الثلاثاء، 23 يونيو 2026

الحياة الكذبة: حين يصبح الاستقرار ومهماً والمستقبل خيالاً

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

منذ فجر التاريخ والإنسان يسعى إلى حياة أفضل، مدفوعاً بالأمل في تحسين واقعه وتأمين مستقبل أبنائه. وقد ارتبط هذا السعي بفكرة إعمار الأرض وتحقيق السعادة والاستقرار والعيش الكريم، وهي غاية مشتركة بين مختلف الشعوب والحضارات. غير أن قدرة الإنسان على رسم مستقبله لم تكن دائماً رهناً بإرادته وحدها، بل كثيراً ما خضعت لقرارات النخب السياسية والاقتصادية التي أدارت شؤون المجتمعات، فكان أثرها حاسماً في صناعة الازدهار أو إنتاج التراجع والانهيار.

وعلى امتداد التاريخ، شهدت البشرية حروباً وصراعات كبرى أودت بحياة الملايين وأعاقت مسيرة التقدم الإنساني. إلا أن الفارق الجوهري بين المجتمعات لم يكن في تعرضها للأزمات فحسب، بل في قدرتها على بناء مؤسسات قوية قادرة على تجاوزها. فبينما استطاعت دول عديدة تحويل تجاربها المريرة إلى فرص للنهوض، بقيت أجزاء واسعة من الشرق الأوسط أسيرة دوامة من الأزمات المتكررة التي تجعل المستقبل غامضاً ومفتوحاً على احتمالات عدم الاستقرار.

ومن هنا يمكن وصف واقع كثير من شعوب المنطقة بما يمكن تسميته بـ"الحياة الكذبة"، وهي ليست حياة تقوم على الخداع المباشر بقدر ما تقوم على وهم الاستقرار. ففي هذه البيئة يعيش الفرد وهو غير قادر على الاطمئنان إلى مستقبله أو مستقبل أبنائه، لأن المكاسب التي يحققها المجتمع أو الفرد يمكن أن تتبخر خلال فترة قصيرة نتيجة حرب أو اضطراب سياسي أو انهيار اقتصادي أو تدخل خارجي. وبذلك تصبح الحياة اليومية محكومة بحالة من القلق المستمر، ويتحول التخطيط للمستقبل إلى مغامرة محفوفة بالمخاطر.

ولا تعود هذه الظاهرة إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة من العوامل المتداخلة. فضعف مؤسسات الدولة، وانتشار الفساد، وغياب العدالة في توزيع الثروة، وتراجع جودة التعليم، واستمرار النزاعات السياسية والطائفية والعرقية، كلها عوامل تؤدي إلى إضعاف الثقة بين المواطن والدولة. كما أن التدخلات الخارجية والصراعات الإقليمية حول النفوذ والموارد جعلت العديد من دول المنطقة ساحات مفتوحة للتنافس الدولي، الأمر الذي حدّ من قدرتها على بناء مشاريع تنموية مستقلة ومستدامة.

وفي ظل هذه الظروف تتعرض المنظومة الاجتماعية نفسها إلى التآكل التدريجي. فحين يفقد الإنسان ثقته بالمؤسسات والقوانين، يبدأ بالبحث عن بدائل توفر له الحماية أو المنفعة، سواء كانت طائفية أو عشائرية أو حزبية أو خارجية. وعندما تصبح المصالح الضيقة بديلاً عن المواطنة، تتراجع قيم التضامن الاجتماعي ويضعف الشعور بالانتماء الوطني، لتدخل المجتمعات في دائرة مغلقة من عدم الاستقرار.

وفي المقابل، فإن المجتمعات التي نجحت في تحقيق مستويات عالية من الرفاه والاستقرار لم تصل إلى ذلك عبر الصدفة أو التفوق الثقافي، بل من خلال بناء دولة المؤسسات وسيادة القانون وتكافؤ الفرص والاستثمار في الإنسان. فالاستقرار الحقيقي لا يتحقق بالقوة وحدها، ولا بالشعارات السياسية، وإنما بوجود عقد اجتماعي يشعر فيه المواطن بأن حقوقه مصانة وأن مستقبله مرتبط بنجاح دولته واستقرارها.

إن الخروج من "الحياة الكذبة" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يبدأ بإعادة بناء الإنسان قبل البنيان. ويشمل ذلك تطوير منظومة التعليم والتربية لترسيخ قيم المواطنة والعقلانية والتسامح، ومحاربة الفساد بوصفه العدو الأول للتنمية، وتنويع الاقتصاد لتقليل الاعتماد على الموارد الريعية، وتحقيق العدالة الاجتماعية التي تمنح الأفراد شعوراً بالمساواة والانتماء. كما يتطلب بناء مؤسسات سياسية فاعلة تمتلك الإرادة والكفاءة لحماية السيادة الوطنية وإقامة علاقات خارجية متوازنة قائمة على المصالح المتبادلة واحترام الاستقلال الوطني.

إن أزمة الشرق الأوسط ليست قدراً محتوماً، بل هي نتاج تراكمات تاريخية وسياسات خاطئة يمكن معالجتها بالإرادة والإصلاح. وعندما تنجح الدولة في بناء الثقة بين المواطن ومؤسساتها، وتوفر الأمن والعدالة والفرص الاقتصادية، تتحول الحياة من حالة انتظار دائم للأزمات إلى حالة من الاطمئنان والتخطيط للمستقبل. عندها فقط تنتقل شعوب المنطقة من "الحياة الكذبة" إلى حياة حقيقية قوامها الاستقرار والثقة والتنمية، وتصبح قادرة على صناعة مستقبل يليق بإمكاناتها البشرية والحضارية الكبيرة.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: الحياة الكذبة: حين يصبح الاستقرار ومهماً والمستقبل خيالاً

الأربعاء، 17 يونيو 2026

خطة عمل للإصلاح الاقتصادي ضمن البرنامج الحكومي العراقي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يمكن ان تقوم خطة العمل للإصلاح الاقتصادي في العراق على ستة محاور رئيسية مترابطة مع بعضها، بحيث تجمع بين مكافحة الفساد، وتعظيم الإيرادات، وتنويع الاقتصاد، وتحفيز الإنتاج الوطني، وخلق فرص العمل.

أولاً: الإصلاح المؤسسي ومكافحة الفساد

يُعد الفساد أحد أهم معوقات التنمية الاقتصادية، لذلك ينبغي اعتماد سياسة "المعالجة الهرمية للفساد"، من خلال:

1.    تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية.

2.    إخضاع كبار المسؤولين والدرجات الخاصة لنظام الإفصاح المالي والرقابة الدورية.

3.    أتمتة الإجراءات الحكومية والتحول الرقمي للحد من الاحتكاك المباشر وتقليل فرص الفساد.

4.    تفعيل مبدأ الثواب والعقاب وربط الترقية الوظيفية بمؤشرات الأداء والنزاهة.

5.    مراجعة العقود الحكومية الكبرى وتدقيقها وفق معايير الشفافية والحوكمة.

ثانياً: تعظيم موارد الدولة وحصر الإيرادات العامة

يهدف هذا المحور إلى تعزيز قدرة الدولة المالية وتقليل هدر المال العام، وذلك عبر:

1.    حصر جميع الإيرادات النفطية وغير النفطية وإيداعها مباشرة في الخزينة العامة.

2.    تطوير النظام الضريبي والجمركي وتوسيع القاعدة الضريبية بصورة عادلة.

3.    مكافحة التهرب الضريبي والجمركي باستخدام الأنظمة الإلكترونية الحديثة.

4.    إعادة تقييم أصول الدولة واستثمارها اقتصادياً.

5.    إنشاء قاعدة بيانات مالية موحدة لجميع الإيرادات الحكومية.

ثالثاً: التحول من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد الإنتاجي

يتطلب الإصلاح الاقتصادي الحقيقي تقليل الاعتماد على النفط باعتباره مورداً أحادي المصدر، من خلال:

1.    إعداد استراتيجية وطنية للتنويع الاقتصادي تمتد لعشر سنوات.

2.    إعطاء الأولوية لقطاعات الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات اللوجستية.

3.    تشجيع الصناعات التحويلية ذات القيمة المضافة المرتفعة.

4.    دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وربطها بسلاسل الإنتاج الوطنية.

5.    تطوير البنى التحتية الداعمة للإنتاج والاستثمار.

رابعاً: إعادة إحياء القطاع المختلط

يمثل القطاع المختلط أداة مهمة لتحقيق التوازن بين دور الدولة وآليات السوق، وذلك عبر:

1.    تأسيس شركات إنتاجية مختلطة تمتلك الدولة فيها نسبة (51%) والقطاع الخاص (49%). مع تفعيل نظام الحوافز وطرح الاسهم للعاملين.

2.    توجيه هذه الشركات نحو الصناعات الاستراتيجية والسلع الأساسية.

3.    استثمار الطاقات المعطلة للمصانع الحكومية وإعادة تأهيلها بالشراكة مع القطاع الخاص.

4.    توفير بيئة قانونية وإدارية جاذبة للاستثمار الوطني.

5.    ضمان الرقابة الحكومية على التوجهات الاستراتيجية والإنتاجية للمشروعات.

خامساً: التشغيل والابتكار وتعزيز القدرة التنافسية

يركز هذا المحور على التنمية البشرية وتحويلها إلى قوة إنتاجية فاعلة من خلال:

1.    ربط مخرجات التعليم والتدريب المهني باحتياجات سوق العمل.

2.    استيعاب الخريجين وأصحاب المهارات الفنية في المشاريع الإنتاجية الجديدة.

3.    إنشاء مراكز للابتكار والبحث والتطوير داخل المؤسسات الصناعية.

4.    تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للمشروعات التي تعتمد التكنولوجيا الحديثة.

5.    دعم برامج الجودة والمواصفات القياسية لرفع تنافسية المنتج العراقي محلياً ودولياً.

سادساً: ضبط الاستيراد وحماية المنتج الوطني

لضمان نجاح التحول نحو الاقتصاد الإنتاجي ينبغي:

1.    تنظيم الاستيراد وفق الحاجة الفعلية للسوق.

2.    تشديد الرقابة على التحويلات المالية الخارجية المرتبطة بالاستيراد.

3.    مكافحة عمليات غسل الأموال والتلاعب بالفواتير التجارية.

4.    تطبيق سياسة حماية ذكية للمنتج الوطني دون الإضرار بالمنافسة المشروعة.

5.    إعطاء الأفضلية للمنتجات الوطنية في المشتريات الحكومية.


لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط الرابط الاتي: المنبر الدبلوماسي

 

الجمعة، 12 يونيو 2026

قراءة استشرافية في مستقبل العلاقات الاوربية - الامريكية

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُبنى التحالفات الاستراتيجية بين الدول الكبرى عادةً على أسس راسخة من الثقة المتبادلة، والالتزام بالمعاهدات والاعراف الدولية، وتوافق المصالح بعيدة المدى. إلا أن التحولات التي شهدتها السياسة الأمريكية خلال السنوات الأخيرة، لاسيما في عهد الرئيس دونالد ترامب، أثارت تساؤلات داخل الأوساط الأوربية بشأن مدى استمرارية الالتزام الأمريكي التقليدي بأمن أوروبا ومصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي انعكس على مستوى الثقة المتبادلة بين ضفتي الأطلسي.

وفي هذا السياق، برزت داخل أوربا دعوات متزايدة لتعزيز مفهوم "الاستقلالية الاستراتيجية الأوروبية"، بما يتيح للقارة الأوربية امتلاك قدر أكبر من القدرة على التعامل مع التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية بعيداً عن الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة. ومن هنا بدأ الحديث عن ضرورة انتقال أوربا من صورة "القارة العجوز" إلى فاعل دولي أكثر قوة وتأثيراً في النظام الدولي المتشكل حديثاً.

ولا يعني هذا التوجه بالضرورة حدوث قطيعة أو عداء بين أوربا والولايات المتحدة الامريكية، إذ مازالت المصالح المشتركة والمؤسسات العابرة للأطلسي، وفي مقدمتها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، تشكل ركائز مهمة للعلاقة بين الجانبين. غير أن المؤشرات الحالية تدل على سعي أوربي متزايد لإعادة صياغة العلاقة مع واشنطن على أساس قدر أكبر من التوازن والاستقلالية.

وتواجه أوربا في هذا المسار تحديات اقتصادية كبيرة تحد من سرعة تحقيق طموحاتها الاستراتيجية. فقد أدت الحرب الروسية – الأوكرانية إلى تداعيات اقتصادية واسعة، من بينها تراجع الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية منخفضة الكلفة، والانتقال إلى بدائل أكثر كلفة، فضلاً عن تأثر الاستثمارات الأوربية في روسيا والأسواق المرتبطة بها. كما أن حالة عدم الاستقرار التي تشهدها بعض مناطق الشرق الأوسط وأجزاء من العالم النامي أسهمت في تقليص فرص التوسع الاستثماري الأوربي في تلك الأسواق.

وفي المقابل، اتجهت العديد من الدول الأوربية، وعلى رأسها ألمانيا، إلى تعزيز شراكاتها الاقتصادية مع الصين، انطلاقاً من اعتبارات اقتصادية وتجارية بحتة، الامر الذي أوجد تباينات في بعض الملفات الاقتصادية بين أوربا والولايات المتحدة، خصوصاً فيما يتعلق بكيفية إدارة العلاقة مع بكين.

وبناءً على هذه المعطيات، يبدو أن العلاقات الأوربية – الأمريكية تتجه نحو مرحلة جديدة تختلف عن الصيغة التي سادت خلال العقود الماضية. فحتى مع تغير النهج السياسي للإدارات الأمريكية في المستقبل، من المرجح أن يستمر التوجه الأوربي نحو تعزيز قدراته الذاتية في المجالات الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية.

غير أن تحقيق هذا الهدف يتطلب من الاوربيين اعتماد استثمارات ضخمة، وإصلاحات هيكلية طويلة الأمد، وإعادة بناء القدرات الدفاعية والصناعات العسكرية الأوربية، وهي عملية قد تستغرق سنوات عديدة بعد عقود طويلة من الاعتماد النسبي على المظلة الأمنية الأمريكية والتمتع بفترات ممتدة من الاستقرار والرخاء الاقتصادي لبلدان القارة الاوربية.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي:صحيفة معارج الفكر 

 

 

الجمعة، 5 يونيو 2026

الأُمــية الوظيفية - التحدي الخفي في بناء الإنسان والمجتمع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعرَّف الأمية الوظيفية بأنها الحالة التي يمتلك فيها الفرد القدرة الشكلية على القراءة والكتابة، لكنه يفتقر إلى القدرة الحقيقية على فهم النصوص واستيعاب مضامينها وتحليلها بصورة عميقة، فضلاً عن محدودية قدرته على إنتاج نصوص متماسكة فكرياً ولغوياً. وتُعد هذه الظاهرة من التحديات المعاصرة التي لا تقتصر على مجتمع أو دولة بعينها، بل تمتد بدرجات متفاوتة إلى مختلف المجتمعات الإنسانية، بغض النظر عن مستوياتها التعليمية والثقافية.

ولعل ما يثير الدهشة أن الأمية الوظيفية قد تنتشر بين أشخاص يحملون شهادات علمية أو يتمتعون بقدرة ظاهرة على القراءة والكتابة، إلا أنهم يعجزون عن استيعاب المعاني الكامنة وراء النصوص، أو توظيف المعرفة في التحليل والاستنتاج واتخاذ المواقف السليمة. ويعود ذلك إلى عوامل متعددة، من بينها ضعف الوعي، وقصور الإدراك، وتراجع الدافعية نحو التعلم المستمر، فضلاً عن الاتكالية والكسل الفكري اللذين يؤديان إلى انكماش القدرات الذهنية وتراجع مهارات التفكير النقدي والإبداعي.

إن القدرة على إنتاج خطاب متماسك وسليم من الناحيتين اللغوية والفكرية ليست مهارة متساوية لدى جميع الأفراد، بل تتفاوت تبعاً لمستوى المعرفة والخبرة والبيئة المحيطة. ومن هنا تصبح الأمية الوظيفية عائقاً بنيوياً يحد من فاعلية الإنسان في أداء أدواره الاجتماعية والمهنية، وقد تنعكس آثارها سلباً على ثقته بنفسه وقدرته على التفاعل الإيجابي مع محيطه، الأمر الذي قد يفضي إلى مشكلات نفسية وشعور بالعجز أو الإحباط.

ومع ذلك، فإن النظر إلى هذه الظاهرة ينبغي ألا يقود إلى تصنيف البشر بين أذكياء بالفطرة وضعفاء بالفطرة، فالفروق الإنسانية أكثر تعقيداً من هذا التصور المبسط. فالإنسان يمتلك طاقات وقدرات كامنة يمكن أن تزدهر أو تتراجع تبعاً للظروف التي يعيشها. فحين تتوافر بيئة سليمة قائمة على العدالة والاحترام والتحفيز، تتفتح ملكات الإبداع والفهم والتحليل لدى الفرد، ويصبح أكثر قدرة على الإنجاز والعطاء. أما عندما يتعرض للتهميش أو القهر أو الحرمان من الحقوق والفرص لفترات طويلة، فقد تتراجع قدراته الذهنية والنفسية، ويصبح أقل قابلية للتفاعل الإيجابي مع المعرفة والحياة.

ومن هذا المنطلق، فإن الأمية الوظيفية ليست مجرد مشكلة تعليمية، بل هي قضية اجتماعية وثقافية ونفسية ترتبط بجودة البيئة التي ينشأ فيها الإنسان. فالتربية السليمة، والتعليم النوعي، والعدالة الاجتماعية، وتعزيز ثقافة الحوار والتفكير النقدي، كلها عوامل تسهم في بناء شخصية متوازنة قادرة على الفهم والإبداع وتحمل المسؤولية.

إن مسؤولية مواجهة الأمية الوظيفية تقع على عاتق الأسرة والمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية، فضلاً عن مسؤولية الفرد تجاه تطوير ذاته وتنمية قدراته. فبناء مجتمع متماسك ومزدهر لا يتحقق بمجرد نشر التعليم الشكلي، بل يتطلب ترسيخ ثقافة الفهم العميق، واحترام العقل، وتنمية مهارات التحليل والاستنتاج والإبداع.

وبناءً على ما تقدم، يمكن القول إن مكافحة الأمية الوظيفية تمثل استثماراً استراتيجياً في الإنسان، لأنها تسهم في إطلاق طاقاته الكامنة وتحويلها إلى قوة إيجابية تدفعه نحو تحقيق ذاته وخدمة مجتمعه. فالمجتمعات التي تنجح في بناء إنسان واعٍ وقادر على الفهم والتفكير هي المجتمعات الأكثر قدرة على مواجهة التحديات وصناعة مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً.

 

 


الاثنين، 25 مايو 2026

الأُمــة الحيــة والأُمــة المأزومــة - قراءة فكرية في أسباب النهوض ومآلات التراجع

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُقاس حيوية الأمم اليوم بقدرتها على صناعة الإنسان قبل العمران، وعلى تحويل التاريخ إلى قوة دافعة نحو المستقبل، لا إلى عبءٍ يقيّد الحاضر ويُعطّل مسارات التطور. فالأمم التي استطاعت أن تبني مشروعاً حضارياً متكاملاً، لم تصل إلى ذلك عبر المصادفة، وإنما من خلال ترسيخ منظومة متوازنة تجمع بين الاستقرار السياسي، والعدالة الاجتماعية، والتنمية الاقتصادية، والوعي الثقافي، واحترام القانون، وبناء المؤسسات القادرة على حماية الدولة والمجتمع معاً.

ومن هنا يمكن تعريف "الأمة الحية" بأنها الأمة التي تنجح في استثمار منجزاتها الحضارية والتاريخية بصورة إيجابية لبناء حاضر مزدهر ومستقبل مستقر، وتعمل في الوقت نفسه على تقليص عوامل التخلف والانقسام والصراع الداخلي. فالإنسان فيها يمثل محور العملية السياسية والتنموية، وتُوظَّف موارد الدولة البشرية والاقتصادية لخدمة المجتمع وتعزيز قدراته العلمية والثقافية والإبداعية.

وتتسم الأمة الحية بجملة من الخصائص الجوهرية، أبرزها الاستقرار السياسي والأمني، وسيادة القانون، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات، ودعم الكفاءات الوطنية بعيداً عن الانقسامات القومية أو الدينية أو الطائفية. كما أنها تبني علاقاتها الدولية على أساس احترام السيادة وتبادل المصالح وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، بما يضمن استقلال قرارها الوطني وقدرتها على حماية مصالحها الاستراتيجية داخلياً وخارجياً. وفي مقابل ذلك، تظهر "الأمة المأزومة" بوصفها نموذجاً مضطرباً يعيش حالة اختلال بنيوي في الفكر والسياسة والاقتصاد والاجتماع. ويمكن التمييز بين نمطين رئيسيين من هذا النوع من الأمم:

أولاً: الأمـــة الحيــــة المأزومـــــة

وهي أمة تمتلك أدوات القوة والتفوق العلمي والعسكري والاقتصادي، لكنها تعيش في أزمة مستدامة ناجمة عن سعيها الدائم إلى الهيمنة والسيطرة على الآخرين. فهي تبني نفوذها على إدارة الصراعات الدولية واستثمار الأزمات، وتسعى إلى المحافظة على تفوقها بأي وسيلة ممكنة، حتى وإن تعارض ذلك مع القيم الإنسانية أو المواثيق الدولية.

ومن أبرز سماتها؛ أنها تتعامل مع العلاقات الدولية بمنطق القوة لا بمنطق العدالة، وتوظف الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والعسكر لخدمة مشاريع الهيمنة العالمية. كما أنها تميل إلى خلق الأزمات أو استدامتها للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية، الأمر الذي يجعلها في حالة صراع دائم مع ذاتها ومع محيطها الدولي، فتبدو قوية ظاهرياً لكنها تعيش قلقاً وجودياً مستمراً خوفاً من فقدان نفوذها العالمي.

ثانياً: الأمة المتخلفة المأزومة

أما هذا النوع من الأمم، فيعد الأكثر هشاشة وخطورة على مستقبل الامة الذاتي، لأنه يجعلها تعيش حالة تبعية مزمنة وفشلاً مستمراً في بناء الدولة الحديثة. فهي أمة عاجزة عن استثمار تاريخها أو مواردها أو طاقاتها البشرية، وتعيد إنتاج أزماتها بصورة متكررة، حتى تتحول الفوضى والتخلف إلى حالة اعتيادية داخل المجتمع.

وتبرز في هذه الأمم مظاهر الجهل والانقسام والفساد وضعف المؤسسات، فضلاً عن استنزاف الثروات وتراجع منظومات التعليم والثقافة والإنتاج. كما تتسع فيها الفجوة بين الحاكم والمجتمع، وتُستبدل الكفاءة بالولاءات الضيقة، فتفقد الدولة قدرتها على صناعة التنمية والاستقرار.

إن أخطر ما تواجهه "الأمة المتخلفة المأزومة" ليس الفقر المادي فحسب، بل الفقر الفكري والثقافي الذي يؤدي إلى تعطيل العقل النقدي، وتقديس الخطابات الشعبوية، والارتهان للماضي بوصفه بديلاً عن صناعة المستقبل. وعندما تفقد الأمة ثقتها بالعلم والعمل والإنتاج، فإنها تفقد الثقة بنفسها وبنظامها السياسي أيضاً، وتدخل في دائرة مغلقة من الخوف والتراجع والتشرذم.

جذور الأزمة الحضارية

إن جوهر الأزمة التي تعيشها كثير من الأمم يعود إلى تضارب المصالح بين القوى السياسية والاقتصادية، وغياب المشروع الوطني الجامع، وهيمنة النزعات الانتقامية والطائفية والقومية الضيقة، فضلاً عن تحكم المصالح الشخصية والفئوية بمصادر القرار. كما أن تداخل النفوذ السياسي مع المصالح الاقتصادية، وانتشار الفساد، واحتكار السلطة والثروة، كلها عوامل أسهمت في تعميق الكراهية والصراعات الداخلية والإقليمية والدولية.

ولذلك فإن العالم المعاصر لا يعاني فقط من أزمة موارد أو حدود، بل من أزمة إدارة وقيم ورؤية حضارية، حيث أصبحت بعض الدول تمتلك أدوات القوة لكنها تفتقر إلى البعد الأخلاقي، فيما تمتلك أمم أخرى التاريخ والثروات لكنها تعجز عن توظيفها في مشروع نهضوي حقيقي.

مختصر الحلول والمعالجات

إن الخروج من دائرة "الأمة المأزومة" نحو "الأمة الحية" يتطلب مشروعاً إصلاحياً شاملاً يقوم على مجموعة من المرتكزات الأساسية، من أهمها:

1.  بناء الإنسان عبر تطوير التعليم والثقافة والبحث العلمي، وترسيخ قيم المواطنة والانتماء الوطني.

2.  ترسيخ دولة المؤسسات والقانون ومنع احتكار السلطة والثروة، وتعزيز استقلال القضاء ومكافحة الفساد.

3.  تحقيق العدالة الاجتماعية وضمان التوزيع العادل للموارد والثروات بما يقلل من الفوارق والصراعات المجتمعية.

4.  دعم الكفاءات الوطنية وإبعاد الدولة عن المحاصصة والانقسامات الضيقة.

5.  تبني سياسة خارجية متوازنة تحفظ السيادة الوطنية وتمنع التبعية والصراعات العبثية.

6.  الانتقال من الاقتصاد الريعي إلى الاقتصاد المنتج القائم على الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار بالموارد البشرية.

7.  تعزيز ثقافة الحوار والتسامح ونبذ خطاب الكراهية والتطرف والانغلاق الفكري.

خاتمة القول، إن الأمم لا تُقاس بحجم ثرواتها الطبيعية أو قوتها العسكرية فقط، وإنما بقدرتها على بناء الإنسان الحر الواعي القادر على صناعة الحضارة وحماية الدولة. فالأمة الحية هي التي تجعل من العلم والعمل والإبداع أساساً لنهضتها، بينما تبقى "الأمة المأزومة" أسيرة الخوف والانقسام والصراع وإعادة إنتاج الفشل.

وحين تدرك الشعوب أن بناء المستقبل لا يتحقق بالشعارات أو انتظار المخلص، بل بالعمل والإصلاح والتخطيط والعقلانية، فإنها تكون قد خطت الخطوة الأولى نحو التحول من أمة تعيش على هامش التاريخ إلى أمة تسهم في صناعته. 

الثلاثاء، 19 مايو 2026

الدولة الدبلوماسية العميقة

 

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تولي وزارات الخارجية في أغلب دول العالم اهتماماً بالغاً بعملية اختيار وإعداد الكوادر الدبلوماسية، انطلاقاً من إدراكها لأهمية العنصر البشري في تمثيل الدولة وصياغة توجهاتها الخارجية. وتحرص هذه المؤسسات على تأهيل الدبلوماسيين علمياً وفكرياً وثقافياً ولغوياً عبر برامج متخصصة ودورات تدريبية مكثفة، تتبعها مراحل من العمل الميداني والتدرج المهني داخل مراكز الوزارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج. وتسهم هذه المسيرة المهنية في صقل الشخصية الدبلوماسية وفق معايير دولية تجعل من الدبلوماسي مرآة حضارية تعكس صورة بلده وقيمه ومصالحه أمام الدولة المضيفة والمجتمع الدولي.

كما تمثل مشاركة الدبلوماسيين في الدورات والبرامج التي تنظمها المعاهد والأكاديميات الدبلوماسية العالمية فرصة مهمة لاكتساب المعرفة العميقة بطبيعة الأنظمة السياسية والاقتصادية والأمنية في الدول المختلفة. فالاحتكاك المباشر بالتجارب الدولية، والاطلاع على آليات صنع القرار والسياسات الداخلية والخارجية للدول، يثري ذاكرة الدبلوماسي بخبرات ومعلومات استراتيجية قد لا تتوفر حتى لدى بعض الفاعلين السياسيين المحليين.

ويكتسب العمل الدبلوماسي بعداً أكثر عمقاً من خلال الخدمة الطويلة في البعثات والمنظمات الدولية والإقليمية، إذ تسهم سنوات العمل المتواصلة في بناء رؤية استشرافية لدى الدبلوماسي تجاه طبيعة العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف، وفهم التحولات السياسية والاقتصادية والأمنية للدول والمجتمعات. كما تنمي هذه الخبرة قدرته على التحليل والاستنتاج وتقدير المواقف، بما يساعد في تقديم رؤى دقيقة تسهم في رسم السياسة الخارجية على أساس المصالح المشتركة والتوازنات الإقليمية والدولية.

ومع تراكم الخبرة المهنية عبر سنوات الخدمة، يصبح الدبلوماسي قادراً على قراءة المشهد الدولي بواقعية وعمق، وتقديم المشورة الرصينة لصناع القرار عند وضع البرامج الحكومية والسياسات الخارجية للدولة. فنجاح السياسة الخارجية لا يقوم على ردود الأفعال الآنية، بل يعتمد على بناء استراتيجيات بعيدة المدى تستند إلى فهم دقيق لموازين القوى الدولية، ومجالات التأثير والتأثر، وطبيعة المصالح الوطنية في محيطها الإقليمي والدولي. ومن هنا تبرز أهمية الاستفادة من خبرات الدبلوماسيين المخضرمين الذين كرّسوا حياتهم للعمل السياسي والاقتصادي والثقافي والأمني الخارجي.

وفي هذا السياق، سعت العديد من الدول الكبرى ذات المصالح العالمية المتشعبة، مثل الولايات المتحدة الأمريكية، وروسيا الاتحادية، والصين، واليابان، فضلاً عن عدد من الدول الغربية ودول شرق آسيا، إلى تأسيس ما يمكن تسميته بـ"الدولة الدبلوماسية العميقة" ليكون لها دور مهم في رسم السياسة الخارجية لتلك البلدان. ويتمثل هذا المفهوم في بناء منظومة مؤسساتية متخصصة تضم دوائر وزارة الخارجية، ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية، والمعاهد والأكاديميات الدبلوماسية، التي يقودها دبلوماسيون وخبراء يمتلكون خبرة تراكمية ورؤية استشرافية واسعة. وتعمل هذه المؤسسات على إعداد الدراسات والتقارير والتوصيات التي تسهم في دعم صناع القرار عند رسم السياسة الخارجية للدولة وفق أسس علمية ومصالح استراتيجية واضحة.

إن بناء “الدولة الدبلوماسية العميقة” لا يقوم على المجاملات أو الاعتبارات الشخصية، البعيدة عن المهنية ومصلحة الدولة والشعب، بل يعتمد بصورة أساسية على الكفاءة والخبرة والتراكم المعرفي والنتاج الفكري للدبلوماسي. فالدول التي تسعى إلى ترسيخ حضورها وتأثيرها في النظام الدولي تدرك أن نجاح سياستها الخارجية يرتبط بقدرتها على بناء مؤسسات دبلوماسية رصينة تمتلك رؤية استراتيجية طويلة الأمد، وتعمل باستمرار على حماية المصالح العليا للدولة وتعزيز مكانتها بين الأمم.

 

 

الثلاثاء، 27 يناير 2026

المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف

 بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تصنف المجتمعات البشرية من قبل المختصين في النظم السياسية والاقتصادية على انها مجتمعات "مستوطنات بشرية"، "مجتمعات هشة"، مجتمعات متخلفة"، "مجتمعات نامية"، و"مجتمعات متطورة"، التي تسمى ايضاً "مجتمعات العالم الاول".

ان البناء المؤسسي الصحيح للإنسان من قبل السلطة في دول العالم الاول، والذي يعد عملية استراتيجية لتطوير القدرات البشرية، أفرز مجتمعات ذات شأن، محصنة من الاختراق ومتطورة من النواحي العلمية والحضارية والفكرية، قائمة على مبادئ احترام الوقت والقانون، والتعايش السلمي، والايمان بالمنافسة العادلة، وزيادة الانتاج وتحسين نوعيته، وهذا الامر لم يأت اعتباطاً وانما نتاج لعدة عوامل من أهمها؛ الاستغلال الامثل للثروات والموارد الاقتصادية المتاحة، والاستثمار في راس المال البشري، واستخدام التكنولوجيا في قطاعات الحياة الاجتماعية، مما ادى الى تحقيق تقدماً شاملاً في مجالات البنى التحتية والتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والاقتصاد والعدالة القضائية، إضافة الى توفير فرص العمل بعد اقامة المشاريع الإنتاجية الضخمة، والاهتمام بالعلم والكفاءات العلمية والثقافية، والتركيز على المؤسسات التربوية وبرامج الاندماج ووحدة اللغة لتنمية الروح الوطنية والانتماء الوطني.

الامر الذي أنتج مجتمعات صحية، انجبت حكومات قوية خالية من الفساد والمحسوبية، انتجت دولاً قوية انخفضت فيها الاصوات وقل الكلام، وارتفعت وتيرة العمل والإنتاج، واختفت الى حدٍ كبير المظاهر العشائرية والقبلية والقومية والعرقية والدينية، بعد ان تحققت العدالة الاجتماعية، وأصبح القانون القاسم المشترك بين ابناء المجتمع الواحد، بحيث أمست هذا المجتمعات والدول ملاذاً آمناً للنازحين والمهاجرين من المجتمعات الهشة والدول الفاشلة الى دول العالم الاول.   

أما في المجتمعات الهشة والدول الفاشلة، فيعاني الانسان من الاهمال وعدم الاهتمام من قبل السلطة، وتعيش المجتمعات بشكل عام حياة الفقر المدقع والبطالة، وانعدام الامن والامان، وضعف التماسك الاجتماعي والتفكك الاسري، وعدم المساواة بين المكونات الاجتماعية، وانتشار العدمية والايمان بالخرافة، وغياب التسامح والقبول بالتعددية، واستشراء الفساد، واستبداد السلطة، وكثرة الاضطرابات والصراعات الداخلية والكوارث الطبيعية والإنسانية نتيجة ضعف المؤسسات الحكومية، وعدم قدرة الدولة على الإصلاح واجراء التغييرات لتحقيق تطلعات أبناء المجتمع، خاصة في دول الشرق الاوسط وأفريقيا وامريكا الوسطى والجنوبية ومنطقة البحر الكاريبي وغيرها، ذات الموارد الاقتصادية والبشرية الكبيرة غير المستغلة، والتي غالباً ما تكون مخترقة والولاء فيها للأجنبي وللمجموعة والقبيلة والطائفة والقومية والعرقية اكثر من الولاء للوطن. 

كما يكون بناء الانسان في المجتمعات الهشة عشوائياً، قائم على اساس ادامة الفقر وتبديد الثروة والموارد الاقتصادية، وإهمال التربية والتعليم وتركها لجهود رب الاسرة، وذلك لعدم وجود مؤسسات تربوية حقيقية تحتضن الفرد وترتقي به من الروضة الى الابتدائية ومنها الى الإعدادية والجامعة، ضمن برامج علمية وتربوية مدروسة، الامر الذي خلق مجتمعات معاقة فكرياً وثقافياً وانسانياً، تعاني من الفقر المدقع والجوع، وانعدام الناتج المحلي والنتاج الفكري والعلمي، الذي يعطيها الأهلية القانونية والمعنوية في كيفية التعامل مع الظواهر الاجتماعية والازمات والتحديات المحيطة بها، وعرضة للتأثر بالمحيط الخارجي للدولة وبالروحانيات كبيئة جاذبة، تساعد على خلق مجتمعات هشة غير قادرة على انتاج اجيال قيادية لديها القدرة على تقديم ما هو إيجابي وافضل عند تسلم السلطة، باعتبارها نتاج للحرمان وارهاصات الخوف والفقر والتناقضات التاريخية السلبية التي زرعت ونمت في شخصية الانسان المتصدي للعملية السياسية في هذا المجتمع الهش او تلك الدولة الفاشلة. 

في المجتمعات الهشة، ترتفع الاصوات ويكثر الكلام والخمول معاً، ويقل العمل وينعدم الانتاج، وتزداد البطالة المقنعة، ويتم الاعتماد على الاستيراد بشكل كبير بعد ان يجبر الانسان على فقدان الثقة بنفسة كمنتج، حيث ينتظر القائمون على السلطة من الدول المتقدمة، التي تتربص بهم، تقديم العون والمساعدات المادية والمعنوية لإعادة هيكلة وبناء دولهم، وكأنه واجب حتمي عليها، من حيث لا يعلم السذج من القوم، بانه "لكل حادث حديث"، و"لكل شيء ثمن"، لذلك فان المجتمعات الهشة لا تنتج قيادات حقيقية تلبي حاجات الشعب والوطن الذي غالياً ما يكون منقوص السيادة، وانما تنتج دولاً فاشلة.  

ان عدم الشعور بالمسؤولية الوطنية وغياب السلطات الرقابية الامنية والقضائية، التي تعمل على المحاسبة ومعالجة السلبيات وتنمية الايجابيات لتحقيق الازدهار والرفاه الاجتماعي، وتحجم الى حدٍ ما مصالح الطبقة المهيمنة على السلطة والمال والجاه، خلق مجتمعات عالمية هشة مصنفة أممياً كـ"مستوطنات بشرية" و"مجتمعات فقيرة"، متخلفة فكريا ومتأخرة حضارياً ومتشددة قومياً وعقائدياً ضمن منظومة دول فاشلة، اصبحت باباً من ابواب الفساد المحلي والدولي، تعد في آن واحد مدعاة للتعاطف، والسخرية، والرأفة، وعدم الاحترام من قبل الدول والمجتمعات الرائدة في العالم. 

ان معالجة الهشاشة وتحصين الدولة والمجتمع من الاختراقات لا يأتي باستخدام الحديد والنار، وسياسة التجويع والتخويف والقهر الاجتماعي، كوسيلة للاستقرار والتطور والرفاه الاجتماعي، وانما بتحقيق العدالة الاجتماعية، والقضاء على آفة الفساد، والاستخدام الامثل للموارد الاقتصادية والبشرية المتاحة وتوظيفها بشكل صحيح ضمن سياسة استراتيجية وبرامج عمل تهدف الى تحقيق الازدهار الاقتصادي والرفاهية الاجتماعية، وبذلك لا تستطيع الهشاشة ان تنتج نفسها على مر الزمن وتصبح واقع حال وثقافة مجتمعية لا يمكن المساس بها بسبب ان "الانسان الهش" اصبح رافضاً لتغيير نمط حياته التي اعتاد عليها، وإن تَغيَّر جدلاً، فسيكون فوضوياً.

لذلك فان مجموعة المستفيدين من هشاشة المجتمع وتخلفه تحاول دائما كبح فرامل "الوعي المجتمعي" لدى الانسان، الذي يهدد مصالح الطبقة المستفيدة، سياسية كانت ام اقتصادية ام ثقافية أو دينية، بحيث اصبحت المجتمعات الهشة تنتج انظمة هشة همها توظيف القوانين لحماية وديمومة مصالحها، مما أثر سلباً على صعود الشخصيات العلمية والثقافية الوطنية التي يمكن ان يكون لها دور ايجابي لو تسلقت سلم السلطة.  

في الوقت الحاضر، اصبحت "المجتمعات الهشة" و"الدول الفاشلة" مستهدفة أكثر من اي وقت مضى من قبل القوى الكبرى في انتهاك سيادتها والهيمنة على مقدراتها الاقتصادية، وتدمير مواردها البشرية، بحجة اصلاح ذات البين، واستثمار الثروات بشكل صحيح، وبذلك تدفع المجتمعات الهشة في الدول الفاشلة ثمن تخلفها الفكري والثقافي والحضاري الذي لو استثمر بشكل صحيح لكانت المعادلة تختلف تماماً عما تكون عليه كواقع حال بات من الصعب تغييره، وفي النهاية تبقى المجتمعات الهشة بين مطرقة السلطة وسندان التخلف والفقر والحرمان. 

لقراءة المزيد من المقالات انقر على الرابط الاتي:المنبر الدبلوماسي الدكتور زاحم محمد الشهيلي


الخميس، 15 يناير 2026

القوات المسلحة المصرية - دور المؤسسة العسكرية المصرية في الحياة السياسية وحفظ الامن 1952-2013 أسابه وتداعياته

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعدُ المُؤسَّسة العسكريَّة في أيَّةِ دولةٍ ذات سيادةٍ من المكونــاتِ الأساســيَّةِ لنظــامِها السياسي، كونَها تشكلُ رمزاً لقوةِ الدولةِ والسُلطةِ السياسيَّةِ، وقد قادَ الإعتمادُ على هذا الرمزِ بشكلٍ أساسيٍّ في ممارسةِ السُلطةِ في أغلبِ بلدانِ العالمِ الثالثِ ومنها جمهوريَّة مصر العربيَّة إلى تدخلِ المؤسَّسة العسكريَّة المتكررِ في الحياةِ السياسيَّةِ المدنيَّةِ وهيمنتِها على عمليَّةِ صُنعِ القرار السياسي في الظروف الإستثنائية للحفاظ على الأمن القومي للدولة والشعب، الأمر الذي أَثارَ إهتمامَ الباحثينَ والمختصينَ في النُظمِ السياسيَّةِ والشأنِ العسكري للبحثِ في هذا الموضوعِ.

وقد أخذَ دورُ المُؤسَّسة العسكريَّة في المنطقةِ العربيَّةِ يتضِحُ من خلالِ دعمها لثوراتِ الشعوبِ العربيَّة أَو التصديَّ لها، الأمر الذي طرحَ تساؤلات عدة حولَ طبيعةِ علاقةِ المُؤسَّسة العسكريَّة بالحِراكِ السياسي المَدني واختلاف دورها في الدول العربيةِ التي شَهدتْ ثورات شعبية مطالبةً بالإصلاح السياسي والإقتصادي، والأسباب التي دفعتْ المُؤسَّسة العسكريَّة إلى تغيير موقفِها من داعمٍ لبقاءِ الأنظمةِ الدكتاتوريَّةِ في السُلطة لإرتباط القادة بها وعدم تجاوزِ العسكرِ لمهامِهم في حمايَّةِ الأمن القومي للدولةِ إلى أَن تكونَ عاملاً مؤثراً في التدخلِ بالشؤونِ السياسيَّةِ وداعماً للشعوبِ الثائرةِ في تحقيقِ مطالبِها.

أَمَّا بالنسبة للمُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّةِ فإنَّ دورَها وطبيعةَ علاقتَها بالسُلطةِ السياسيَّةِ قد أَخذَ جانباً مختلفاً عن بقيَّةِ المؤسساتِ العسكريَّةِ في المنطقةِ العربيَّةِ والإقليميَّةِ بسبب إرتباطِها وهيمنتِها على السُلطةِ السياسيَّةِ منذُ قيام ثورة 1952 على يدِ مجموعةٍ من الضباطِ الثائرين، بحيثُ وِلِدَ جميعُ الرؤساءِ الذين حكموا مصر منذُ ذلك الحينِ وحتى قيام أحداث 25 كانون الثاني / يناير 2011 من رحِمِ المُؤسَّسة العسكريَّة، لكِنها بقيَّتْ وفيةً للجماهيرِ حينَ استدعتْ الحاجةُ لها لِسَدِ الفراغَ الذي خلفهُ إنسحابُ قوى الأمنِ والشرطةِ إبانَ أحداث 25 يناير عام 2011 حينَ وضعَ الجيشُ مسافةً بينهُ وبينَ السُلطةِ السياسيَّةِ، وحرصَ على حمايَّةِ الجماهيرِ الثائرةِ وإقناعَ الرئيسَ (محمد حسني مبارك) بالتنحيَّ عن الحُكمِ في لحظةِ احتدام الأزمة، ومالَ في نهايَّةِ المطافِ تجاه الشعبِ ومطالبهِ المشروعةِ.

وعليهِ يُمكُنُ القولُ أَنَّ المُؤسَّسةَ العسكريَّةَ المصريَّةَ لَعِبتْ دوراً بارزاً ومحورياً في الحياةِ السياسيَّةِ في تلك الفترةِ بعد إندلاعِ أحداث 25 يناير 2011، التي تصاعدتْ فيها الإحتجاجاتُ الشعبيَّةُ المناوئةُ للحُكمِ في مصر، وتعالتْ الأصواتُ المطالبةُ برحيلِ الرئيس الأسبق (حسني مبارك)، الذي أُجبِرَ على التخليَّ عن السُلطةِ في 11 شباط / فبراير 2011، وتكليف "المجلس العسكري" برئاسة المشير (محمد طنطاوي) لإدارة شؤون السُلطة في مصر، وأعقبَ ذلك قيام ثورة 30 حزيران / يونيو 2013 التي انتهتْ بعزلِ الرئيس السابق (محمد مرسي) من السُلطةِ في 3 تموز / يوليو 2013، والذي يعد من أهم التطورات البارزة في الحياةِ السياسيَّةِ المصريَّةِ من حيثِ توفيرِ الظروفِ المناسبةِ لعودةِ المُؤسَّسةِ العسكريَّةِ المصريَّةِ الى المسرحِ السياسي.

لذلك يقودنا البحث في دور المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة في الحياة السياسيَّة المَدَنيَّة الى حتميَّة التطرُّق إلى تاريخ نشأتها، والظروف التي أدَّت إلى صيرورتها، والتحدِّيات التي أحاطت بولادتها محليّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً، والتي أدَّت – بالنتيجة - إلى نشأتها بالصورة التي ألفناها اليوم، وهيَّأت لها الأرضيَّة المُناسِبة للهيمنة على رأس السُلطة، ومُؤسَّسات صنع القرار السياسيّ، والاقتصاديّ، ورسم سياسة الدولة الداخليّة، وعلاقاتها الخارجيّة الإقليميَّة، والدوليَّة، من خلال تناول دور المُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّة في صنع القرارات السياسية، وموقفها من قضايا الأمن القـومي المصـري، والإلتزامـات والمعاهدات الدولية والإقليميَّة، وعلاقتها بالسُلطة السياسيَّة بعد وصولِ الإخوان المسلمين الى سدَّةِ الحُكم، وذلك من خلال عرض الفصول، والمباحث، والمطالب؛ للوُقُوف على هذه الظروف، والتحدِّيات، والمُلابَسات التي مكَّنت المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة من الهيمنة على الحياة السياسيَّة المدنيَّة للبلاد بداعي حفظ الامن القومي؛ لتُصبِح "واقع حال"، وثقافة مُجتمَعيَّة يَراها بعض المحللّين السياسيين والنُقاد مُنافِية للنُظُم الدستوريَّة، والديمقراطيَّة العالميَّة، والتداول السلميِّ للسُلطة. 

الأربعاء، 14 يناير 2026

الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تناولت الدراسية البحثية "الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة" الجوانب القانونية التي تحدد علاقة الدول الاطراف بمكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولات الملحقة بها، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات (1961، 1971، 1988)، والتي تتضمن التزامات الأطراف القانونية في مجال التعاون وتقديم المشورة والمساعدة الفنية والقضائية والمعلوماتية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود بكافة اشكالها.

تطرقت الدراسة الى البرامج التي يقوم بتنفيذها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC على المستوى الدولي، فضلاً عن برامج الأمم المتحدة لمراقبة الحاويات البحرية، وتبادل المعلومات، التي تهدف الى الحد من الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وكذلك استعراض استراتيجية مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة 2021-2025 على المستوى الدولي، وإمكانية استفادة الدول الاطراف من تلك البرامج والاستراتيجيات من ناحية الدعم والاستشارات القانونية والفنية وإقامة الدورات التدريبية الخاصة بتأهيل الكوادر المتخصصة بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة والإجراءات المتصلة بها، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، والإرهاب في اطار التدابير المتخذة من قبل الامم المتحدة ومكتبها المعني بالمخدرات والجريمة الـUNODC.

تناولت الدراسة ايضاً مستوى التعاون والتمثيل والبرامج وآليات العمل المشتركة بين العراق، ومكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC، كنموذج للتعاون الدولي من خلال مكتبه في بغداد، فضلاً عن استعراض جهات صنع القرار، وترأس العراق لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية للمدة 2022-2024، وخطة عمل ممثلية العراق الدائمة لدى المنظمات الدولية في فيينا 2022-2023.

وأُختتمت الدراسة البحثية في المقترحات والتوصيات التي تهدف الى تعزيز التعاون الفعال بين الدول الاطراف والامم المتحدة، وإمكانية الاستفادة من الجهد الدولي في مكافحة الجريمة الوطنية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والمتعلقة بجرائم المخدرات، والفساد، وغسل الأموال، والاتجار بالبشر، والإرهاب، والعمل على استتباب الأمن وحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، واعادة هيكلة المؤسسات الامنية والقضائية المحلية العاملة في هذا المجال، وتوفير فرص الاستشارة والتأهيل والتدريب الفعال لها.