الخميس، 15 يناير 2026

القوات المسلحة المصرية - دور المؤسسة العسكرية المصرية في الحياة السياسية وحفظ الامن 1952-2013 أسابه وتداعياته

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تُعدُ المُؤسَّسة العسكريَّة في أيَّةِ دولةٍ ذات سيادةٍ من المكونــاتِ الأساســيَّةِ لنظــامِها السياسي، كونَها تشكلُ رمزاً لقوةِ الدولةِ والسُلطةِ السياسيَّةِ، وقد قادَ الإعتمادُ على هذا الرمزِ بشكلٍ أساسيٍّ في ممارسةِ السُلطةِ في أغلبِ بلدانِ العالمِ الثالثِ ومنها جمهوريَّة مصر العربيَّة إلى تدخلِ المؤسَّسة العسكريَّة المتكررِ في الحياةِ السياسيَّةِ المدنيَّةِ وهيمنتِها على عمليَّةِ صُنعِ القرار السياسي في الظروف الإستثنائية للحفاظ على الأمن القومي للدولة والشعب، الأمر الذي أَثارَ إهتمامَ الباحثينَ والمختصينَ في النُظمِ السياسيَّةِ والشأنِ العسكري للبحثِ في هذا الموضوعِ.

وقد أخذَ دورُ المُؤسَّسة العسكريَّة في المنطقةِ العربيَّةِ يتضِحُ من خلالِ دعمها لثوراتِ الشعوبِ العربيَّة أَو التصديَّ لها، الأمر الذي طرحَ تساؤلات عدة حولَ طبيعةِ علاقةِ المُؤسَّسة العسكريَّة بالحِراكِ السياسي المَدني واختلاف دورها في الدول العربيةِ التي شَهدتْ ثورات شعبية مطالبةً بالإصلاح السياسي والإقتصادي، والأسباب التي دفعتْ المُؤسَّسة العسكريَّة إلى تغيير موقفِها من داعمٍ لبقاءِ الأنظمةِ الدكتاتوريَّةِ في السُلطة لإرتباط القادة بها وعدم تجاوزِ العسكرِ لمهامِهم في حمايَّةِ الأمن القومي للدولةِ إلى أَن تكونَ عاملاً مؤثراً في التدخلِ بالشؤونِ السياسيَّةِ وداعماً للشعوبِ الثائرةِ في تحقيقِ مطالبِها.

أَمَّا بالنسبة للمُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّةِ فإنَّ دورَها وطبيعةَ علاقتَها بالسُلطةِ السياسيَّةِ قد أَخذَ جانباً مختلفاً عن بقيَّةِ المؤسساتِ العسكريَّةِ في المنطقةِ العربيَّةِ والإقليميَّةِ بسبب إرتباطِها وهيمنتِها على السُلطةِ السياسيَّةِ منذُ قيام ثورة 1952 على يدِ مجموعةٍ من الضباطِ الثائرين، بحيثُ وِلِدَ جميعُ الرؤساءِ الذين حكموا مصر منذُ ذلك الحينِ وحتى قيام أحداث 25 كانون الثاني / يناير 2011 من رحِمِ المُؤسَّسة العسكريَّة، لكِنها بقيَّتْ وفيةً للجماهيرِ حينَ استدعتْ الحاجةُ لها لِسَدِ الفراغَ الذي خلفهُ إنسحابُ قوى الأمنِ والشرطةِ إبانَ أحداث 25 يناير عام 2011 حينَ وضعَ الجيشُ مسافةً بينهُ وبينَ السُلطةِ السياسيَّةِ، وحرصَ على حمايَّةِ الجماهيرِ الثائرةِ وإقناعَ الرئيسَ (محمد حسني مبارك) بالتنحيَّ عن الحُكمِ في لحظةِ احتدام الأزمة، ومالَ في نهايَّةِ المطافِ تجاه الشعبِ ومطالبهِ المشروعةِ.

وعليهِ يُمكُنُ القولُ أَنَّ المُؤسَّسةَ العسكريَّةَ المصريَّةَ لَعِبتْ دوراً بارزاً ومحورياً في الحياةِ السياسيَّةِ في تلك الفترةِ بعد إندلاعِ أحداث 25 يناير 2011، التي تصاعدتْ فيها الإحتجاجاتُ الشعبيَّةُ المناوئةُ للحُكمِ في مصر، وتعالتْ الأصواتُ المطالبةُ برحيلِ الرئيس الأسبق (حسني مبارك)، الذي أُجبِرَ على التخليَّ عن السُلطةِ في 11 شباط / فبراير 2011، وتكليف "المجلس العسكري" برئاسة المشير (محمد طنطاوي) لإدارة شؤون السُلطة في مصر، وأعقبَ ذلك قيام ثورة 30 حزيران / يونيو 2013 التي انتهتْ بعزلِ الرئيس السابق (محمد مرسي) من السُلطةِ في 3 تموز / يوليو 2013، والذي يعد من أهم التطورات البارزة في الحياةِ السياسيَّةِ المصريَّةِ من حيثِ توفيرِ الظروفِ المناسبةِ لعودةِ المُؤسَّسةِ العسكريَّةِ المصريَّةِ الى المسرحِ السياسي.

لذلك يقودنا البحث في دور المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة في الحياة السياسيَّة المَدَنيَّة الى حتميَّة التطرُّق إلى تاريخ نشأتها، والظروف التي أدَّت إلى صيرورتها، والتحدِّيات التي أحاطت بولادتها محليّاً، وإقليميّاً، ودوليّاً، والتي أدَّت – بالنتيجة - إلى نشأتها بالصورة التي ألفناها اليوم، وهيَّأت لها الأرضيَّة المُناسِبة للهيمنة على رأس السُلطة، ومُؤسَّسات صنع القرار السياسيّ، والاقتصاديّ، ورسم سياسة الدولة الداخليّة، وعلاقاتها الخارجيّة الإقليميَّة، والدوليَّة، من خلال تناول دور المُؤسَّسة العسكريَّة المصريَّة في صنع القرارات السياسية، وموقفها من قضايا الأمن القـومي المصـري، والإلتزامـات والمعاهدات الدولية والإقليميَّة، وعلاقتها بالسُلطة السياسيَّة بعد وصولِ الإخوان المسلمين الى سدَّةِ الحُكم، وذلك من خلال عرض الفصول، والمباحث، والمطالب؛ للوُقُوف على هذه الظروف، والتحدِّيات، والمُلابَسات التي مكَّنت المُؤسَّسة العسكريّة المصريّة من الهيمنة على الحياة السياسيَّة المدنيَّة للبلاد بداعي حفظ الامن القومي؛ لتُصبِح "واقع حال"، وثقافة مُجتمَعيَّة يَراها بعض المحللّين السياسيين والنُقاد مُنافِية للنُظُم الدستوريَّة، والديمقراطيَّة العالميَّة، والتداول السلميِّ للسُلطة. 

الأربعاء، 14 يناير 2026

الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة

المؤلف: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

تناولت الدراسية البحثية "الأُطر القانونية للتعاون الدولي في مكافحة المخدرات والجريمة المنظمة" الجوانب القانونية التي تحدد علاقة الدول الاطراف بمكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية والبروتوكولات الملحقة بها، واتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، واتفاقيات الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات (1961، 1971، 1988)، والتي تتضمن التزامات الأطراف القانونية في مجال التعاون وتقديم المشورة والمساعدة الفنية والقضائية والمعلوماتية لمكافحة الجريمة المنظمة العابرة للحدود بكافة اشكالها.

تطرقت الدراسة الى البرامج التي يقوم بتنفيذها مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC على المستوى الدولي، فضلاً عن برامج الأمم المتحدة لمراقبة الحاويات البحرية، وتبادل المعلومات، التي تهدف الى الحد من الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية، وكذلك استعراض استراتيجية مكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة 2021-2025 على المستوى الدولي، وإمكانية استفادة الدول الاطراف من تلك البرامج والاستراتيجيات من ناحية الدعم والاستشارات القانونية والفنية وإقامة الدورات التدريبية الخاصة بتأهيل الكوادر المتخصصة بمكافحة المخدرات والجريمة المنظمة والإجراءات المتصلة بها، ومكافحة الفساد وغسل الأموال، والإرهاب في اطار التدابير المتخذة من قبل الامم المتحدة ومكتبها المعني بالمخدرات والجريمة الـUNODC.

تناولت الدراسة ايضاً مستوى التعاون والتمثيل والبرامج وآليات العمل المشتركة بين العراق، ومكتب الامم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة UNODC، كنموذج للتعاون الدولي من خلال مكتبه في بغداد، فضلاً عن استعراض جهات صنع القرار، وترأس العراق لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية للمدة 2022-2024، وخطة عمل ممثلية العراق الدائمة لدى المنظمات الدولية في فيينا 2022-2023.

وأُختتمت الدراسة البحثية في المقترحات والتوصيات التي تهدف الى تعزيز التعاون الفعال بين الدول الاطراف والامم المتحدة، وإمكانية الاستفادة من الجهد الدولي في مكافحة الجريمة الوطنية والجريمة المنظمة العابرة للحدود، والمتعلقة بجرائم المخدرات، والفساد، وغسل الأموال، والاتجار بالبشر، والإرهاب، والعمل على استتباب الأمن وحماية الحدود البرية والبحرية والجوية، واعادة هيكلة المؤسسات الامنية والقضائية المحلية العاملة في هذا المجال، وتوفير فرص الاستشارة والتأهيل والتدريب الفعال لها.



جدلية تربية الأبناء وعقوق الوالدين


بقلم: الدكتور زاحم محمد الشُهيلي

يقول الله تعالى في محكم آياته: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا" (الكهف 46)، حيث جعل الله الابناء ثروة مكملة لثروة المال لكي تكتمل زينة حياة الانسان وتستمر، وبذلك تستمر حياة البشرية وتتكاثر عن طريق الانجاب كسرٍ من أسرار الديمومة الإلهية في توارث البشر، حيث يتوازى المال والبنون في كفتي الميزان الإلهي، وبذلك باتت غريزة الانسان لا تُشبعْ أو تستقر الا من خلال الزواج وإنجاب الأطفال وتكوين الثروة والاسرة كحاجة ملحة لديمومة الحياة، ولتكون الاسرة وفق هذا المفهوم الخلية الأصغر المكونة للمجتمع الكبير الذي يضم في طبقاته أسر متفاوتة من حيث المال والثقافة والعلم والجاه والمكانة الاجتماعية.

ومن هذا المنطلق، بدأ الوالدان يتحملان العبء الأكبر لبناء الاسرة من ناحية توفير العيش الرغيد للعائلة والاهتمام بتربية أبناءهم من عدة نواحي؛ منها الأخلاقية والعلمية والثقافية والوطنية، الامر الذي خلق مجتمعات عالمية يتنافس فيها أبناء المجتمع الواحد على صدارة المشهد الثقافي والعلمي، رغم ان المستوى الثقافي والعلمي للوالدين لم يكن في ذلك الحين بذلك المستوى الذي نراه اليوم بالنسبة لمجتمعات الشرق الادنى، لكن من ساعدهم على ذلك طاعة ابناءهم، والاخلاق العالية التي كانوا يتحلون بها، واحترامهم لوالديهم ولبعضهم البعض، وطموحهم الكبير ورغبتهم الجامحة في تسلق سلم العلم والمعرفة والأخلاق الفاضلة، بعد ان تم اتخاذ الاب أو الأخ او المعلم او أبن المنطقة الناجح قدوة في تحقيق الهدف.             

لم تكن تربية الأبناء صعبة من ناحية ضبط السيطرة على الاسرة بالنسبة للوالدين قبل الالفية الثانية رغم بساطة الحياة التي كانت تعيشها العائلة، وكانت متوازنة بين حرص الوالدين على تربية ابناءهم تربية صحيحة صالحة، وبين استجابة الأبناء واحترامهم لآراء اباءهم ووجهات نظرهم، والحرص على تحقيق امانيهم وآمالهم، والعمل على تعويضهم عما بذلوه من مال وجهد كبير في التربية والتعليم من خلال رد الجميل للوالدين وعدم انكار فضلهم، أو عقوق حقوقهم، ومساعدتهم في مواجهة تحديات الحياة التي أوصى بها الله تعالى حين قال: وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا" (الاسراء 23).

 تأمر الآية الكريمة الأبناء بحسن المعاملة وبر الوالدين في كافة مراحل الحياة، وتنهي عن قول "أُف" أو نهرهم، وتأمر بالقول الكريم والأسلوب السمح، وتُبرز مكانتهم بعد عبادة الله مباشرة، وتؤكد أن البر لا ينقطع حتى بعد وفاتهما، مشددةً على الشكر لهما كما الشكر لله عز وجل، حيث تربط الآية الكريمة عبادة الله بالإحسان للوالدين، مما يرفع من مكانة الأبناء.

وتحدد الآية الكريمة ايضاً كيفية الإحسان للوالدين عند بلوغهما سن الكبر، وهو أشد مراحل الحاجة للرعاية، فتأمر بالقول اللين والكلام الطيب بدلاً من التأفف أو النهر، إذ يشمل الإحسان للوالدين طوال حياتهم وبعد وفاتهم، عبر الدعاء لهما وصلة الرحم، ويُعد من أعظم الأعمال الصالحة، كما انه يجب التحدث معهما بلطف واحترام، وتجنب رفع الصوت عليهما أو قول ما يضجرهما، إضافة الى تلبية احتياجاتهما، والسعي الدائم اليهما، فهذا له أجر عظيم عند الله.  

لذلك نرى في الزمن الماضي، المسمى بـ"زمن الأخلاق الفاضلة"، كان الابناء يتسابقون على خدمة واحترام آباءهم وأمهاتهم حد القداسة حتى لو بدر منهما ما يعكر المزاج ويكدر الخاطر، ويحاولون جاهدين ان يكونوا بمستوى المسؤولية، بارين بوالديهم امام الله تعالى والناس، يأخذون بنصائحهم وتوجيهاتهم السديدة في الحياة، وبذلك استطاع الوالدان ان يبنوا أُسراً عظيمة، وان ينتجوا جيلاً من العلماء والمثقفين، والوطنين الافذاذ، الذين تركوا بصمة في الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وكانوا فخراً لبلدهم وعوائلهم.

لكنه في هذا "الزمن الاغبر"، زمن التطور التكنولوجي والعالم الافتراضي الصاخب، تغيرت الكثير من مفاهيم التربية، وانحدرت الاخلاق وسط الفوضى الاجتماعية والثقافية العارمة التي اجتاحت المعمورة من أقصاها الى اقصاها، حيث فقدان أغلب الابناء للتربية الصحيحة، والشخص القدوة، وبوصلة الاحترام والتقدير لوالديهم، ولكبير العائلة، والأستاذ المعلم في المؤسسات التربوية، وانعدمت الاخلاق، وقل الصدق والثقة بين الناس، واصبح الولدُ نقيضاً لأبيه، ونداً له في الحياة الاجتماعية الى درجة التطاول عليه في الكلام والاعتداء بالضرب في بعض الأحيان، وضعفت المودة وصلة الرحم والقرابة بين أبناء الاسرة الواحدة وتشتت شملها، واصبحت الانانية والمصالح الشخصية للأبناء هي التي تتكلم عن كيفية إدارة دفة الحياة ومصالح الاسرة والمجتمع بشكل عام.    

ووفقاً لذلك، باتت الفوضى تعم في المجتمع بعد ان مرضت الاسرة، ليسدل الستار على المبادئ والقيم، والعادات والتقاليد العائلية التي اعتاد عليها الآباء والاجداد، لندخل في نفق الانحدار والانحلال والتمرد الاخلاقي العائلي بسبب ظهور أجيال فوضى العالم الافتراضي غير المنضبطين قانونياً واخلاقياً ودينياً وتربوياً، تتحكم بهم نزوات الأنا والتمرد، ونكران الجميل، والصيرورة على حساب الآخر، التي تتعالى كثيراً على رغبات الوالدين، اللذان أفنوا حياتهم لكي يكون ابنهم "فلان" وابنتهم "فلانه" في مستوى اجتماعي يليق بسمعة العائلة ومكانتها الاجتماعية المرموقة. 

لذلك فان الله تعالى لم يخفِ ذلك في الآية الكريمة حين قال: "الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا" (الكهف 46)، إذ تُبيّن الآية بأن الأموال والأولاد زينة ومتاع مؤقت في هذه الدنيا، بينما الأعمال الصالحة الدائمة خير وأبقى عند الله ثواباً وأملاً، خاصة حين اصبح الوالدان - في الوقت الحاضر - يخشون شر ابناءهم، وما يجلبونه لهم من مشاكل لا تتفق مع الاخلاق والاعراف الاجتماعية، وكذلك المشاكل الاسرية التي تعدت حدود الاخلاق، والتجاوز على الوالدين من قبل الابن او البنت بكلمات نابية، وربما بالضرب في بعض الأحيان او القذف بهم في الشارع او دار العجزة، وكأنهم لم يلدوهم صغاراً حتى اشتد عودهم وصاروا رجالاً ونساءً.  

وعليه حذر الله تعالى الآباء من الأزواج والأبناء في سورة التغابن بقوله: "إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ" (التغابن 14)، وكأن ما نراه في العصر الحالي يتطابق مع روح القرآن الكريم، اذ تحث الآية الكريمة على الحذر من انحراف الأبناء في الحياة الاجتماعية وتمردهم على والديهم، مع التأكيد على أن العلاقة الأسرية يجب أن تكون مبنية على المودة والرحمة مع إعطاء الأولوية لرضا الله.

لذلك فان الله سبحانه وتعالى حين امر بقتل الغلام المشار اليه في سورة الكهف كان سببه انه كان عاقاً لوالديه، كما يعق بعض الأبناء اليوم آبائهم وامهاتهم بقسوة، واراد ان يخلصهم من شره وارهاقه لهم: "هَٰذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنَكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَلَيْهِ صَبْرًا" (الكهف: 78)... "وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81).

ان الانحدار الاخلاقي في الوقت الحاضر جعل من بعض الأبناء لا يفكرون ملياً بصحة وسعادة اباءهم، وانما بمصالحهم الشخصية ونزواتهم ورغبات الميراث فقط، ومحاولة التخلص من مسؤولياتهم أمام الله والناس تجاه الوالدين والاسرة، فأما ان يتركوهم يعانون شظف العيش وتدهور الحالة الصحية، او ان يذهبوا بهم الى دار العجزة ليجدوا الراحة الابدية بعيداً عن آهات عائلة الابن التي تريد ان تعيش حياتها بعيداً عن معاناة الاباء والاجداد المسنين، الذين باتوا يشدون امتعة الرحيل الى بارئهم املاً بدعاء او ثواب قد يأتهم من الابناء لدى العزيز الكريم. 

لذلك فان الجميع – الإباء، والمؤسسات التربوية والدينية، ومنظمات المجتمع المدني -  مطالب، في هذا الزمن الصعب الذي نعيشه، بالتحرك وابداء الراي والمشورة والموعظة الحسنة لوضع البرامج التربوية الخاصة بتربية الأبناء، بهدف اصلاح ذات البين لمن أراد اليه سبيلا، لان الذي يعق والديه بالتأكيد سيعق وطنه، وسيعقه ابناءه كمسلمة حياة في المستقبل، وان اصلاح شؤون الاسرة يعد اصلاحاً لشؤون المجتمع برمته.   

الخميس، 28 ديسمبر 2023

العلاقة الجدلية بين الدولة والنظام السياسي

بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي

اختلف الفقهاء في التوصل الى تعريف جامع لمفهوم الدولة، لكن التعريف الاقرب للدولة؛ بانها تلك الرقعة الجغرافية التي تحيط بها حدود معترف بها بموجب القانون الدولي، يقطنها مجموعة من الافراد (الشعب) بغض النظر عن قومياتهم وانتماءاتهم الدينية، تحكمها القوانين والانظمة والمؤسساتية في العمل، والتي تمنحها الشخصية القانونية المعنوية العليا، ويكون الفرد فيها (الشعب)، الذي يكتسب الشخصية القانونية منذ الولادة، مصدراً للسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية في النظام الديمقراطي، وهو من يختار افراد النظام السياسي ويعطي الصفة (القانونية المعنوية) لهم لادارة الدولة.

أما النظام، فيعرف بمجموعة الافراد الذين حصلوا على تفويض شعبي في اطار القانون لادارة الدولة سياسياً واقتصادياً وثقافياً ومجتمعياً واكتسبوا الحق القانوني في تمثيل الدولة اقليماً ودولياً من خلال المؤسسات التنفيذية والتشريعية والقضائية استناداً لدستور وقوانين البلاد والرؤى التي يمتلكونها، وبموجب خطة عمل لفترة محددة من السنين، والتي يجب ألا تتعارض ومصلحة الدولة والشعب، يصان فيها المال العام وتحفظ الحقوق وتحدد الواجبات في اطار القانون، وتصان فيها ايضا وتحفظ الحريات ويحترم حق التعبير عن الرأي الهادف للفرد والجماعة.

وهنا، يكون العمل تكاملياً بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي المنتخب ديمقراطياً للنهوض بالواقع الجمعي للمجتمع، حيث تكون الرقابة في تنفيذ المشاريع والمحافظة على المال العام مسؤولية الجميع سواء كان الشعب او النظام في اطار القوانين النافذة وكذلك العرف الاجتماعي من باب الحرص من قبل الشعب على سيادة القانون وعدم تبذير الموارد.

لكنه، يستطيع النظام ان يشحن الدولة/ الشعب لمصلحته قومياً، كما فعل الرئيس الامريكي ترامب في تسلقه سلم الدولة للوصول الى كرسي النظام السياسي، وكذلك يستطيع النظام في بعض الاحيان ان يستفز مشاعر الناس عرقياً وطائفياً ودينياً ومذهبيا لتحقيق مصالح فئوية وشخصية ضيقة على حساب مصلحة الدولة والشعب، ولكن حين تستشعر الدولة بتعارض ما يقوم به النظام السياسي مع مصلحتها العامة يخرج الشعب الممثل الحقيقي للدولة للاعتراض على تصرفات النظام للحد منها وايقاف التمادي والاستمرار بالحاق الضر بمقدرات الدولة ومؤسساتها التنفيذية والتشريعية وتشويه سمعتها على المستوى المحلي والاقليمي والدولي سواء كان ذلك بقصد او بغير قصد.

وحين يعجز النظام عن ادارة الدولة بالشكل الصحيح ويتنصل عن التزاماته ووعوده في تصحيح مسيرة العملية السياسية، يبدا الصراع بين الدولة ممثلة بالشعب وبين النظام السياسي الذي امتلك الصفة القانونية والمعنوية للسلطة من الدولة، صاحبة الشخصية القانونية المعنوية العليا، وكذلك الاستحوذ على المال العام والسلاح والانصار، لكنه خرج عن ارادة الجماهير.

وحين يبدا الصراع والتصادم ويتم تبادل الاتهامات بين الشعب والنظام السياسي بالتخوين والتخريب والقتل، ويسمح لبعض الاطراف الخارجية بالتدخل في الشأن الداخلي للدولة لتدارك الموقف، حينها يفقد النظام السياسي شرعيته وشخصيته القانونية المعنوية باعتبار ان الشعب هو مصدر السلطات.

ولتفادي تفاقم الازمة وتطورها الى ما لا يحمد عقباه تعلن الحكومة استقالتها كما حدث في بلدان عديدة ذات الانظمة الديمقراطية وتتحول الى حكومة تصريف اعمال يومية، وتحل المؤسسة التشريعية وتتم الدعوة الى انتخابات مبكرة لانتخاب نظام سياسي جديد من قبل الشعب لإدارة الدولة.

لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الاتي: مجلة معارج الفكر