وتوجيهاتهم السديدة في الحياة، وبذلك استطاع الوالدان ان يبنوا أُسراً عظيمة، وان ينتجوا جيلاً من العلماء والمثقفين، والوطنين الافذاذ، الذين تركوا بصمة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وكانوا فخراً لبلدهم وعوائلهم.

لكنه في هذا "الزمن الاغبر"، زمن التطور التكنولوجي والعالم الافتراضي الصاخب، تغيرت الكثير من مفاهيم التربية، وانحدرت الاخلاق وسط الفوضى الاجتماعية والثقافية العارمة التي اجتاحت المعمورة من أقصاها الى اقصاها، حيث فقدان أغلب الابناء للتربية الصحيحة، والشخص القدوة، وبوصلة الاحترام والتقدير لوالديهم، ولكبير العائلة، والأستاذ المعلم في المؤسسات التربوية، وانعدمت الاخلاق، وقل الصدق والثقة بين الناس، واصبح الولدُ نقيضاً لأبيه، ونداً له في الحياة الاجتماعية الى درجة التطاول عليه في الكلام والاعتداء بالضرب في بعض الأحيان، وضعفت المودة وصلة الرحم والقرابة بين أبناء الاسرة الواحدة وتشتت شملها، واصبحت الانانية والمصالح الشخصية للأبناء هي التي تتكلم عن كيفية إدارة دفة الحياة ومصالح الاسرة والمجتمع بشكل عام.    

ووفقاً لذلك، باتت الفوضى تعم في المجتمع بعد ان مرضت الاسرة، ليسدل الستار على المبادئ والقيم، والعادات والتقاليد العائلية التي اعتاد عليها الآباء والاجداد، لندخل في نفق الانحدار والانحلال والتمرد الاخلاقي العائلي بسبب ظهور أجيال فوضى العالم الافتراضي غير المنضبطين قانونياً واخلاقياً ودينياً وتربوياً، تتحكم بهم نزوات الأنا والتمرد، ونكران الجميل، والصيرورة على حساب الآخر، التي تتعالى كثيراً على رغبات الوالدين، اللذان أفنوا حياتهم لكي يكون ابنهم "فلان" وابنتهم "فلانه" في مستوى اجتماعي يليق بسمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية المرموقة. 

لذلك فان الله تعالى لم يخفِ ذلك في الآية الكريمة حين قال: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف 46)، إذ تُبيّن الآية بأن الأموال والأولاد زينة ومتاع مؤقت في هذه الدنيا، بينما الأعمال الصالحة الدائمة خير وأبقى عند الله ثواباً وأملاً، خاصة حين اصبح الوالدان - في الوقت الحاضر - يخشون شر ابناءهم، وما يجلبونه لهم من مشاكل لا تتفق مع الاخلاق والاعراف الاجتماعية، وكذلك المشاكل الاسرية التي تعدت حدود الاخلاق، والتجاوز على الوالدين من قبل الابن او البنت بكلمات نابية، وربما بالضرب في بعض الأحيان او القذف بهم في الشارع او دار العجزة، وكأنهم لم يلدوهم صغاراً حتى اشتد عودهم وصاروا رجالاً ونساءً.  

وعليه حذر الله تعالى الآباء من الأزواج والأبناء في سورة التغابن بقوله: "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن 14)، وكأن ما نراه في العصر الحالي يتطابق مع روح القرآن الكريم، اذ تحث الآية الكريمة على الحذر من انحراف الأبناء في الحياة الاجتماعية وتمردهم على والديهم، مع التأكيد على أن العلاقة الأسرية يجب أن تكون مبنية على المودة والرحمة مع إعطاء الأولوية لرضا الله.

لذلك فان الله سبحانه وتعالى حين امر بقتل الغلام المشار اليه في سورة الكهف كان سببه انه كان عاقاً لوالديه، كما يعق بعض الأبناء اليوم آبائهم وامهاتهم بقسوة، واراد ان يخلصهم من شره وارهاقه لهم: "هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا" (الكهف: 78)... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81).

ان الانحدار الاخلاقي في الوقت الحاضر جعل من بعض الأبناء لا يفكرون ملياً بصحة وسعادة اباءهم، وانما بمصالحهم الشخصية ونزواتهم ورغبات الميراث فقط، ومحاولة التخلص من مسؤولياتهم أمام الله والناس تجاه الوالدين والاسرة، فأما ان يتركوهم يعانون شظف العيش وتدهور الحالة الصحية، او ان يذهبوا بهم الى دار العجزة ليجدوا الراحة الابدية بعيداً عن آهات عائلة الابن التي تريد ان تعيش حياتها بعيداً عن معاناة الاباء والاجداد المسنين، الذين باتوا يشدون امتعة الرحيل الى بارئهم املاً بدعاء او ثواب قد يأتهم من الابناء لدى العزيز الكريم. 

لذلك فان الجميع – الإباء، والمؤسسات التربوية والدينية، ومنظمات المجتمع المدني -  مطالب، في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، بالتحرك وابداء الراي والمشورة والموعظة الحسنة لوضع البرامج التربوية الخاصة بتربية الأبناء، بهدف اصلاح ذات البين لمن أراد اليه سبيلا، لان الذي يعق والديه بالتأكيد سيعق وطنه، وسيعقه ابناءه كمسلمة حياة في المستقبل، وان اصلاح شؤون الاسرة يعد اصلاحاً لشؤون المجتمع برمته.   

الخميس، 28 ديسمبر 2023

العلاقة الجدلية بين الدولة والنظام السياسي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

اختلف الفقهاء في التوصل الى تعريف جامع لمفهوم الدولة، لكن التعريف الاقرب للدولة؛ بانها تلك الرقعة الجغرافية التي تحيط بها حدود معترف بها بموجب القانون الدولي، يقطنها مجموعة من الافراد (الشعب) بغض النظر عن قومياتهم وانتماءاتهم الدينية، تحكمها القوانين والانظمة والمؤسساتية في العمل، والتي تمنحها الشخصية القانونية المعنوية العليا، ويكون الفرد فيها (الشعب)، الذي يكتسب الشخصية القانونية منذ الولادة، مصدراً للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام الديمقراطي، وهو من يختار افراد النظام السياسي ويعطي الصفة (القانونية المعنوية) لهم لادارة الدولة.

أما النظام، فيعرف بمجموعة الافراد الذين حصلوا على تفويض شعبي في اطار القانون لادارة الدولة سياسياً واقتصادياً وثقافياً ومجتمعياً واكتسبوا الحق القانوني في تمثيل الدولة اقليماً ودولياً من خلال المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية استناداً لدستور وقوانين البلاد والرؤى التي يمتلكونها، وبموجب خطة عمل لفترة محددة من السنين، والتي يجب ألا تتعارض ومصلحة الدولة والشعب، يصان فيها المال العام وتحفظ الحقوق وتحدد الواجبات في اطار القانون، وتصان فيها ايضا وتحفظ الحريات ويحترم حق التعبير عن الرأي الهادف للفرد والجماعة.

وهنا، يكون العمل تكاملياً بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي المنتخب ديمقراطياً للنهوض بالواقع الجمعي للمجتمع، حيث تكون الرقابة في تنفيذ المشاريع والمحافظة على المال العام مسؤولية الجميع سواء كان الشعب او النظام في اطار القوانين النافذة وكذلك العرف الاجتماعي من باب الحرص من قبل الشعب على سيادة القانون وعدم تبذير الموارد.

لكنه، يستطيع النظام ان يشحن الدولة/ الشعب لمصلحته قومياً، كما فعل الرئيس الامريكي ترامب في تسلقه سلم الدولة للوصول الى كرسي النظام السياسي، وكذلك يستطيع النظام في بعض الاحيان ان يستفز مشاعر الناس عرقياً وطائفياً ودينياً ومذهبيا لتحقيق مصالح فئوية وشخصية ضيقة على حساب مصلحة الدولة والشعب، ولكن حين تستشعر الدولة بتعارض ما يقوم به النظام السياسي مع مصلحتها العامة يخرج الشعب الممثل الحقيقي للدولة للاعتراض على تصرفات النظام للحد منها وايقاف التمادي والاستمرار بالحاق الضر بمقدرات الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية وتشويه سمعتها على المستوى المحلي والاقليمي والدولي سواء كان ذلك بقصد او بغير قصد.

وحين يعجز النظام عن ادارة الدولة بالشكل الصحيح ويتنصل عن التزاماته ووعوده في تصحيح مسيرة العملية السياسية، يبدا الصراع بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي الذي امتلك الصفة القانونية والمعنوية للسلطة من الدولة، صاحبة الشخصية القانونية المعنوية العليا، وكذلك الاستحوذ على المال العام والسلاح والانصار، لكنه خرج عن ارادة الجماهير.

وحين يبدا الصراع والتصادم ويتم تبادل الاتهامات بين الشعب والنظام السياسي بالتخوين والتخريب والقتل، ويسمح لبعض الاطراف الخارجية بالتدخل في الشأن الداخلي للدولة لتدارك الموقف، حينها يفقد النظام السياسي شرعيته وشخصيته القانونية المعنوية باعتبار ان الشعب هو مصدر السلطات.

ولتفادي تفاقم الازمة وتطورها الى ما لا يحمد عقباه تعلن الحكومة استقالتها كما حدث في بلدان عديدة ذات الانظمة الديمقراطية وتتحول الى حكومة تصريف اعمال يومية، وتحل المؤسسة التشريعية وتتم الدعوة الى انتخابات مبكرة لانتخاب نظام سياسي جديد من قبل الشعب لإدارة الدولة.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي: مجلة معارج الفكر

السبت، 4 نوفمبر 2023

الإنقياد الغربي للسياسة "الإسرائيلية"... أسبابه وتداعياته

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

إن الوقائع التاريخية تؤكد، وبما لا يقبل الشك، بأن للغرب تاريخ دموي، ينتج نفسه على مر الزمن، بعيد كل البعد عن الإنسانية وحقوق الإنسان التي يدعونها، إذ يبدأ في الحروب الصليبية ضد الشرق المسلم، مروراً بحرب الثلاثين عاماً الأوربية، والحربين العالميتين الأولى والثانية، وصناعة إرهاب القاعدة وداعش، ناهيك عن قيادة الحروب وإذكاء الصراعات في آسيا الوسطى، وأفريقيا، وتدمير العراق واليمن وليبيا وسورية والسودان، وإشعال الحرب ودعمها في أوكرانيا بعد تغيير النظام السياسي فيها، يضاف الى ذلك محارق اليهود في أوربا بسبب العداء التأريخي بين اليهودية والمسيحية حسب الموروث الغربي، حيث انتهت محاربة اليهود في أوربا بالمحرقة ابان الحرب العالمية الثانية والعمل على تهجيرهم الى فلسطين، ودعم كيانهم المسخ، وذلك لعدة أسباب من أهما:

أولاً- السبب الديني: إن النبوءات المسيحية تؤكد بأن السيد المسيح سيظهر في آخر الزمان ويقتص من قتلته اليهود، حيث سيتم القضاء عليهم بعد جمعهم في فلسطين، ليس حباً بهم وإنما انتقاماً منهم، وبذلك ينتصر للمسيحية، حينها تملء الأرض عدلاً وقسطا بعد أن امتلأت جوراً وظلماً، وهذا هو مبدأ حركات التبشير المسيحية منذ قرونٌ مضت، لذا فإن جمع اليهود ليوم القصاص في فلسطين أضحى واجباً دينياً مقدساً لكل نظام ديني وسياسي غربي.

ثانيا - السبب السياسي: إن العداء الغربي - الشرقي الأزلي يحتم على الغرب إيجاد مناطق توتر في الشرق الأوسط لجعل المنطقة العربية في صراع وعدم إستقرار دائم، حتى لا يفكر العرب مرة أخرى في عبور الأطلسي كما فعلوا في سالف الزمن، ولذلك كان لقرار إعطاء اليهود وعد بلفور في فلسطين عام 1917، وإهدائهم ما لا يملكون، وتعاهدهم على دعم هذا الكيان بكل ما أوتوا من قوة، ليكون منطقة توتر في قلب الأمة العربية، هدفاً سياسياً تمت دراسته بإمعان في مؤتمر الغرب عام ١٩٠٩.

ثالثا- الجانب الاقتصادي: إن أغلب الساسة الغربيين يؤمنون حد الثمالة بأن هناك خطأ الهي حدث عند تكوين الكرة الأرضية، حين أُوجدتْ مصادر الطاقة في الشرق والصناعة في الغرب، فالأجدر، حسب تصورهم، أن تكون الطاقة والصناعة في القارة الباردة، وعليه لابد من إيجاد أسواق مستدامة لتصريف البضاعة الأوربية الأغلى (السلاح) في سوق الدول العربية الغنية بالنفط، أي العمل على تدوير موارد الطاقة الى الغرب، وبذلك لا يسمح للدول العربية بتبني مشاريع صناعية تنموية منتجة تنافس الصناعة الأوربية، ولهذا السبب لابد من تدمير الصناعات الناشئة في الشرق العربي من خلال صناعة الحروب والأزمات والتوترات المحلية والإقليمية، وكما يرى المرء جلياً ويسمع.

لذلك يعد "الكيان الإسرائيلي" القاعدة الغربية المتقدمة لتدمير الشرق الأوسط، والتوسع على حساب بلدانه المستضعفة، بعد أن تم تزويد هذا الكيان بالمال والسلاح النووي والغواصات النووية منذ مطلع الستينات من القرن الماضي من قبل فرنسا والمانيا، الى جانب الدعم السياسي الدولي من قبل صناع السياسة الغربية كبريطانيا وأمريكا والدول الغربية الأخرى، لذلك يعد الدعم الغربي المعلن لليهود بمثابة "عداء معلن للعرب"… "الحليف العدو".

ومن الأسباب والتداعيات أيضاً هيمنة القوى الإقتصادية اليهودية الصهيونية من خلال نفوذ الشركات متعددة الجنسيات على اللوبي الإقتصادي الغربي، والتحكم بصناعة القرار السياسي للأنظمة السياسية الغربية حسب أهوائهم، والتي تمثل القوى الخفية لصناعة السياسة الغربية العالمية الداعمة للكيان الصهيوني.

وبهذه الطريقة أضحى اليهود الصهاينة يتحكمون بمصير الساسة الغرب بعد مصادرة قرارهم السياسي وشخصيتهم القانونية والمعنوية، بحيث بات اليهود يعينون الرؤساء الموالين لهم بنسبة ٩٩,٩، بعد أن يتم اعدادهم سلفاً كقادة للأحزاب أو كشخصيات إقتصادية أو سياسية بارزة ، إذ يلاحظ المرء حالياً بأن الأغلب الأعم من الرؤساء والساسة الغربيين يعملون على عكس إرادة ومصالح شعوبهم، كما هو الحال في الحرب الأوكرانية التي تسببت بأزمة أقتصادية خانقة لأوربا، وكذلك التردد بالإستثمار في المنطقة العربية الغنية بالموارد، إرضاءً للوبي الإسرائيلي العالمي، الذي بات يتحكم بمصير شعوب القارة العجوز والعالم أجمع، وينتهك حقوق الانسان في فلسطين أمام مرأى ومسمع الجميع وبدعم غربي، ويمزق تقارير الأمم المتحدة على منصتها في أكبر إنتهاك صارخ لميثاق المنظمة الدولية "العجوز"، وعدم إحترامها من قبل المندوب "الصهيوني".

وبناء على ما تقدم، يجب على الدول العربية والإسلامية أن تعي وتعرف أعداءها، وتبلور إستراتيجيات الدفاع والأمن المشترك، والإستقرار والتنمية المستدامة، بحيث لا تسلم نفسها رهينةً لدى النظام الغربي - الصهيوني ليتم نحرها حيثما يشاء عدوها. 

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الآتي: مجلة معارج الفكر

الجمعة، 20 أكتوبر 2023

صناعة أجيال الفوضى في الشرق الأوسط

بقلم:  الدكتور زاحم محمد الشهيلي

أخذ العداء الغربي المعلن لمنطقة الشرق الأوسط أوجه مختلفة في التدمير والتخلف الفكري والعقائدي، سواءً من خلال سلب الإرادات وحقوق الشعوب في العيش بسلام، واغتصاب الأوطان، كما هو الحال مع الشعب العربي الفلسطيني، أو خلق صراعات مستدامة في عدد كبير من بلدان المنطقة لا ينطفأ تنورها، أو بالتدمير المباشر بإستخدام الآلة العسكرية، أو خلق الصراعات والحروب الداخلية القومية والطائفية، وكذلك العقائدية مثل (القاعدة) و(داعش) الإرهابية، والتي مورس فيها ابشع انواع القتل والحرمان والظلم والتشريد والقهر الاجتماعي، التي امتدت لسنين عجاف أرهقت الأجيال المتعاقبة وأفرزت أجيالاً معاقة فكرياً واجتماعياً.

إن خلق الظروف الإجتماعية غير الآمنة والقاهرة، المتمثلة بالخوف، والرعب، والحرمان، وفقدان الأمن الاجتماعي والتشريد، أدت بالنتيجة الى إدامة الفوضى الخلاقة في أغلب مجتمعات الشرق الأوسط، تجاوزت في كثير من الأحيان عقوداً من الزمن، أدت الى صناعة أجيالاً متعاقبة لا تعترف بماهية الدولة، ولا تعرف ما هي مقوماتها ومكوناتها، وتجهل النظام العام والالتزام بالقانون الذي يقوم الأخلاق العامة للفرد والجماعة، لإنها ببساطة لن تتربى على ثقافة إحترام القوانين والإلتزام بها، ولا تعير أهمية للمحافظة على المال العام والممتلكات العامة وتعدها مباحةً، إذ إنها تفتقر في ذات الوقت الى ثقافة التحضر، وباتت تؤمن بثقافة القبيلة والعشيرة والجماعات المسلحة بإعتبارها واقع حال إجتماعي ومصدر قوة للفرد والجماعة بعد غياب سلطة الدولة التي تمت مصادرتها واستباحتها وتدمير مؤسساتها الأمنية والقضائية والإدارية.

كما إن ترعرع الأجيال المتعاقبة في ظروف صعبة منذ نعومة أظافرها في عالم أقل ما نطلق عليه تسمية "عالم الغاب"، الذي ينتهك فيه القانون، ويأكل فيه القوي الضعيف، وتستباح فيه الحُرمات، وتتسيد فيه لغة السلاح على كل اللغات دون رادع، وينشط فيه التناحر السياسي والعرقي والقومي والطائفي لمصالح شخصية وفئوية، الى جانب تفشي الفساد، الذي عمق من جراحات الفوضى في جسد الكثير من دول الشرق الأوسط، كل ذلك أدى في نهاية المطاف الى صناعة أجيال الفوضى في الشرق الأوسط، التي يعول عليها قيادة الدول حين تبدأ الإزاحة الجيلية المرجوة.

وبناء على ما تقدم، فإن على دول الشرق الأوسط العربي والإسلامي أن تهتم ببناء الأجيال بناءً صحيحاً، لأن هؤلاء هم الذين سيحددون مستقبل الأمة وصورتها الحضارية، سواء كانت صالحة أم طالحة، جميلة أم مشوهة، ومدى تحضرها وتقدمها العلمي والثقافي الذي تطمح اليه الشعوب والحكومات الحية في العالم.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الآتي: مجلة معارج الفكر


السبت، 6 مايو 2023

التقارب السياسي في الشرق الاوسط من وجهة نظر أمريكية

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

ترتبط اكثر دول الشرق الاوسط العربية والإسلامية، من ضمنها تركيا، بعلاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة الأمريكية، وان اهم ما يميز هذه العلاقات، ويجعلها محط اهتمام الجميع، انها قائمة على العدائية، والابتزاز، ولي الأذرع، ناهيك عن انعدام الثقة بين كافة الاطراف تارةً، وتحقيق المصالح الاسرائيلية فيما يتعلق بالتطبيع وإضعاف دول المنطقة بإذكاء الصراع العربي - الاسرائيلي، والغربي - الشرقي تارةً أخرى، إذ لم يكن لمصالح أمريكا والشعب الامريكي والأوربي مكاناً في المعادلة السياسية والاقتصادية الغربية في البلدان العربية والإسلامية في تلك المنطقة.

المشكلة، ان الامريكان وحلفاءهم الغربيين يعملون دائما على إدامة الصراعات في المنطقة، وهم من يضع الحلول لتهدئتها أو تازيمها وإدامتها، لكي تبقى تلك الرقعة الجغرافية بمثابة برميل بارود يمكن ان يقدح في اي زمان ومكان ليحرق ما حوله، وخير دليل على ذلك الحرب في اليمن، والعراق، وسوريا، وليبيا، وما الفته الشعوب العربية والإسلامية من ثورات الربيع في مصر، وتونس، والسودان بعد تقسيمها وما تمر به الان من مخاض عسير، وايران، وافغانستان، الى جانب حركات التمرد والحروب الطائفية والعرقية، وصناعة القاعدة وداعش الارهابية والدعم المؤسساتي لها من قبل اجهزة المخابرات الغربية بالتنسيق والتعاون مع بعض الانظمة الفاعلة في الشرق الأوسط، التي تبنت وتتبنى دائماً الاجندات الأمريكية، لكي تجد لها مكاناً ورصيداً سياسياً في الساحة الدولية، تحت شعار "الذي ليس معنا فهو ضدنا".

ان النهج السياسي الامريكي المفضوح في منطقة الشرق الاوسط لم ياتِ أوكله بالمعنى العام، بعد نشوب الحرب بالوكالة في أوكرانيا، بهدف استنزاف القدرات الاقتصادية والعسكرية لروسيا وإبعادها عن المعسكر الغربي بقيادة أمريكا، والشرقي بقيادة الصين، إذ انها، أي امريكا، اصبحت ملامة من قبل الانظمة الاوربية على مشاكلها المستمرة في العالم، خاصة في الشرق الاوسط، وبدء الحديث عن ضرورة العمل على انهاء تلك المشاكل او تجميدها الى حين، لكي يتم التفرغ للمواجهة الاكبر مع روسيا والصين.

لذلك أمسى على الولايات المتحدة التحرك لغلق بعض جبهاتها في الشرق الاوسط من خلال اطلاق العنان لدول الخليج العربي بقيادة السعودية والامارات، وكذلك العراق والاردن، ومصر وتركيا، لتلعب دوراً في تقريب وجهات النظر بين دول المنطقة من ضمنها ايران، بهدف وضعها تحت مظلة تحكم امريكية واحدة، شريطة أن تتم المحافظة على الامن القومي الإسرائيلي، وان يستمر مسلسل التطبيع، مقابل ان يكون هناك صلح وتعاون أمني وتنمية اقتصادية في دول الشرق الاوسط بقيادة السعودية، التي أخذت تتحدث بملء الفم عن عالم شرق أوسطي يضاهي في تطوره العالم الغربي في المستقبل أو يزيد، بعد أن تختفي كل مظاهر الصراع والعدائية بين تلك البلدان، ويحل محلها السلام، والتعاون، والتنمية الاقتصادية، والعمل على ايجاد حل لموضوع البرنامج النووي الايراني مرضي لجميع الاطراف، بضمنها "الكيان الإسرائيلي"، مقابل الحصول على وعود بامتلاك السعودية والإمارات وبعض دول المنطقة على الطاقة النووية للأغراض السلمية وبإشراف أُممي.

وبذلك تكون الولايات المتحدة الامريكية قد أمنت الجبهة الجنوبية مع روسيا، وحجمت الى حد ما الاستثمار الاخضر الصيني في منطقة الشرق الاوسط، بعد أن يتم فتح جبهة الحرب بالوكالة معها بمساعدة السلطة السياسية في تايوان، وكما يحدث الآن بين روسيا وأوكرانيا، وبهذه الطريقة ممكن ان يتم تجميد المشاكل الامريكية في الشرق الاوسط الى حين العودة، وإفشال الجهود الاقتصادية الصينية في الشرق الأوسط، خاصة فيما يتعلق بمشروع "الحزام والطريق" وقنواته الجافة والرطبة، وكل ما يتعلق بالعلاقات الاستراتيجية لدول الشرق الاوسط العربية والاسلامية مع الصين وروسيا.

وبناء على ما تقدم، يمكن ملاحظة الحركة المكوكية لكبار المسؤولين الامريكان وأعضاء الكونغرس الامريكي الى السعودية في الاونة الاخيرة للقاء الامير محمد بن سلمان، تزامناً مع اجتماعات جدة لكبار مسؤولي الدول العربية الفاعلة في المشهد السياسي في نيسان ٢٠٢٣، في الوقت الذي تلوح في الافق بوادر الحل السياسي لازمة اليمن، وعودة العلاقات بين السعودية وايران، وبدء التقارب التركي - المصري، والتقارب السعودي - السوري - الخليجي - العربي، الذي سيمهد الطريق لعودة سوريا الى الحاضنة العربية، بهدف ابعادها عن النفوذ الروسي.

لذلك بات على دول الشرق الاوسط العربية والإسلامية العمل بجدية، وكما اشرنا في مقال سابق، على توظيف الازمة بين الغرب والشرق لبلورة كيان سياسي واقتصادي وأمني شرق اوسطي له شخصية وثقل دولي، بعيداً عن التناحر والعدائية غير المبررة، والفكر المنحرف، متخذين من مصالح الشعوب العربية والاسلامية شعاراً للصلح والأخاء والرخاء، والمحبة والبناء، والتنمية الاقتصادية والبشرية المستدامة، مستغلين الظرف الدولي الراهن الذي تمر به قوى الشر، والذي ربما لا يتكرر في المستقبل.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الآتي: مجلة معارج الفكر

السبت، 18 مارس 2023

الشرق الأوسط وحلول الفرصة الأخيرة "الصفرية"

بقلم:  الدكتور زاحم محمد الشهيلي

تشير الاحداث السياسية والاقتصادية العالمية المتسارعة، المتعلقة بتراجع السوق النفطية وانكماش النمو الاقتصادي العالمي، ويؤكد خبراء الاقتصاد والباحثون في الشأن السياسي والاقتصادي المحلي والدولي ايضاً، بان نتائج ازمة "جائحة كورونا" و"الحرب في أوكرانيا" ستأتي على نظم العولمة التي تتحكم بنمو الاقتصاد العالمي وحركة رأس المال، وستنتج نظاماً عالمياً جديداً يتلائم وكيفية رسم المستقبل السياسي والاقتصادي للمرحلة المقبلة المعبأة بآلام ومشاكل وأزمات المرحلة السابقة، وسوف لن يخرج النظام العالمي الجديد عن قيادة أمريكا او الصين أو القيادة الموحدة للاثنين معاً.

وهذا الامر سيمنح دول العالم الثالث في الشرق الاوسط - خاصة الدول العربية والإسلامية - فرصة التعافي المريح البعيد عن الصخب، والتي ربما ستكون الفرصة الاخيرة لها لإيجاد حلول "صفرية" لانتعاشها السياسي والاقتصادي والأمني من خلال استغلال نتائج تلك الازمات بشكل ذكي وصحيح بعيداً عن التشنج والكراهية والتبعية.

ان الحل الأمثل لخروج دول الشرق الأوسط الاسلامية من أزمة الثقة والصراعات فيما بينها، والتدخلات الخارجية التي خلقت هذا الواقع المرير في المنطقة، ومعالجة أزماتها السياسية والاقتصادية والأمنية، التي قد تكون خانقة جداً في المستقبل، والذي يعد أحد حلول الفرصة الأخيرة "الصفرية"، ان تستغل تلك الدول العربية والإسلامية في الشرق الأوسط فرصة أزمة "جائحة كورونا"، وانشغال الغرب في حرب أوكرانيا لتركيع روسيا، وما ستخلفه من أزمات سياسية واقتصادية ستعصف بالعالم، نتيجة الركود والانكماش الاقتصادي للدول الصناعية مثل دول اوربا وأمريكا والصين وروسيا.

لتبدأ الدول الشرق اوسطية بسحب نفسها تدريجياً من التبعية السياسية والاقتصادية العالمية المقيتة، التي وضعت نفسها بها لسنين طويلة، لتُنشأ لنفسها تدريجياً كياناً سياسياً واقتصادياً وأمنياً مستقلاً يكون له ثقله العالمي المميز على الساحة الدولية في المستقبل.

أن من أهم متطلبات تنفيذ هذه الخطوة قيام الدول المعنية بإطلاق مبادرات سلام حقيقية تتبع التقارب السياسي السعودي - الايراني والمصري - التركي، الذي بدأت بوادره تلوح في الافق الشرقية من الكرة الارضية، وإرسال رسائل اطمأنان فيما بينها، مفادها نبذ الارهاب والعنف والتطرف الديني والعرقي والمذهبي بكافة أشكاله، واحترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، والتخلي عن الأطماع التاريخية التوسعية، وإبداء الرغبة الصادقة للتعاون السياسي والاقتصادي والأمني المشترك الذي يلبي رغبات وطموحات ومصالح شعوب دول منطقة الشرق الأوسط.

وان تدعوا الدول المعنية بأمانة وتجرد وإرادة حرة إلى انشاء تكتل سياسي واقتصادي وأمني شرق أوسطي تحت مسمى "المجلس الاقتصادي لدول الشرق الاوسط للأمن والأعمار والاستثمار"، تكون نواته الدول العربية الرائدة مثل السعودية وبقية دول الخليج، ومصر، والعراق، والجزائر، وتونس، وليبيا، والمغرب، والأردن، اضافة إلى تركيا وإيران وباكستان.

بحيث تكون من اهم أولويات هذا التكتل العمل على استتباب الامن في المنطقة ودعم التنمية الاقتصادية والبشرية والتكامل الاقتصادي من خلال تنفيذ مشاريع الأعمار والاستثمار في الدول الاعضاء وبمساعدة الدول الصديقة مثل الصين واليابان وكوريا الجنوبية والدول الصناعية التي ليس لديها تاريخ اسود وأطماع استعمارية في المنطقة.

وكذلك إنشاء قاعدة بيانات اقتصاد رقمي لدول المجلس، وصندوق استثماري لمساعدة الدول الفقيرة في الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان وفلسطين والصومال والسودان وأفغانستان، للنهوض بواقعها السياسي والاقتصادي والاجتماعي كشرط لقبول عضويتها في المجلس، الذي سيكون له ثقل إقليمي ودولي جدير باحترام الدول العُظمى، وله ايضاً دور فاعل في حل القضية الفلسطينية بسلام.

اما في حال لم ترغب بعض الدول بمغادرة دوامة العنف والواقع المؤلم الذي تعيشه شعوب الشرق الإسلامية، وأصرت على إدامة واستمرار الصراع والعداء السياسي والفكري غير المبرر فيما بينها، وسارت على نهج تحقيق الاطماع التاريخية غير المبررة قانوناً في التوسع على حساب جيرانها من دول المحيط الإقليمي، استناداً الى مفهوم القوي والضعيف، والكبير والصغير...

فإن النتيجة ستجلب بالتأكيد المزيد من الخراب والدمار والمآسي والتخلف لشعوب المنطقة في الشرق الأوسط، وستبقى الدول خاضعة وخانعة وعرضة للتدخلات والهيمنة الخارجية وأداة طيعة لتنفيذ أجنداتها، وستدفع الشعوب الاسلامية في الشرق الأوسط المغلوبة على أمرها، والتي ارتضت بالواقع المؤلم والمرير مستقبلاً لها ولأجيالها، ثمن تخبط وسوء تخطيط وإدارة انظمتها من سعادتها وتطورها العلمي ورقيها الثقافي والحضاري، في حين تحيى الشعوب الاخرى في بقاع الارض بسلام ورفاهية. 

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي: مجلة معارج الفكر   

الجمعة، 3 فبراير 2023

نســـــــــاء حائـــــــــــرات

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

بات الغرب على قناعة؛ بان هناك "خطأ مطبعي"Tippfehler" أو بالأحرى "خطأ ألرب" حدث حين تكوين الكرة الأرضية، إذ شاءت العناية الالهية بأن تكون الصناعة في الغرب والطاقة في شرق الكرة الأرضية، وكان الاجدر بأن يكون كلاهما في القارة الباردة، لأن المجتمعات الشرقية الغنية بالطاقة - الدول العربية - أضحت عاجزة وغير قادرة على استغلال تلك الطاقة بالشكل الأمثل، وحتى لو استطاعت، فانه لا يسمح لها ان تكون دول صناعية، رغم إنها أصبحت بلدان غنية بالمال حد التخمة بسبب امتلاكها لهذه الموارد، ومن هذا المنطلق عملت الدول الغربية على أن تكون دول الطاقة سوقاً استهلاكية رائجة لصناعتها على غرار الدائرة الاقتصادية المغلقة، مع عدم تمكين تلك الدول من الابتكار الصناعي، لوأد روح المنافسة في مهدها.

لذلك تم العمل على خلق الحروب والصراعات المستدامة في منطقة الشرق الاوسط، صاحبة الطاقة والمال، بهدف سلب الثروة وتعطل التنمية المستدامة، وكل بادرة او تنمية صناعية ناشئة في تلك البلدان، لتكون سوقاً غنية لتصريف بضاعتها الحربية والسلعية، فشاهد المرء، الى جانب الصراع العربي - "الاسرائيلي" المستمر، وتحوله الى صراع فلسطيني - "اسرائيلي"، كيف كانت الحرب العراقية - الايرانية مدمرة للاقتصاد والبشر، واستهلكت فيها ملايين الاطنان من الاسلحة الغربية على مدى ثمانية سنوات، تبعتها حرب الكويت وتدمير الآلة العسكرية العراقية، والتي انتهت بإحتلال أمريكا للعراق عام ٢٠٠٣ والقضاء على كل شيء مبتسم فيه، بعد تدمير بنيته التحتية الصناعية بالكامل، والتوجه غربا الى سوريا، لمحاربة ما يسمى "بمحور الشر"، وتدمير الصناعة الناشئة هناك، ولم تكن ليبيا الواقعة على الساحل الشرقي للبحر المتوسط بمنأى عن آلة التدمير والفوضى، كذلك لم تسلم اليمن السعيد جنوبا من آلة الخراب والتقسيم، كما هو الحال مع السودان، وتجويع مصر، حيث تم اعادة العدد الاكبر من تلك البلدان الى الدائرة الصفرية، وجعل مجتمعاتها بدائية تعصف بها النزعات القبلية والتطرف الديني والمذهبي، والتخلف الفكري والثقافي، اضافة الى فتك الفقر، وانتشار الامراض والأوبئة، وفقدان الامن والأمان.

ولم يكتف الاعداء الغربيين المتربصين بمصائر الشعوب بهذا القدر من الدمار لدول الشرق، فقاموا بصناعة الجماعات الارهابية المتطرفة مثل "القاعدة" و"داعش" بإعترافهم، لتقوم بحروب داخلية بالنيابة، كانت اكثر فتكاً وتدميراً، الامر الذي ادى الى هجرة عدد كبير من سكان الشرق الاوسط الى اوربا، بحيث وصلت تلك الهجرة اوجها بعد عام ٢٠١٤ حين شنت الحرب بمباركة دولية ضد عصابات داعش الارهابية بقيادة امريكا بالتحالف مع دول الاتحاد الأوربي، حيث قدمت الاخيرة دعماً مالياً وعسكرياً ولوجستياً منقطع النظير لإدامة الحرب في بلدان الشرق الاوسط العربي، والتي ادت بالنتيجة الى هجرة جماعية للعوائل الامنة من سوريا والعراق واليمن وليبيا ولبنان وافغانستان، وايران، وكذلك من دول أخرى في شمال افريقيا باتجاه القارة الباردة.

كان على دول الاتحاد الأوربي استيعاب، دون اعتراض، هذا الكم الهائل من اللاجئين الباحثين عن مأوى يتوفر فيه الامن والأمان والدعم المادي والمعنوي، الذي فقد في ليلة وضحاها بسبب الحروب والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، في الوقت الذي خسرت دول الاتحاد الاوربي استثماراتها ونفوذها السياسي والاقتصادي في منطقة شرق البحر المتوسط، خاصة في دول الصراع العربية، بل ومنعت من الاستثمار فيها، في حين تمتلك تلك الدول العربية من الطاقة والموارد، لو تم استثمارها بشكل علمي، وعلى اساس المنفعة المتبادلة، من قبل دول الاتحاد الاوربي، لكانت منطقتي الشرق الاوسط واوربا من اغنى المناطق الاقتصادية في العالم.

لذلك باتت الدول الاوربية غير قادرة على عمل توازن بين مصالحها في الشرق الاوسط والانفاق الكبير على اللاجئين والمهاجرين، الذين اصبحت تغص بهم البلدان الاوربية، حيث صاحب ذلك ازمات اقتصادية وصحية بدات تعصف بقوة باقتصاديات العالم، خاصة اقتصاد دول الاتحاد الاوربي القائم على الاستثمارات والتجارة الخارجية، أي إنه يرتكز على المردود المالي للأسواق العالمية وإيرادات الضرائب التي تدفعها الشركات والمواطنين، في الوقت الذي تتنافس الشركات الامريكية والأوربية على الاستثمارات داخل القارة الباردة، بعد ان بدأت الشركات الامريكية تستحوذ على المشاريع الكبيرة في دول الاتحاد الاوربي، وتمنعها من القيام بتنفيذ مشاريع طاقة كبيرة لتوريد النفط والغاز من روسيا الى اوربا، التي يستهلك اغلب بلدانها ما يقارب 80% من الطاقة الروسية بسعر مخفض بنسبة ٣٠٪ عن سعر السوق العالمية، خاصة بعد ان تم انشاء خط انابيب نورد ستريم٢ العملاق تحت مياه بحر البلطيق، ليغذي دول المانيا والسويد والدنمارك والنرويج بالطاقة الروسية مخفضة الكلفة، والذي واجه معارضة كبيرة من قبل السفارة الامريكية في برلين، وطالبت الشركات الاوربية بايقاف تنفيذه في السنوات السابقة.

وجاء ذلك بسبب الموقف الامريكي الرافض للتقارب الروسي - الأوربي بخاصة الروسي - الألماني، الذي دق ناقوس الخطر لدى الادارة الامريكية بعد مد خط انابيب نورد ستريم٢، الذي بدأ يعمل قبل بدء الحرب في أوكرانيا، وكان على امريكا ان تتصرف لتوقف، وبشتى الوسائل والطرق، هذا التقارب السياسي والاقتصادي الخطير، الذي جعل دول الاتحاد الاوربي تتحدث، في الاونة الاخيرة، عن مكانة مرموقة لمصالحها الاقتصادية تجاه المصالح الامريكية، التي اخذت تغزو دول القارة الاوربية، وتهيمن على اقتصادياتها، في الوقت الذي يجب على دول الاتحاد رصد اموالا طائلة للاجئين الفارين من بلدانهم بسبب الحروب الامريكية في الشرق الاوسط، وصناعتها لعصابات (داعش) الارهابية، دون اعتراض اوربي يذكر.
عملت الادارة الامريكية على افشال التقارب الروسي- الاوربي، الذي كانت تقوده شخصيات سياسية اوربية معروفة من المانيا، والنمسا وايطاليا، ودول اوربية اخرى، وذلك حين بدات امريكا تتظاهر بالانسحاب من سوريا نهاية عام ٢٠١٨ باتجاه العراق، وفسح المجال للرئيس بوتين بملىء الفراغ هناك بحكم علاقته الوطيدة مع الرئيس السوري حافظ الاسد، حيث جاء القرار الامريكي بعد محادثات بشان تقسيم النفوذ في سوريا بين روسيا وامريكا وتركيا ونظام حافظ الاسد، وبذلك اوهمت الادارة الامريكية بوتين باعطائه نفوذاً اكبر في سوريا، خاصة فيما يتعلق بقاعدة طرطوس البحرية في سوريا والمناطق المجاورة لها على ساحل شرق البحر المتوسط، وتعهدت لروسيا بالابقاء على نظام حافظ الاسد.

لكنه في نفس الوقت كانت امريكا تقود تظاهرات في اوكرانيا لتغيير نظام الحكم الموالي الى روسيا من خلال سفارتها ومساعدة سفارات الدول الاوربية في العاصمة الاوكرانية كييف، وقد تحقق لها ذلك بعد ان قادت تظاهرات شعبية في الساحات بشكل علني بداعي القضاء على الفساد والفاسدين في اوكرانيا، وتم تغيير النظام والاتيان بالممثل الكوميدي زيلنسكي الموالي لامريكا ليكون رئيسا للبلاد، وبذلك اصبحت روسيا على المحك مع حلف الناتو، خاصة بعد ان بدات امريكا تعزز من تواجدها في اوكرانيا وتحثها على الدخول في حلف الناتو، إضافة الى اثارة موضوع المختبرات البيولوجية الامريكية في اوكرانيا وعمليات التجسس الامريكية هناك.

حينها استفاق الدب الروسي من حلم السيطرة والنفوذ في الشرق الاوسط، واخذ يعد العدة للدفاع عن حدود روسيا المتاخمة لدول حلف الناتو، لحمايتها من الخطر الغربي الذي لا يخلوا من الاطماع في مصادر الطاقة الرخيصة التي غزاها هتلر في الحرب العالمية الثانية، وبذلك رأت روسيا بانه لا سبيل لها سوى شن الحرب على اوكرانيا لافشال مشروع دخولها في حلف الناتو والاتحاد الاوربي، وابعاد امريكا قدر الامكان من القيام بنشاطاتها الاستخبارية والبيولوجية على الحدود الروسية، فشنت الحرب على اوكرانيا في شباط ٢٠٢٢ .

بدأت حرب الاستنزاف الروسية - الاوكرانية بمباركة ودعم امريكي علني ومباشر لاوكرانيا، وأمرت دول الاتحاد الاوربي بالوقوف الى جانب نظام الحكم في اوكرانيا ودعمه بحربه مع روسيا، واعتبار هذه الحرب تمثل تهديدا لدول الاتحاد الاوربي، وتهدف الى تفكيك حلف الناتو، فلبت دول الاتحاد الاوربي النداء الامريكي وبدأت تنخرط في الحرب ضد روسيا دون التفكير بمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية، كما انخرطت في حروب الشرق الاوسط الامريكية وتدفق الهجرة الى اوربا، واعلنت موقفها الرافض للحرب والداعم لاوكرانيا، وفرضت عقوبات اقتصادية قاسية على روسيا بتوجيه أمريكي، وطرد بعض الدبلوماسيين الروس، رغم انها الخاسر الاكبر اقتصاديا في هذه الحرب لانها تستهلك القدر الاكبر من الطاقة الروسية، الامر الذي ادى الى ارتفاع حاد في اسعار الطاقة، وزيادة في نسبة التضخم، تعدت الـ ١١٪ في اكثر البلدان الاوربية، بعد ان تم تقليص امدادات الطاقة الروسية واغلاق خط انابيب نورد ستريم ٢، الذي تعرض كذلك للتخريب المقصود، وبذلك تدهورت العلاقات السياسية والاقتصادية الروسية - الاوربية حسب الارادة الامريكية، كما بقيت متلكئة في الشرق الاوسط

استطاعت الولايات المتحدة الامريكية، في نهاية المطاف، ان تحاصر دول الاتحاد الاوربي اقتصاديا من الشرق والغرب، فلا يسمح لها بالعمل والاستثمار في دول الشرق الاوسط، خاصة في الدول العربية الغنية بالموارد الاقتصادية والطاقة، باعتبارها مناطق نفوذ سياسي واقتصادي امريكي، ولا يسمح لها بالتحرك لايقاف الحرب في اوكرانيا، واعادة علاقاتها مع روسيا الفدرالية لمعالجة الازمة الاقتصادية والركود الاقتصادي والتضخم الذي تعاني منه كل دول الاتحاد الاوربي، التي باتت تعاني ايضا من مسألة الهجرة غير الشرعية المستمرة من اوكرانيا والبلدان الاخرى، في الوقت الذي تحاول عبثاً معالجة جبال الازمات من قممها وليس من قاعدتها، لانها تعرف جيداً بان الحل يكمن بيد الامريكان، وعليه اضحى حال دول الاتحاد الاوربي كحال "نساء حائرات" بين الزواج المبكر وتحمل الاعباء، وبين حياة العزوبية في اطار الحرية الشخصية، أي بين الهيمنة الامريكية منذ عقود مضت، واستقلالية القرار السياسي الاوربي الحر.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي: مجلة معارج الفكر 

الأحد، 1 يناير 2023

مُـــــتّ فـــــــارِغــــــاً

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي 

يَذكرُ الباحثون في علم الاجتماع بأن "الناس أجناس"؛ فمنهم من يكون ممتلئا بأخلاقه، وإنسانيته وتواضعه، وعلمه وعمله، ومنهم من يكون فارغاً من كليهما، لكنه ممتلئا بشروره، وكبرياءه  الفارغة،  وأنفته المتغطرسة، ولذلك يعيش فارغاً في الدنيا، ويموت فارغاً في الآخر.

حيث أوجد الله تعالى الموت كمحصلة نهائية في حياة الإنسان حين يبلغ كبره، ويصفر عوده، وتُشلُ حركته، وتتلاشى قدرته، وتتهالك قواه، وتنفذ طاقته، ليتمنى الموت راحةً له، ولذلك يجب على الإنسان الممتلىء خيراً في الدنيا أن يموت فارغاً في الآخرة

ومن هذا المنطلق، يمكن القول بأن كل ما يفعله الإنسان في حياته من عمل، وغرور، وخوف، وما يتعرض له من إحراجات أو فشل، يكون كل ذلك ثانوياً إذا ما واجه الموت، حينها يتلاشى كل شيء في حياته، تاركاً وراءه ما هو مهم، وهو نتاجه في الحياة، وما قدمه من نجاح، وما أخره من فشل. 

لذلك فإن خوف الانسان غير المبرر من فعل الأشياء بشكل خاطىء، يغيب في ذاته وميض الإلهام الفكري والإبداع في سعيه، ولهذا السبب أو ذاك يجب على المرء الإنخراط في العمل الذي يجد فيه الذات والراحة، وعدم الإجتهاد في الانعزال عن الحياة العامة التي تضج بانشطة الإنسان المختلفة، وهذا الامر يتطلب بذل الجهد بشكل مستمر، والتركيز في إستغلال المهارات الفطرية والمهنية الكامنة في الذات البشرية من أجل تحقيق تقدماً ملموساً في الأهداف المرسومة في الذاكرة الوهاجة، التي تتطلب من المرء الاجتهاد في العمل المتجسد في شحذ الهمم وتنمية المهارات في التنفيذ، والتصرف بإسلوب لن يَقدمْ عليه من قبل، وبذلك سوف يدرك القيمة الحقيقية التي جاء بها الى الحياة

يقول أستاذ اللغة الامريكي السيد هنري تود Henry Alfred Todd في كتابه الموسوم "متّ فارغاً"؛ بأن على الانسان أن لا يمتْ وهو ممتلىء بأفضل أعماله، ففي "المقابر دفنت كل الروايات التي لم تكتب، والأعمال التي لم يقدر لها ابداً أن تؤسس، والعلاقات التي لم تنته بالمصالحة"، فإن هناك أناس سيندمون كثيراً، لان حياتهم ليس لها هدف، "ولربما سيضحون من أجل حزمة أصدروها حين يرون الموت جلياً أمام أعينهم"، وكيف إنهم فضلوا نعيم الراحة على نعمة العمل.

والجدير بالذكر هنا، ان العمل لا ينطوي على طريقة كسب لقمة العيش فقط، وإنما يتجسد في أي جهد وتركيز يفعله الانسان، وعليه يجب أن يكون هناك وضوحاً في الرؤية والأهداف والدافع في كيفية التعامل مع العمل يومياً، وصلة حياة الانسان، والانجاز المنتج، وعدم التكاسل، بما يحقق الذات الانسانية في داخل المرء اولاً، ويؤرشف في نفسه الإخلاص والمواظبة، والابتعاد عن الكسل والإتكالية، والإهمال، الذي ينعكس سلباً على شخصية الفرد أو المؤسسة أو أي مجال حيوي آخر يعمل فيه.

ولا يعني موضوع "متّ فارغاً" بالضرورة أن تنفق كل شيء على حياتك المهنية والعامة، أو أن تستنزف جهدك بشكل مفرط، أو أن تعيش وكأنه ليس لديك وجود في الحياة، وإنما أن تقترح أفضل الأعمال في داخلك أمام قائمة المهام الموكلة اليك، والتي من الممكن أن يتم إنجازها من خلال التقدم بثبات في المشاريع التي تتفق مع إهتماماتك، في كل نواحي الحياة حيث تتوفر المتعة.

ويؤكد تود على ضرورة تجنب الراحة، لانها تمثل مصدر خطر على حياة الانسان، حسب تصوره، كما إنها تؤدي الى الركود، وان "حب الراحة عدو للعظمة، فالعظمة تستريح اذا ما حُفزت على الدوام"، أي أن تقوم على الأمر الصحيح حتى وأن كان غير مريحاً، وأن يكون التفكير دائما بأن جوهر العمل مرتبط بقيمة الإنسان، بحيث لا يكون الشخص مرآة تعكس سلبيات الآخرين، وإنما عليه أن يعمل على إزاحة الركام ليكتشف المباديء الرئيسية للأهداف مهما كانت الصعاب، بحيث يكون الإنخراط في العمل نابع من الذات وضمير مرتاح، وأن تغرس بذور اليوم لكي تحصد ثمارها غداً، بعد ان تنفق ما بجعبتك من جهد علمي وإبتكار، وتبتعد كثيراً عن حياة الخمول والراحة والخوف والإتكالية والأنفة والكبرياء الزائف، لكي "تموت فارغا" في نهاية المطاف.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الآتي:مجلة معارج الفكر