بقلم: الدكتور زاحم محمد الشهيلي
أنجبت حركة التنوير الأوربية في القرنين السابع والثامن عشر الثورة الصناعية بشقيها الاشتراكي الشرقي والرأسمالي الغربي، الذي قاد الى ظهور نظام عالمي جديد سميَّ بـ"العولمة"، الذي يهدف الى عولمة النظم الاقتصادية الدولية والمحلية من اجل السيطرة على اقتصاديات الدول وحركة رأس المال العالمي من خلال البنك الفدرالي الأمريكي، تحت ذرائع وحجج واهية منها منع غسل الأموال وتمويل التنظيمات الإرهابية صنيعة الامبريالية الغربية و"الصهيونية" العالمية.
ومن
اجل تحقيق الأهداف السياسية والاقتصادية لنظام العولمة الجديد، كان لابد من انهاء
القيم الدينية للمعبد والكنيسة وإيجاد ثقافة عالمية ذات قواسم مشتركة عُرفت بثقافة
التقنيات، أو ما تسمى الآن بـ"الثقافة التكنولوجية"، لرسم ملامح مجتمع
العولمة الافتراضي الجديد الذي يقطن مواطنيه القرية الالكترونية الصغيرة، والذي
يتم فيه تحييد، الى حد ما، الثقافات المحلية والمنتج الحضاري والثقافي لبعض الشعوب
التي لم تستطع التوفيق بين الحداثة والأصالة في البناء الحضاري والثقافي، خاصة
شعوب الشرق الأدنى العربية.
حيث
يؤمن مجتمع العولمة ايماناً مطلقاً بالثقافة الالكترونية، ولا يُعير أية أهمية للأخلاق
والمثل الإنسانية سليلة القيم الدينية والعادات والتقاليد والموروث الحضاري
والشعبي للأمم، والذي من أبرز سماته التفكك الأسري، وخلق انسان مادي بلا عقيدة ولا
روح، يؤمن بالحريات المفرطة، والتمرد على ذاته، بعد أن تم تشويه صورة العقائد
والعادات والتقاليد والموروث الحضاري الإنساني لديه.
لذلك
أمست من أهم نتاجات العولمة في الالفية الثالثة "المثلية الجنسية
الدولية" وعلاقتها بالحريات المفرطة، وحقوق الانسان الكاذبة، والتي بدأ
الترويج لها دوليا في الآونة الأخيرة وبقوة من قبل البعثات الدبلوماسية الغربية،
بعد أن وصل الى سدة الحكم كوكبة من المثليين، الذين ربطوا الديمقراطية والحرية
الفردية بالمثلية الجنسية للرجل والمرأة، بهدف تسفيه المجتمعات وجعلها ساذجة بلا
قيم وموروث حضاري، يمكن السيطرة عليها بسهولة وتوجيهها حيثما تشاء.
ومن
اجل تعميق ثقافتها المقززة للأجساد من قبل الغرب، تم استحداث مناسبات للاحتفال
بالمثلية الجنسية على مستوى الأنظمة السياسية للبلدان الأوربية، بحيث يتم العمل
حالياً على تحويل ثقافة المثلية الجنسية من مرض يعاني منه بعض الأشخاص من ذكر وأنثى،
بسبب تغيير هرموني يمكن معالجته طبياً، الى ثقافة وواقع حال اجتماعي، بعد ان بدأت
الأنظمة الغربية تروج بقوة للمثلية الجنسية وترفع علناً رايتها المكونة من طيف
جميع الألوان الى جانب راية الدولة في المؤسسات العامة، وعلى منصات حافلات النقل
والقطارات، والترويج لتلك الثقافة في المدارس والكليات بين التلاميذ والطلبة
والطالبات على مختلف أعمارهم بحجة إن المثلية الجنسية حالة طبيعية مسلم بها، وهنا
تكمن الكارثة.
حيث
يدعي انصار المثلية الجنسية بأنهم يسعون الى خلق عالم خالي من العنف الديني،
والقومي، والمذهبي، بعيداً عن الحروب والأزمات، ولذلك جُعلت المثلية الجنسية قرينة
للقيم الدينية التي تدعو الى الإرهاب والقتل والفوضى، حيث ازدهرت المثلية الجنسية
دولياً على حساب التطرف الديني والمذهبي، وأضحت الاختيار الأفضل مقارنة بالدين
والعقائد الأخرى، التي باتت تتراجع بخطى طويلة امام انتشار ثقافة المثلية الجنسية
الدولية في العصر الحديث.
وعليه فقد وضع قادة العولمة الجدد الغربيين الانسان أما خيارين لا ثالث لهما، إما أن يكون من أنصار العقائد الدينية المتطرفة عدوة الإنسانية، أو أن يعتنق ثقافة المثلية الجنسية المتسامحة، التي يؤمن أنصارها بالحب المثلي والممارسة الجنسية للرجل مع الرجل والمرأة مع المرأة، وبذلك تصبح ثقافة (قوم لوط) هي الأساس في البناء الحضاري للأمم، بعد أن يتم الانتهاء من العمل على تدويلها، وانحسار الدين، واضمحلال الاخلاق والقيم الاجتماعية في عقول الناس.
لقراءة المزيد من مقالات الكاتب اضغط على الرابط الآتي: مجلة معارج الفكر
هناك تعليقان (2):
السلام عليكم دكتورنا العزيز . لك من القلب تحية أحترام واعتزاز. وفقكم الله لهذا العرض القيم لهذا الوباء الخطير الذي يعصف بالمجتمعات البشرية ليجعل منها مسوخا بهيمية . ارجو منكم اذكاء الموضوع بأوليات نشاته وولادته المشؤومة .ولكم مني فائق الشكر والتقدير.
ممنون شيخنا الجليل لمروركم العطر والاضافة القيمة التي اضاءت مساحتي … ربي يحفظكم
إرسال تعليق